تُصادف اليوم الموافق 29/8/2025 ذكرى اغتيال المُناضل الفلسطيني اللاجئ ناجي العلي. ولم يكُن مُجرد رسام كاريكاتير مُلتزم بل كان من أبرز وأشدّ أصوات المُعارضة لنمط قيادة مُنظمة التحرير الفلسطينية، وكان بالطبع مُناضلاً ضد الاحتلال الصهيوني، وعبّر في رسوماته عن أساسا مُعاناة اللجوء، وفي الحقيقة لم تُكن مجرد رسومات، حيث أنّ كُل لوحة كانت بمثابة بيان وتحليل سياسي لحياة الفلسطيني تحت الشرط الاستعماري.

نشأة ناجي العلي وولادة حنظلة

وُلد ناجي العلي عام 1938 في قرية الشجرة الواقعة بين مدينتي الناصرة وطبريا في الجليل الشمالي بفلسطين. وفي عام 1948، اضطر مع أسرته إلى النزوح قسراً عن القرية نتيجة اعتداءات العصابات الصهيونية، ليستقر في مخيم عين الحلوة جنوب مدينة صيدا في لبنان. لم يُعرف على وجه تحديد تاريخ ولادة ناجي العلي، ولكن طفلاً وُلد من رحم يديه أصبح معروفاً أكثر من أي تاريخ، وكان ذلك الطفل هو “حنظلة” تلك اللوحة التي عبرت معاناة اللاجئ الفلسطيني، ليكون “حنظلة” فيما بعد شاهداً على مسار تاريخ القضية الفلسطينية الذي عاصره ناجي.

يقول ناجي العلي في حوار أجرته معه الكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، عام 1984، في بودابست:

 “شخصية هذا الطفل الصغير الحافي هي رمز لطفولتي. أنا تركت فلسطين فى هذا السن وما زلت فيه. رغم أن ذلك حدث من 35 سنة، إلا أن تفاصيل هذه المرحلة لا تغيب عن ذاكرتي وأشعر أني أذكر وأعرف كل عشبة وكل حجر وكل بيت وكل شجرة مرت على في فلسطين وأنا طفل.”

رسومات وبيانات سياسية

تتخذ رسومات ناجي العلي شكل البيان السياسي على الرغم من قلة العبارات أو الكلمات الموجودة في رسوماته، ولكنها تعبيرات تتخذ مواقفاً جذريةً من قضايا سياسية واجتماعية عديدة، وعلى رأسها الاحتلال الاستعماري لفلسطين الذي شغل الحيز الأكبر من نتاج المُناضل ناجي العلي. كما اهتم بإبراز المرأة والعُمال في رسوماته وذلك في سياق الوعي الكبير الذي حمله فيما يتعلق بترابط القضايا السياسية والاجتماعية وتأثيراتها المُتبادلة.

قال ناجي في ذلك:

“قدمته للقراء وأسميته حنظلة، كرمز للمرارة. وفي البداية قدمته كطفل فلسطيني، لكنه مع تطور وعيه أصبح له أفقه القومي ثم أفق كوني وإنساني.. وفي المراحل الأولى، رسمته ملتقيا وجها لوجه مع الناس، وكان يحمل الكلاشينكوف، وكان أيضا دائم الحركة وفاعلا وله دور حقيقي، يناقش باللغة العربية والانجليزية، بل أكثر من ذلك، فقد كان يلعب الكاراتيه.. يغني الزجل ويصرخ ويؤذن ويهمس ويبشر بالثورة”.”

المقاوم والمُعارض

سلطّ ناجي العلي نقده على الكيان الصهيوني والأنظمة العربية المتواطئة والفاسدة، ما جعله شكلاً مؤثراً من أشكال المقاومة واجه على إثره تهديدات باغتياله، وعلى الرغم من ذلك لم يتردد لحظةً في المضي قُدماً بواجبه النضالي تجاه القضية الفلسطينية. كما مثل ناجي خطاً جذرياً للمُعارضة، قام فيه بانتقاد نمط قيادة مُنظمة التحرير، بما في ذلك النمط من فساد، ومن “رغبة” بالتطبيع مع الكيان الصهيوني تلمّسها ناجي مُبكراً بوعيه السياسي، وكان دائماً ما يحذر من التفريط بثوابت القضية الفلسطينية.

يقول في أحد رسوماته:

“أمريكا ستعترف بالمنظمة بشرط أن يكون القرار الفلسطيني لمجلس الشيوخ الأمريكي بدلاً من المجلس الوطني، وأن ينتهي الكفاح المُسلح، ويصبح الكفاح المُشلح”

اغتيال ناجي العلي..وحنظلة يوقف الزمن

في تمام الساعة 5:13 بتوقيت غرينتش، يوم الأربعاء 22 يوليو 1987، توقّف ناجي العلي بسيارته أمام مقر جريدة القبس الدولية في شارع إيفز جنوب غرب لندن. ورغم تلقيه أكثر من مائة تهديد وتحذيرات متكررة من استهدافه من قبل الموساد، لم يتخذ أي إجراءات لحمايته، وكان يتربص به أحد المجرمين الذي لا طالما ناضل ضدهم، ليطلق عليه الرصاص يتلقى ناجي على إثرها إصابة خطيرة، حتى استشهد بتاريخ 29/8/1987 متأثراً بإصابته. وشكلت جريمة اغتيال العلي التي كانت جريمة سياسية غير عادية، لغزاً لم تكشف ملابساته على مدى 37 عاماً.

هل سيكبر حنظلة؟ يقول ناجي:

“سيظل في العاشرة حتى يعود الوطن. عندها فقط يكبر حنظلة، ويبدأ في النمو.. قوانين الطبيعة المعروفة لا تطبق عليه، إنه استثناء، لأن فقدان الوطن استثناء، وستصبح الأمور طبيعية حين يعود الوطن”. ومتى يمكن رؤية حنظلة؟ يجيب ناجي: “عندما تصبح الكرامة غير مهددة، وعندما يسترد الانسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته”.

إعداد: بهاء غسان

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *