جمهورية فلسطين تعيد نشر هذا المقال الذي نشر في موقع People’s Dispatch بتاريخ 19 مارس 2025 بقلم فيجاي براشاد.

استأنفت إسرائيل هجماتها على الفلسطينيين في غزة، منهيةً بذلك اتفاق وقف إطلاق النار وقاطعةً فترة الاستراحة القصيرة من عنفها الإبادي.

في 18 مارس 2025، خرقت إسرائيل من جانب واحد اتفاق وقف إطلاق النار وقصفت عدة مواقع في غزة. وتشير التقديرات إلى أن القصف الإسرائيلي أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 400 فلسطيني، معظمهم من المدنيين. وأفاد الصحفيون في غزة أن من بين الضحايا 174 طفلًا. مرة أخرى، تم محو عائلات بأكملها من السجل المدني. وصف فيليب لازاريني، رئيس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ما حدث بأنه “جحيم على الأرض”. أما الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنييس كالامار، فقد وصفت الوضع بأنه “كابوس جهنمي من القصف المكثف”. الجميع يردد كلمة “الجحيم”، فهي التعبير الأدق لما يجري في غزة الآن.

الهجوم الإسرائيلي


لماذا خرقت إسرائيل وقف إطلاق النار؟ لا يوجد سبب منطقي. لم يقم الفلسطينيون بأي عمل على الأرض يستفز هذا التصعيد الدموي. تم تنفيذ تبادل الأسرى بسلاسة، وكانت عملية التحقق من وقف إطلاق النار قائمة. ومع ذلك، هناك ثلاثة أسباب محتملة دفعت الإسرائيليين للعودة إلى العنف:

  1. الإحراج الذي تسببه الفلسطينيون للحكومة الإسرائيلية: حدث ذلك مرتين على الأقل—عندما سار مئات الآلاف شمالًا لاستعادة شمال غزة في 27 يناير، وعندما أظهر الأسرى الإسرائيليون تعاطفًا مع محتجزيهم عند إطلاق سراحهم، لدرجة أن بعض الجنود الإسرائيليين قبّلوا مسلحي حماس الذين احتجزوهم كأسرى.
  2. التحالف السياسي لنتنياهو: بعد خرق وقف إطلاق النار، أعاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ثلاثة أعضاء من حزب “عوتسما يهوديت” اليميني المتطرف (إيتمار بن غفير، عميحاي إلياهو، ويتسحاق فاسيرولوف) إلى حكومته بعدما كانوا قد استقالوا احتجاجًا على الهدنة. عودتهم تعزز موقف نتنياهو السياسي، وهو شخص اشتهر بتوظيف قتل الفلسطينيين للبقاء في السلطة.
  3. الضوء الأخضر من واشنطن: أعطى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحًا بمهاجمة حكومة اليمن انتقامًا لدفاعها عن الفلسطينيين، مما أرسل رسالة واضحة لإسرائيل بإمكانية استئناف عدوانها. كانت جماعة “أنصار الله” اليمنية هي الجهة الوحيدة التي واصلت مهاجمة إسرائيل بسبب إبادة الفلسطينيين، بينما تم إسكات حزب الله اللبناني والفصائل السورية إلى حد كبير.

النساء الفلسطينيات الحوامل في مواجهة الموت


وفقًا لصندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، هناك 50,000 امرأة فلسطينية حامل في غزة، من بينهن 4,000 امرأة على وشك الولادة خلال الشهر القادم (أي أكثر من 130 ولادة يوميًا). حاليًا، لا تتلقى هؤلاء النساء أي رعاية طبية مناسبة. فقد منعت إسرائيل، لمدة أسبوعين، إدخال 54 جهاز سونار وتسعة حاضنات متنقلة (ضرورية لإنقاذ حياة الأطفال الخُدّج). انقطاع الكهرباء والمياه، إلى جانب الدمار الذي طال المستشفيات والمراكز الطبية، فاقم الأزمة بشكل خطير و أضاف عبئ على الاجهزة الطبية، ما جعل النساء الحوامل عرضةً للموت.


