تقوم المقاربة الإيرانية الجديدة تجاه أي عملية تفاوض مقبلة على مبدأ أساسي يتمثل في إنهاء الحرب بشكل كامل، وليس مجرد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. ومن هذا المنطلق، ترى طهران أن أي مفاوضات تقتصر على وقف مؤقت لإطلاق النار، أو تركز فقط على الملف النووي الإيراني، لن تكون مقبولة أو قابلة للتحقق.
كما تعتبر إيران أن إجراء مفاوضات ثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية لم يعد خياراً مطروحاً، في ضوء تجارب جولات التفاوض السابقة، بدءاً من اتفاق عام 2015، مروراً بجولات التفاوض التي سبقت عدوان حزيران/يونيو 2025، وصولاً إلى جولة المفاوضات التي سبقت العدوان الحالي الذي بدأ في 28 شباط/فبراير الماضي وما زال مستمراً.
وبحسب ما بدأت تتكشف ملامحه من المقاربة الإيرانية الجديدة، فإن طهران تشترط لبدء أي مفاوضات مقبلة طرح مجموعة من الملفات على طاولة الحوار، لا يقتصر فيها النقاش على البرنامج النووي الإيراني فقط، بل يشمل أيضاً ملفات مرتبطة بساحات المواجهة في المنطقة، وعلى رأسها الجبهة اللبنانية، والجبهة اليمنية، وقطاع غزة.
إلى جانب ذلك، سيطرح المفاوض الإيراني مسألة الضمانات الجدية لأي اتفاق شامل محتمل، بما في ذلك الجهة التي ستقدم هذه الضمانات وآليات تنفيذها، لضمان عدم انهيار الاتفاق أو الالتفاف عليه مستقبلاً.
تنطلق إيران في مقاربتها الجديدة من اعتبار أن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها تمثل حرباً وجودية تستهدف وجود الدولة الإيرانية ودورها الإقليمي وقدراتها الاستراتيجية، وكذلك وجود ما يُعرف بمحور المقاومة. ولذلك ترى طهران أن مرحلة ما بعد أي مفاوضات لن تكون مشابهة لما قبلها، وأن أي اتفاق قادم يجب أن يعالج جذور الصراع وليس نتائجه المؤقتة.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، أصبح ملف إنهاء الحرب بشكل نهائي في مقدمة القضايا التي تسعى إيران لطرحها على طاولة المفاوضات. فالمقصود ليس التوصل إلى هدنة مؤقتة قد تنتهي بعد فترة قصيرة أو طويلة باندلاع عدوان جديد، كما حدث بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعقب عدوان حزيران الماضي، بل التوصل إلى نهاية فعلية للحرب تضمن عدم تكرارها.
وترى المقاربة الإيرانية أن تحقيق هذا الهدف يتطلب إزالة الأسباب التي تتيح شن حروب جديدة في المستقبل، وعلى رأسها الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. ووفق هذه الرؤية، فإن أي تسوية حقيقية يجب أن تتضمن رفضاً كاملاً لوجود عسكري أمريكي قادر على تنفيذ عمليات عسكرية جديدة ضد إيران.
وبناء على ذلك، قد يطرح الجانب الإيراني في أي جولة تفاوض مقبلة مطلب إزالة القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة حول إيران، والتي تتواجد في عدة دول، من بينها الإمارات وقطر والبحرين والكويت والسعودية وشمال العراق. وترى طهران أن استمرار وجود هذه القواعد يعني بقاء خطر عدوان أمريكي جديد قائماً.
وفي هذا السياق، يشير المتابعون لمجريات المواجهة الحالية إلى حدة الضربات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت القواعد الأمريكية، والتي أدت، بحسب الرواية الإيرانية، إلى إخراج عدد منها عن الخدمة وإلحاق أضرار كبيرة ببعض تجهيزاتها، خاصة منظومات الرادار المتطورة التي كلفت مليارات الدولارات.
إلى جانب ذلك، تتضمن الرؤية الإيرانية الجديدة ربط ملفات الجبهات المختلفة ببعضها البعض. فإلى جانب الجبهة اللبنانية التي يشارك فيها حزب الله، هناك الجبهة اليمنية التي تُعد جبهة احتياط يمكن تفعيلها في حال توسع المواجهة الأمريكية ـ الإسرائيلية لتشمل مشاركة دول خليجية أخرى، وخاصة السعودية.
وفي حال حدوث مثل هذا التوسع، ترى طهران أن لجبهة اليمن دوراً أساسياً، قد يتمثل في استهداف القدرات الإنتاجية النفطية السعودية، كما حدث سابقاً في الهجوم على منشآت أرامكو النفطية.
وبحسب هذه القراءة، فإن الإيرانيين باتوا يميلون إلى التعامل مع مختلف ملفات المنطقة كمنظومة واحدة مترابطة، انطلاقاً من اعتبار أن الخصم واحد وأن استراتيجيته تقوم أيضاً على الربط بين هذه الملفات، حتى وإن كان التعامل معها يتم تدريجياً.
وترى طهران أن أهداف الحرب الحالية تتمثل في تغيير النظام في إيران وإسقاطه، إضافة إلى تفكيك محور المقاومة بالكامل، وهو ما يستدعي تبني مقاربة جديدة تقوم على ربط ملفات لبنان واليمن وغزة ضمن إطار تفاوضي شامل.
ومن هذا المنطلق، يتوقع أن تُصر إيران في أي مفاوضات مقبلة على مناقشة هذه الملفات مجتمعة بهدف الوصول إلى اتفاق شامل يعالجها جميعاً.
كما ترى طهران أنه لم يعد مقبولاً استمرار العمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية، في ظل الاتفاق الذي جرى في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وكان يفترض أن يضع حداً كاملاً للأعمال العدائية بين الأطراف.
وبالمثل، تعتبر أن استمرار الحصار المفروض على اليمن وما يسببه من معاناة إنسانية للشعب اليمني أمر لا يمكن القبول باستمراره، كما ترفض أيضاً استمرار الحرب في قطاع غزة وما يرافقها من حصار وتجويع وقتل يومي للسكان.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة بمصير المنطقة بأكملها، حيث إن أي اتفاق محتمل لن يقتصر تأثيره على أطراف الصراع المباشرين، بل سينعكس أيضاً على شكل التحالفات الإقليمية والدولية.
وقد يشكل ذلك، وفق هذه الرؤية، بداية لتشكل نظام دولي جديد يختلف عن مرحلة الهيمنة الأحادية التي اتسمت بها السياسة الدولية خلال العقود الماضية.
حمدان الضميري
ناشط فلسطيني وسياسي ببلجيكا
ومنسق الجالية الفلسطينة ببلجيكا ولوكسمبوغ.





