نادر صَدقة “السامريّ”… الحالِم الحُرّ
حاوره: جمهورية فلسطين
القاهرة ديسمبر 2025
Leer en español aquí
مقدمة
ليس الأسر جدرانًا فحسب، بل زمنٌ مضغوط، ووعيٌ يُعاد تشكيله قسرًا.
وحين يخرج الأسير إلى الضوء، لا يخرج شاهدًا على القيد وحده، بل حاملًا للأسئلة الكبرى التي لم تُحسم بعد:
ما معنى أن تكون مواطنًا بلا وطن؟
وما قيمة الانتماء حين تتحوّل المواطنة إلى حلمٍ مؤجَّل، أو إلى نوستالجيا محميّة بالقمع؟
في هذه المقابلة، لا يقدّم الأسير المحرَّر نادر صدقة سردية ذاتية عن تجربة الاعتقال فحسب، بل يذهب عميقًا في تفكيك مفاهيم المواطنة، والانتماء، والهوية، والحركة الأسيرة، وعلاقة السجن بالشارع، وما آل إليه التراكم الوطني الفلسطيني بعد عقود من الاحتلال، والانقسام والاقتسام، وتآكل البنية السياسية والاجتماعية.
إنه نصّ في الفكر السياسي بقدر ما هو شهادة نضالية، ومساءلة صريحة لمرحلة كاملة.
نادر صدقة، كما يعرفه الناس بـ«السامري»، وكما أعرفه أنا: الحالم الحر.
ابن جبل جرزيم، نسرٌ حرّ من كوادر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وُلد في مدينة نابلس عام 1977 لعائلة تنتمي إلى الطائفة السامرية. تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في نفس المدينة، ومن ثم درس الآثار ليمحو آثار عدوه المُحتل.
انخرط نادر في العمل الوطني والسياسي منذ نعومة أظافره؛ من النشاط الطلابي في المدارس، إلى العمل النقابي في الجامعات، ثم في الأُطر التنظيمية للجبهة الشعبية، وصولًا إلى المشاركة في قيادة جناحها العسكري في نابلس.
اعتُقل عام 2004، بعد ملاحقة لفترة عامين، ووجّهت إليه أكثر من 34 «تهمة»، وحُكم عليه بـستة مؤبدات. قضى منها عشرين عامًا في قلاع الأسر، ليبدأ داخل السجن مرحلة نضالية جديدة، كان خلالها أحد أعمدة الحركة الأسيرة وفرع السجون في الجبهة الشعبية، عدا عن مشاركته الفاعلة في مدرسة السجون، والتكوين السياسي والكادري لعديد من الأسرى.
حول مفهوم المواطنة الفلسطينية
إن القرب من فلسطين لا يعني بالضرورة تحقق المواطنة الفلسطينية، بل هو في جوهره قرب من حلم المواطنة.
فالمواطنة ليست شعارًا عاطفيًا، بل صياغة متكاملة:
صياغة مواطن، وصياغة وطن، وتحديد علاقة الحقوق بالواجبات ضمن إطار سياسي ومجتمعي واضح.
مفهوم المواطنة حديث نسبيًا، ارتبط بنشوء الفكر القومي في أواخر القرن الثامن عشر، حيث أصبح الانتماء إلى القومية شرطًا من شروط تعريف المواطن. هذا الانتماء يتكوّن من عناصر ثقافية وتاريخية ولغوية وحضارية، لكنه لا يكفي وحده.
يمكن للإنسان أن ينتمي إلى قومية ما دون أن يمتلك مواطنة فيها؛ فمثلًا، يمكنني أن أكون عربيًا قوميًا، لكن لا يمكنني أن أكون “مواطنًا عربيًا” لغياب وطن عربي سياسي موحّد.
المواطنة تختلف عن الهوية القومية. لا وجود لمواطن بلا حقوق، والمواطن لا يشعر بمواطنته حين يُطالب بالواجبات، بل حين يتلقى حقوقه. في السياق العربي عمومًا، يُطلب من الإنسان أن يؤدي واجبات بلا حدود، في مقابل حرمانه من الحد الأدنى من الحقوق، وغالبًا ما تُفرض هذه “الواجبات” بالقوة والخوف والقمع.
المواطنة في الحالة الفلسطينية
التجربة الفلسطينية أكثر تعقيدًا.
المواطن الفلسطيني يشعر بمواطنته من خلال الانتماء إلى القضية والكفاح والحق التاريخي، لا من خلال ممارسة سياسية سيادية فعلية. وهذا جعل المواطنة الفلسطينية محشورة في إطار رومانسي/نوستالجي.
تجربة السلطة الفلسطينية، وإن كانت قصيرة، كشفت هشاشة هذا الحلم؛ فقد تحوّلت المواطنة من أفق تحرري إلى كابوس بيروقراطي مشوَّه، قريب في شكله من نماذج المواطنة العربية القمعية.
الفساد، والتنسيق الأمني، وتدمير التراكم السياسي، جعلت كثيرين ينظرون إلى انهيار تلك التجربة بوصفه أمرًا مرحبًا به، لا خسارة وطنية.
في ظل الاحتلال، تصبح مقاومة السلطة الأجنبية دفاعًا عن مواطنة مسلوبة. لكن حين تتحوّل المواطنة إلى ممارسة داخلية محلية، تظهر الحقيقة الصادمة: لا مواطنة فعلية، ولا حقوق، بل إدارة قمعية بأدوات محلية.
الانتماء: مكوّن أم بديل للمواطنة؟
الانتماء ركن من أركان المواطنة، لكنه ليس المواطنة ذاتها.
في سياق التحرر الوطني، يتضخم الانتماء ليغطي غياب الممارسة السيادية، فيتحوّل إلى فقاعة تحمي الإنسان نفسيًا من مواجهة حقيقة الغياب السياسي والاجتماعي.
نحن لا نملك وطنًا ذا سيادة، ولا مؤسسات سياسية ناضجة، ولا مجتمعًا مدنيًا مستقلًا.
مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية، في معظمها، مؤسسات ممولة خارجيًا، بلا أجندة وطنية حقيقية، وتعمل غالبًا تحت سقف “القضية الكبرى” التي تُستخدم ذريعة لتعليق حقوق المواطن.
ما بعد 7 أكتوبر: قطيعة أم استمرار؟
غياب مفهوم وطني تشاركي فلسطيني، والانقسام السياسي والجغرافي، لم يكونا سبب 7 أكتوبر بل نتيجتهما.
ما بعد 7 أكتوبر يختلف عمّا قبله في الوقائع على الأرض، لكنه لم ينتج بعد رؤية وطنية جامعة قادرة على إعادة بناء مفهوم المواطنة أو البرنامج الوطني.
الحركة الأسيرة وعلاقتها بالأجيال
حين دخلتُ السجن في عمر العشرين، كانت السجون قلاعًا وطنية تقوم بدور تاريخي:
تغذية متبادلة بين الشارع والسجن.
الشارع يرفد السجون بعناصر ذات وعي أولي،
والسجون تعيد إنتاجهم سياسيًا وثقافيًا وتنظيميًا،
ليخرجوا إلى الشارع بوعي أعمق، يعود بدوره ليغذي السجون من جديد.
هذه الحلقة أنتجت التراكم السياسي الذي قاد إلى الانتفاضة الأولى.
لكن بعد قيام السلطة، جرى كسر هذه الحلقة عمدًا:
تحييد الشارع، تدمير الأحزاب، تفكيك العمل التنظيمي، ومنع الشارع من ممارسة السياسة.
اليوم، السجون تفقد كوادرها، والشارع يرفدها بعناصر غير مسيّسة، بل أحيانًا أمّية سياسيًا، ما انعكس سلبًا على الحركة الأسيرة وعلى الوعي النضالي العام.
“البندقية غير المسيسة هي قاطعة للطرق”
صورة الأسير اليوم
لا يزال المجتمع يتعامل مع الأسير بوصفه “جامعة متنقلة”، مفكرًا وقائدًا جاهزًا.
لكن هذه الصورة لم تعد دقيقة دائمًا.
الصدمة تقع حين يكتشف الناس أن الأسير الخارج من القيد إنسانٌ عادي، مثقل بالكبت والحرمان، لم يُتح له دائمًا بناء وعيه الذاتي كما كان في السابق.
هذا لا يُدين الأسير، بل يُدين الواقع السياسي والاجتماعي الذي دمّر شروط إنتاج الوعي.
حول الإرادة والواقع
حين يُسأل الإنسان عن المستقبل، يستحضرني قول غرامشي:
“الواقع رمادي، لكن الإرادة شجرة خضراء.”
الإرادة فعل ذاتي، لكنها تتأثر بالواقع.
وشوبنهاور وصف العلاقة بين الإرادة والعقل بدقة:
الإرادة كائن قوي أعمى، والعقل كائن بصير لكنه معاق.
حين ينسجم الاثنان، تصبح الحركة قوية وسليمة.
لا يكفي أن نرغب، ولا يكفي أن نفهم؛
الطريق النضالي يحتاج إرادة واعية وعقلًا بصيرًا معًا.
خاتمة
هذه ليست شهادة على الأسر فقط،
بل شهادة على أزمة مشروع،
وعلى وطنٍ مؤجَّل، أو لم يُولد بعد،
ومواطنةٍ معلّقة بين الحلم والواقع، وتقاوم الغياب
نادر، أحد «كنفانيّي» هذا العصر،
ما زال يطرق جدران الخزان،
لا ليصرخ فحسب،
بل ليحوّل الحلم إلى فعل،
والمستحيل إلى أفقٍ قابل للكسر،
ما زال يطرق جدران الخزان
كي لا نموت صامتين.