يقول الطبيب يعقوب (تم تغيير اسمه)، أحد الأطباء العاملين في مستشفى الكويت بغزة، إن القصف تزامن مع وصول مريضة تبلغ من العمر ثلاثين عامًا، كانت حاملًا في أسبوعها الثاني والعشرين، إلى المستشفى بعد إصابتها في الرأس جراء غارة جوية إسرائيلية على منطقة المواصي في خان يونس. لم تنجُ المرأة، وعند فحصها، اكتشف الطبيب أن طفلها لم ينجُ أيضًا. حالة أخرى كانت لامرأة حامل في أسبوعها الثاني عشر، وصلت إلى المستشفى وهي تعاني من آلام شديدة بعد أن تعرضت للإجهاض. أخبرته والدتها: “وصلنا بصعوبة، بالكاد وجدنا وسيلة نقل. الوضع غير مستقر، هناك قصف وخوف. جئنا إلى هنا ونحن مرعوبات”. ماتت إحدى المرأتين، أما الأخرى فقد فقدت طفلها. قال الدكتور يعقوب: “في زمن الحرب، يمتد الدمار إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة، ليطال الأرواح البريئة، بما في ذلك الأمهات الحوامل وأطفالهن الذين لم يولدوا بعد.”


إعادة فتح المستشفيات وسط الخراب

رغم كل المصاعب، نجحت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في إعادة فتح مستشفى القدس في حي تل الهوى بمدينة غزة. كان المستشفى قد تعرض للقصف الإسرائيلي وأُغلق منذ نوفمبر 2023. اجتمعت لجنة الطوارئ في شمال غزة، التي شكّلها مدنيون قبل ثلاث سنوات، وقررت أن توفير الرعاية الطبية بات ضرورة قصوى رغم الوضع الكارثي. وبجهودهم، استطاعوا إعادة تشغيل غرفتي عمليات، وقسم طوارئ، وعيادات خارجية.

لا بد من التذكير بأنه خلال هذه الإبادة الجماعية، استهدفت إسرائيل القادة الفلسطينيين الذين كانوا مسؤولين عن اللجان الطارئة وإدخال المساعدات الإنسانية. ففي مارس 2024، استهدفت الطائرات الإسرائيلية أمجد حتحت، أحد القادة الشعبيين في لجنة الطوارئ بغرب غزة، وكذلك العميد فائق المبحوح، الضابط الذي كان ينسق إدخال المساعدات عبر الأونروا. تصفية هؤلاء القادة تركت الفلسطينيين في شمال غزة بلا كوادر خبيرة في إيصال المساعدات، لكن رغم ذلك، ظهر آخرون لملء الفراغ، بمن فيهم موظفو الأونروا الذين يواصلون العمل رغم المحن.


خلال وقف إطلاق النار، فتحت الأونروا 130 مركزًا تعليميًا مؤقتًا في جميع أنحاء غزة، مما سمح بتسجيل 270,000 طفل فلسطيني في المدارس. وكما كتب لازاريني، رئيس الأونروا، في 15 مارس: “التعليم يمنح الأطفال بصيص أمل. يساعدهم على التعافي ببطء وإعادة التواصل مع طفولتهم.” لكن بعد ثلاثة أيام فقط، استأنفت إسرائيل قصفها.


الإبادة مستمرة
الركام يزداد. اليأس يتفاقم. الإبادة الجماعية مستمرة.

فيجاي براشاد: هو مؤرخ ومحرر وصحفي هندي. وهو كاتب ومراسل رئيسي في Globetrotter. وهو محرر في LeftWord Books ومدير Tricontinental: Institute for Social Research.

 وقد كتب أكثر من عشرين كتابًا، بما في ذلك “The Darker Nations” و “The Poorer Nations”. من أحدث مؤلفاته: “On Cuba: Reflections on 70 Years of Revolution and Struggle” (بالاشتراك مع نعوم تشومسكي)، و”Struggle Makes Us Human: Learning from Movements for Socialism“، و” The Withdrawal: Iraq, Libya, Afghanistan, and the Fragility of U.S. Power” (بالاشتراك مع نعوم تشومسكي أيضاً).

تم إنتاج هذا المقال بواسطة Globetrotter و No Cold War.

تشارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *