جمهورية فلسطين تعيد نشر هذا المقال الذي نشر في موقع People’s Dispatch بتاريخ 12 مارس 2025 بقلم فيجاي براشاد.
مع بداية رمضان، ردّت “إسرائيل” بانتقام وحشي تمثل في قطع الغذاء والماء والكهرباء، وانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار، واستئناف الغارات الجوية. هذه قصة الصمود في وجه القمع المنهجي.
في 27 يناير 2025، غادر مئات الآلاف من الفلسطينيين مراكز اللجوء في جنوب غزة وساروا جماعياً نحو الشمال. عبروا العديد من مدن غزة في طريقهم، مشكلين صفاً طويلاً من البشر على امتداد البحر الأبيض المتوسط. كان واضحاً أن هذا لم يكن عملاً عفوياً، حيث بدا أن الجميع يدرك أن هذا اليوم هو الأنسب للعودة إلى منازلهم المدمرة. قامت طائرات مسيرة بتصوير تقدمهم، بينما تسلق شبان الأعمدة المعدنية لرفع الأعلام الفلسطينية، وكأنهم يؤرخون رحلتهم التاريخية. أطلقت حماس على المسيرة نحو الشمال اسم “انتصار لشعبنا” و”إعلان فشل” لمحاولة إسرائيل ضم غزة. وأكد إيتامار بن غفير، الحليف السابق المقرب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على كلام حماس، قائلاً إن المسيرة نحو الشمال كانت “انتصاراً لحماس” و”استسلاماً إسرائيلياً”.
مع نهاية اليوم، أشعل الفلسطينيون الذين وصلوا إلى مدينة غزة نيران الطهي، في إشارة للأقمار الصناعية بأن النور – حتى وان كان ناتجاً عن النار وليس الكهرباء – قد عاد إلى غزة.
وفقا لاتفاق وقف إطلاق النار، بدأت شاحنات المساعدات بالدخول إلى غزة بأعداد أكبر بكثير مما كانت عليه سابقاً، حيث وصلت إلى 600 شاحنة يومياً بحلول منتصف فبراير 2025. افتتحت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) سبعٌ وثلاثون مركز إيواء في الشمال، بما في ذلك سبعة في مدينة غزة، كان أحدها مخصصاً للنساء فقط، بالإضافة إلى توفير دعم طبي متواضع للحوامل. وفي اليوم الذي سبق حلول شهر رمضان المبارك، أعلنت الأونروا أنها بدأت في تقديم المساعدات الغذائية لحوالي مليوني فلسطيني، أي 90% من سكان قطاع غزة المتبقين.
قال لي أحمد الرقَب، المقيم في مدينة غزة، عبر تطبيق واتساب: “نحن مستعدون لرمضان”. يُحتفى بشهر رمضان، الشهر التاسع في التقويم الإسلامي، كشهر للتدبر والصلاة. تُعرف الأيام العشرة الأولى من رمضان بأيام الرحمة، ولكن هذه الأيام العشرة الأولى تحولت إلى محنة.
وأضاف: “ليس لدينا الكثير، لكننا سنصوم ثم نتشارك ما لدينا في المساء حتى نقضي وقتاً لا يُنسى مع عائلاتنا وأصدقائنا”. ثم عاد لاحقاً، بعد حلول الليل، ليطمئنني قائلاً: “حتى لو لم يتبقَّ شيء، يا صديقي، لدينا القليل من الدُقَّة، وسنحلم بالصيادية حين تأكل معنا”. الدُقَّة هي مزيج لذيذ من البندق المسحوق مع الكمون والنعناع، أما الصيادية فهي طبق من السمك المطهو بالفلفل الحار والمُقدم مع الأرز والبصل المقلي. حتى في وسط العدم، هناك أحلام بشيء ما.
لكن رمضان بدأ بالحزن لكثير من الفلسطينيين في غزة. فاطمة العبسي، التي تعيش في جباليا، لم تستطع الذهاب للصلاة في مسجدها المعتاد لأنه دُمر تماماً بالقصف. قالت: “كل شيء تغير. لا يوجد زوج، لا يوجد منزل، لا يوجد طعام مناسب، ولا توجد حياة طبيعية”. قُتل زوجها في قصف إسرائيلي. تقلصت حياتها، لكنها وجدت طريقة للاحتفال برمضان مع ما تبقى من أسرتها في شمال غزة.
في 2 مارس، أوقفت إسرائيل السماح بدخول أي شاحنات مساعدات إنسانية إلى غزة، مما أدى إلى قطع الإمدادات – بما في ذلك الغذاء – عن الفلسطينيين الذين بدأوا للتو شهر رمضان. كان هذا الفعل بمثابة إعلان حرب وانتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار. زعمت الحكومة الإسرائيلية أن السبب هو عدم اطلاق سراح الرهائن من قبل حماس، لكن هذه ليست الحقيقة الكاملة وراء استئناف سياسات الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين. فمن المهم أن نتذكر أنه قبل أيام قليلة من هذا الحصار، تعرضت إسرائيل للإهانة بسبب المسيرة الفلسطينية الكبرى نحو الشمال. كان منع شاحنات المساعدات الإنسانية شكلاً من أشكال الانتقام من الفلسطينيين الذين أفسدوا مخطط التطهير العرقي الذي كان من المفترض أن يمهد الطريق أمام إسرائيل لضم – على الأقل – شمال غزة.
مع عودة مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى الشمال، أصبح من المستحيل تنفيذ مشروع “ريفييرا” الذي كان يحلم به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبناء المستوطنات الضخمة التي كانت إسرائيل تخطط لها. وكان العقاب هو إنهاء المساعدات الإنسانية، والجريمة كانت المسيرة الكبرى نحو الشمال.
لكن الأمر لم يتوقف عند منع الشاحنات. ففي 11 أكتوبر 2023، أمرت الحكومة الإسرائيلية شركة الكهرباء الإسرائيلية بقطع إمدادات الكهرباء عن غزة، مما أدى إلى توقف محطة توليد الطاقة فيها عن العمل. ظلَّت محطة تحلية مياه البحر الجنوبي تعمل رغم الظروف الصعبة، لكن في 9 مارس 2025، أعلنت إسرائيل أنها ستقطع أي إمدادات كهرباء متبقية، بما في ذلك الكهرباء التي تغذي محطة التحلية، مما يعني أن غزة ستواجه نقصاً حاداً جداً في المياه النظيفة.
ثم، وكأنها جاءت من العدم، بدأت الغارات الجوية تتصاعد. ففي 11 مارس، أسفرت غارة عن استشهاد خمسة أشخاص في مدينة غزة. وفي رفح، قتلت طائرة مسيرة إسرائيلية امرأة فلسطينية. إنها آلة الحرب الإسرائيلية تستعد مجدداً لتكثيف القصف ودفع الفلسطينيين نحو الجنوب مرة أخرى.
قطع المياه، والطعام، والكهرباء؛ عودة القصف؛ التهديدات بتدمير غزة بالكامل ودفعها نحو مصر؛ التهديد ببناء منتجعات سياحية للسياح من تل أبيب وهيوستن – هذه هي حقيقة الحياة للفلسطينيين في غزة. تبدو الممارسات الإسرائيلية أوسع بكثير من مجرد غضب بسبب عدم إطلاق سراح الأسرى. انها ببساطة انتقام ليوم 27 يناير.
سألت أحمد، “كيف ينجو الجميع من هذا الوضع؟”. “لا بد أنكم جميعاً مرهقون من التوتر.”
أجاب: “نحن بخير”، ثم أضاف، كما لو كان يؤكد على كلامه أو يقنع نفسه: “نحن بخير.”
فيجاي براشاد: هو مؤرخ ومحرر وصحفي هندي. وهو كاتب ومراسل رئيسي في Globetrotter. وهو محرر في LeftWord Books ومدير Tricontinental: Institute for Social Research.
وقد كتب أكثر من عشرين كتابًا، بما في ذلك “The Darker Nations” و “The Poorer Nations”. من أحدث مؤلفاته: “On Cuba: Reflections on 70 Years of Revolution and Struggle” (بالاشتراك مع نعوم تشومسكي)، و”Struggle Makes Us Human: Learning from Movements for Socialism“، و” The Withdrawal: Iraq, Libya, Afghanistan, and the Fragility of U.S. Power” (بالاشتراك مع نعوم تشومسكي أيضاً).
تم إنتاج هذا المقال بواسطة Globetrotter و No Cold War.