بقلم: آنا أورتادو
جمهورية فلسطين - هافانا

في الأيام التي أعقبت عملية الاختطاف والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة بحق الشعب الفنزويلي في الثالث من كانون الثاني/يناير الماضي، في سياق إجراءات دفع بها رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، ضد الرئيس نيكولاس مادورو والسيدة الأولى المناضلة سيليا فلوريس — وهي وقائع جرى التنديد بها من قبل قطاعات واسعة من المجتمع الدولي — أعادت واشنطن وضع كوبا في قلب هجومها السياسي والخطابي.

ومن خلال رسائل نشرها على منصته «تروث سوشال»، أطلق ترامب تهديدات جديدة ضد الجزيرة، مؤكداً من جديد سياسة الضغط الاقتصادي التي انتهجها خلال إدارته. وفي تلك المنشورات، شدّد الرئيس الأميركي على منع أي شكل من أشكال الدعم المالي أو الطاقوي لكوبا، مستعيداً خطاب المواجهة الذي طبع تاريخياً العلاقة بين البلدين، حيث تُقدَّم كوبا كبلد سلام، في مقابل دولة ترامب التي قامت سياساتها على الحرب.

وجاءت هذه التصريحات في سياق عادت فيه شخصيات بارزة في الجهاز السياسي الأميركي، من بينها السيناتور ماركو روبيو، إلى المطالبة بتشديد الحصار الاقتصادي. وقد دافع روبيو علناً عن الحصار باعتباره أداة ضغط سياسي، متجاهلاً آثاره المباشرة على السكان المدنيين، ومتناسياً الإدانات الدولية المتكررة التي تصنّفه كخرقٍ واضح للقانون الدولي.

وكان ردّ السلطات الكوبية فورياً. إذ رفض الرئيس ميغيل دياز-كانيل بشكل قاطع تهديدات ترامب، وندّد بالطابع التدخلي للسياسة الأميركية تجاه الجزيرة. وأكد في تصريحاته أن كوبا لا تقبل الإملاءات ولا الوصاية الخارجية، مذكّراً بأن الشعب الكوبي صمد لأكثر من ستة عقود في وجه حصار اقتصادي ومالي وتجاري غير مسبوق، من دون أن يتخلى عن سيادته أو عن مشروعه السياسي.

وفي السياق نفسه، اعتبر وزير الخارجية برونو رودريغيز باريّا أن التهديدات والعقوبات التي تروّج لها إدارة ترامب تمثل انتهاكاً صارخاً للمبادئ الأساسية للقانون الدولي. وذكّر رودريغيز بأن عداء الولايات المتحدة لكوبا ليس ظرفياً، بل هو سياسة ثابتة منذ عام 1959، بغض النظر عن التوجه السياسي للإدارات المتعاقبة في واشنطن، وأن أياً من هذه السياسات لم ينجح في تحقيق هدفه المعلن بإخضاع البلاد.

ويأتي هذا التطور الجديد ضمن نمط تاريخي موثّق على نطاق واسع. فالتاريخ المعاصر لأميركا اللاتينية حافل بمحاولات التدخل الأميركي في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. من انقلاب غواتيمالا عام 1954، إلى الإطاحة بحكومة سلفادور أليندي في تشيلي عام 1973، وصولاً إلى دعم الديكتاتوريات العسكرية في المخروط الجنوبي والتدخلات في أميركا الوسطى خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، اعتمدت واشنطن بصورة منهجية على الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري لحماية مصالحها الاستراتيجية. وقد خلّفت هذه السياسات آثاراً اجتماعية وسياسية وإنسانية عميقة، وتشكل الإطار الإقليمي الذي تندرج ضمنه السياسة تجاه كوبا.

وفي هذا السجل، تحتل الجزيرة موقعاً فريداً.

فعلى عكس دول أخرى في المنطقة، لم تكتفِ كوبا بمقاومة الضغط الخارجي، بل نجحت في ترسيخ مشروع سياسي خاص بها في مواجهة مباشرة مع القوة الإمبريالية. إن غزو خليج الخنازير، ومحاولات الاغتيال، والحصار الاقتصادي، وحملات العزل الدبلوماسي، تشكّل سوابق مباشرة للمشهد الراهن. ولم تنجح أي من هذه الاستراتيجيات في إنهاء المسار الثوري أو كسر إرادة المقاومة لدى الشعب الكوبي.

كما أن إعادة تفعيل خطاب المواجهة من جانب ترامب ترتبط بديناميات داخلية في الولايات المتحدة. ففي ظل اقتصاد يرتبط بنيوياً بالصناعة العسكرية والمجمع الصناعي–العسكري، استُخدم التهديد بنزاعات خارجية تاريخياً كأداة سياسية واقتصادية. لقد شكّلت الحرب — أو احتمالها — وسيلة لتحقيق التماسك الداخلي، وضمان استمرار مصالح اقتصادية مرتبطة بالقطاع العسكري.

ورغم أن كوبا لا تمثل تهديداً عسكرياً تقليدياً ولا تمتلك موارد استراتيجية حاسمة، فإنها تؤدي دوراً رمزياً في هذه المعادلة. فاستهداف كوبا يتيح إعادة إحياء سردية أيديولوجية، وحشد قطاعات سياسية معينة، وإعادة تأكيد رؤية إمبريالية ترفض الإقرار بالحدود. الأمر لا يتعلق بخلاف عابر، بل بصراع تاريخي لم يُحسم بعد.

ومن هافانا، ظل الموقف واضحاً وثابتاً. فـكوبا لا تسعى إلى المواجهة، لكنها في الوقت ذاته لا تقبل الخضوع. وتقوم عقيدة «حرب الشعب كله»، التي جرى تطويرها على مدى عقود، على قناعة بأن الدفاع عن السيادة لا يعتمد فقط على التفوق التكنولوجي أو الاقتصادي، بل على الوعي السياسي، والتنظيم الاجتماعي، والإرادة الجماعية. وقد أثبتت التجربة التاريخية أن القصف قادر على تدمير البنى التحتية، لكنه لا يستطيع محو قرار شعب مصمم على الدفاع عن استقلاله.

وبعد أكثر من ستة عقود على انتصار الثورة، ما زالت كوبا تمثل حدوداً فاصلة أمام السياسة الإمبريالية في أميركا اللاتينية. لا لأنها محصّنة من الهشاشة، بل لأنها برهنت مراراً أنها لا تنحني أمام التهديدات ولا أمام الضغوط الخارجية. وهذه الاستمرارية هي ما يفسر بقاء الجزيرة في صدارة خطاب أولئك الذين، في واشنطن، لم يتمكنوا حتى اليوم من قبول سيادتها.

آنا اورتادو: صحفية وكاتبة اسبانية مقيمة في كوبا

Read in English

Lee en Español

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *