في نهاية الأسبوع الماضي، انتشرت أخبار مقلقة حول الطالب الفلسطيني السوري في جامعة كولومبيا، محمود خليل، الذي تمت مواجهته من قبل ضباط وزارة الأمن الداخلي (DHS) في وحدة سكنه الجامعية. خليل، الحاصل على البطاقة الخضراء والذي تنتظر زوجته مولودًا في شهرها الثامن، تم اختطافه فعليًا من قبل وزارة الأمن الداخلي بعد إبلاغه بأن بطاقته الخضراء قد أُلغيت. بعد اختطافه، نقلته الحكومة الأمريكية من منشأة تابعة لهيئة الهجرة والجمارك (ICE) بالقرب من ولايته في نيوجيرسي إلى منشأة تبعد أكثر من 1300 ميل في لويزيانا. ورغم الجهود الواضحة من قبل ICE ووزارة الأمن الداخلي وإدارة ترامب لتسريع ترحيله، أمر قاضٍ فيدرالي ببقائه في البلاد حتى يتم استكمال إجراءات قضيته. وحتى اليوم، لا يزال خليل محتجزًا لدى ICE ، بينما يبقى موعد عودته إلى نيويورك غير واضح.


أحدث هذا الهجوم تأثيرًا مرعبًا امتد صداه في جميع أنحاء البلاد، ولكن بالنسبة لأولئك الذين تابعوا تصاعد القمع ضد الحركة الطلابية المؤيدة لفلسطين حتى قبل انتخاب الرئيس ترامب، فإن هذا التطور لم يكن مفاجئًا. في الواقع، كان عام 2024 —السنة الأخيرة من إدارة بايدن—عامًا قياسيًا في عدد الاعتقالات التي حدثت في الجامعات الأمريكية. فقد تم اعتقال آلاف الطلاب في جميع أنحاء البلاد، وتعرضوا لوحشية الشرطة وإجراءات تأديبية جامعية وغيرها. وكانت جريمتهم المزعومة أو “انتهاكهم لسلوك الطلاب” هو احتجاجهم على دعم جامعاتهم للإبادة الجماعية التي ترتكبها الولايات المتحدة وإسرائيل في غزة، واستفادتها منها من خلال استثماراتها المالية في صناعة الأسلحة.


جاء التصاعد الدراماتيكي للحركة الطلابية المؤيدة لفلسطين بالتزامن مع تنامي حركة التضامن العالمية مع مشروع التحرير الوطني الفلسطيني. فمنذ أكتوبر 2023 ، نظّم الآلاف تشكيلات جديدة، وخرج الملايين إلى الشوارع، ورددت الأصوات في جميع أنحاء العالم نداءات من أجل حرية الشعب الفلسطيني وأرضه. ولأول مرة، بدأ السرد السائد— خاصة في الولايات المتحدة والغرب—يتحول فيما يخص النضال الفلسطيني. ومع غياب أي تدخل حقيقي لوقف الإبادة الجماعية في غزة، حوّلت الجماهير في جميع أنحاء العالم مدنها إلى ساحات نضال وأماكن مواجهة.


لعب الطلاب الجامعيون في جميع أنحاء العالم دورًا جادًا في هذا الحراك. فعلى مدار ما يقارب عقدين من الزمن، طالبت المجموعات الطلابية—وخاصة في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا—جامعاتها بقطع علاقاتها المالية والمؤسسية مع الكيان الإسرائيلي. وتم تمرير مئات القرارات والاستفتاءات الطلابية التي تطالب بسحب الاستثمارات الأكاديمية والمادية من إسرائيل؛ ومع ذلك، لم تتجاوز هذه الجهود في معظم الأحيان المستوى الرمزي. لكن مع استمرار الإبادة الجماعية، تقدمت الحركة الطلابية من المطالبة بالتغييرات الرمزية إلى السعي نحو تغييرات مادية، حيث بدأ يتكشف تواطؤ الجامعات في الإبادة الجماعية. هناك علاقة جدلية بين الشبكة الإمبريالية التي تسهل هذه الإبادة الجماعية والحركة الطلابية، مما يفسر لماذا كلما تصاعد العنف ضد الفلسطينيين، صعد الطلاب من تكتيكاتهم في المقاومة. لكن هناك فرقًا جوهريًا في هذه التصعيدات—بينما صعّدت إسرائيل والولايات المتحدة من أعمال الإبادة الجماعية، صعّد الطلاب مطالبهم لإنهاء هذه الإبادة الجماعية.


هذه التفرقة ضرورية لأن الخطاب العام حول الانتفاضات الطلابية والمخيمات الاحتجاجية يجرّدها من سياقها، حيث يصوّرها كل من الليبراليين والمحافظين على حد سواء بأنها “متطرفة” و”معادية للسامية”. الاتهام الثاني هو الأهم هنا، حيث أصبحت مزاعم معاداة السامية الأساس ال رئيسي لاستهداف الحركة الطلابية. في الواقع، كان الرئيس بايدن من أوائل السياسيين الذين أدانوا الاحتجاجات في جامعة كولومبيا في أبريل 2024 ، واصفًا أنشطة الطلاب بأنها “معاداة سافرة للسامية”. هذه ليست ظاهرة جديدة، فقد تم استخدام اتهامات معاداة السامية كسلاح ضد دعاة تحرير فلسطين لعقود. وخلال السنوات القليلة الماضية، كان هناك دفع متعمد لاعتماد تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) لمعاداة السامية، والذي يتضمن انتقاد الكيان الصهيوني باعتباره معاداة للسامية. ولهذا السبب، لا ينبغي أن ننخدع بالغضب الليبرالي الظاهري ضد استهداف ترامب لخليل وطلاب آخرين بسبب تنظيمهم المؤيد لفلسطين. في الواقع، إن الحزب الديمقراطي وقيادته هم من وضعوا الأساس لسياسات ترامب المتطرفة اليوم.


ما يدفع هذا الإجماع بين الديمقراطيين والجمهوريين حول قمع الحركة الفلسطينية هو مصالحهم الصهيونية والإمبريالية المشتركة، فضلاً عن نواياهم الواضحة في كبح الحركة المتنامية المؤيدة لفلسطين في الولايات المتحدة. وبينما قد يختلف الديمقراطيون والجمهوريون في منهجيتهم المفضلة لقمع هذه الحركة، إلا أنهم متحدون في رغبتهم في قمعها. العنف الشديد الذي يمارسه الكيان الاستعماري الإسرائيلي، والدعم المادي والعسكري والدبلوماسي غير المحدود الذي يتلقاه من الولايات المتحدة، وعجز المجتمع الدولي عن التدخل في إبادة جماعية موثقة على و سائل التواصل الاجتماعي، كلها عوامل كانت بمثابة صدمة هائلة للجماهير في جميع أنحاء العالم. فقد تحطمت الصورة الزائفة التي رسمتها إسرائيل بعناية منذ تأسيسها في غضون أشهر قليلة، كاشفة للعالم أجمع حقيقتها كدولة استيطانية قائمة على إبادة الفلسطينيين.


الحقيقة أن الحركة الطلابية من أجل فلسطين—وحركة التضامن مع فلسطين ككل—قد خلقت أزمات متعددة للطبقة الحاكمة في هذا البلد. فقد كانت المخيمات الطلابية، التي بدأت في جامعة مرموقة مثل كولومبيا وسرعان ما أشعلت موجة من الانتفاضات في جامعات أخرى عبر البلاد، مؤشرًا على تحول حاسم في الوعي الشعبي حول الإمبريالية الأمريكية ودور المؤسسات الأكاديمية في الحفاظ على المصالح الصهيونية. الجامعات التي طالما امتُدحت باعتبارها مراكز للتقدم الاجتماعي والسياسي استدعت قوات الدولة لقمع الطلاب في حرمها الجامعي. الجامعات التي تفاخر نفسها بسحب استثماراتها من نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا ومن السجون الخاصة، رفضت بشكل قاطع سحب استثماراتها من الشركات التي تجني مئات الملايين من الدولارات من ذبح الفلسطينيين في غزة. هذه الإجراءات كشفت الجامعات كأماكن لإعادة الإنتاج الاجتماعي تهدف إلى تخريج جيل من الطلاب المجردين من أي مهارات تفكير نقدي ومن أي دافع لرؤية أنفسهم كفاعلين في التغيير.


هذه التناقضات، التي تفاقمت من خلال المواجهة، مزقت نسيج الخداع الإمبراطوري. هذا التحليل يسمح لنا بفهم لحظة القمع هذه على أنها أكبر من مجرد استهداف إدارة ترامب لحامل بطاقة خضراء بسبب أفعال محمية بحرية التعبير، كما قد يحاول البعض تصوير اعتقال خليل. ما الذي سيحدث بعد ذلك لحركة فلسطين في الولايات المتحدة، وللطلاب على وجه الخصوص، لا يزال غير واضح—لكن من المرجح أن نشهد تصعيدًا في القمع، وتجريمًا محتملاً، واستمرارًا للهجمات على الأفراد الأكثر ضعفًا. إن استجابة الحركة المؤيدة لفلسطين والمتضامنين معها في هذه الأوقات حاسمة للغاية، إذ يجب أن نعمل على حماية طلابنا وإحباط المحاولات الواضحة لتدمير أسس حركتنا في الولايات المتحدة.

أسرة تحرير موقع جمهورية فلسطين.

“لا للسكوت في مواجهة القمع. الحرية للمعتقلين. تسقط محاكم التفتيش الأمريكية.”، “الحرية لمحمود خليل.”
تشارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *