أثار الموقف الإسباني الرافض لاستخدام الولايات المتحدة للقواعد العسكرية الموجودة في الأراضي الإسبانية ضمن أي عمل عسكري ضد إيران نقاشاً واسعاً داخل إسبانيا وخارجها. هذا القرار لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل يعكس خلفيات تاريخية وسياسية عميقة ما تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية للإسبان منذ حرب العراق عام 2003.
اليوم يرفع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز شعار “لا للحرب” (NO a la Guerra)، وهو الشعار ذاته الذي ملأ شوارع إسبانيا قبل أكثر من عقدين احتجاجاً على مشاركة البلاد في غزو العراق.
شبح حرب العراق 2003
لفهم الموقف الإسباني الحالي، لا بد من العودة إلى عام 2003 عندما قرر رئيس الوزراء الإسباني آنذاك خوسيه ماريا أزنار الانضمام إلى التحالف الذي قادته الولايات المتحدة وبريطانيا لغزو العراق.
كان الثلاثي جورج بوش وتوني بلير وخوسيه ماريا أزنار يقودون التحالف الذي شن الحرب تحت ادعاءات امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وهي الادعاءات التي تبين لاحقاً أنها لم تكن صحيحة.
في الداخل الإسباني، واجه هذا القرار معارضة شعبية هائلة. خرج ملايين الإسبان إلى الشوارع في مظاهرات ضخمة تحت شعار “لا للحرب”، معبرين عن رفضهم لتوريط البلاد في صراع خارجي.
لكن تداعيات تلك الحرب لم تتوقف عند حدود الخلاف السياسي.
تفجيرات مدريد التي غيرت المشهد
في 11 مارس/آذار 2004، شهدت العاصمة مدريد أحد أكثر الهجمات دموية في تاريخ إسبانيا الحديث، عندما استهدفت سلسلة تفجيرات قطارات الركاب في محطة “أتوتشا”، ما أدى إلى مقتل أكثر من 180 شخصاً وإصابة المئات.
في البداية، أصرت حكومة أزنار على اتهام منظمة “إيتا” الانفصالية بالوقوف وراء الهجوم. لكن الأدلة التي ظهرت لاحقاً أشارت إلى تورط عناصر مرتبطة بتنظيم القاعدة.
هذا التباين بين الرواية الرسمية والوقائع التي بدأت تتكشف أثار غضباً شعبياً واسعاً، خاصة مع اقتراب الانتخابات العامة التي كانت مقررة بعد أيام قليلة من الهجمات.
وعندما أدرك الإسبان أن حكومتهم حاولت توجيه الاتهام سياسياً لتجنب تداعيات الحرب على العراق، جاء الرد سريعاً في صناديق الاقتراع، حيث مُني حزب الشعب بهزيمة كبيرة أمام الحزب الاشتراكي.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت حرب العراق مثالاً سياسياً حاضراً في الذاكرة الإسبانية حول مخاطر التورط في الحروب الخارجية.
حكومة سانشيز وموقفها من أزمات الشرق الأوسط
في المشهد السياسي الحالي، يقود رئيس الوزراء بيدرو سانشيز حكومة ائتلافية تضم الحزب الاشتراكي وقوى يسارية إضافة إلى أحزاب قومية من كتالونيا والباسك.
خلال السنوات الأخيرة، اتخذت هذه الحكومة مواقف بارزة في السياسة الخارجية، كان أبرزها دعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية وانتقاد السياسات الإسرائيلية في قطاع غزة.
في الوقت نفسه، لا تنظر مدريد إلى النظام الإيراني بوصفه نظاماً ديمقراطياً، إذ سبق للحكومة الإسبانية أن انتقدت انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، بما في ذلك قمع الاحتجاجات وتنفيذ الإعدامات.
ومع ذلك، ترى إسبانيا أن أي تغيير سياسي في إيران يجب أن يأتي من الداخل عبر المجتمع الإيراني نفسه، وليس عبر تدخل عسكري خارجي.
دروس العراق في خلفية القرار
في خطابه أمام الرأي العام الإسباني، ربط سانشيز موقف حكومته مباشرة بتجربة العراق، مؤكداً أن التدخل العسكري عام 2003 أدى إلى نتائج كارثية على المنطقة والعالم.
فالحرب، بحسب القراءة الإسبانية، ساهمت في زعزعة استقرار الشرق الأوسط وفتحت الباب أمام موجات من العنف والإرهاب، إضافة إلى أزمات الهجرة التي ما زالت أوروبا تعاني آثارها حتى اليوم.
ومن هذا المنطلق، ترى الحكومة الإسبانية أن معالجة أزمة دولية عبر انتهاك القانون الدولي لن يؤدي إلا إلى تعقيدها أكثر.
مواجهة سياسية داخلية محتملة
الموقف الإسباني الرافض للمشاركة في أي عمل عسكري ضد إيران أثار أيضاً مواجهة سياسية داخلية.
فالمعارضة اليمينية بقيادة حزب الشعب وزعيمه ألبرتو نونيز فيخو وجهت انتقادات حادة للحكومة، معتبرة أن موقفها قد يضعف العلاقات مع الولايات المتحدة.
كما خرج رئيس الوزراء السابق خوسيه ماريا أزنار بتصريحات ينتقد فيها قرار سانشيز، متهماً الحكومة بعدم تحمل مسؤولياتها الدولية.
لكن هذه الانتقادات أعادت في الوقت نفسه إلى الواجهة ذكريات حرب العراق، ما دفع آلاف الإسبان على منصات التواصل الاجتماعي إلى مهاجمة أزنار وتذكيره بدوره في إدخال البلاد في تلك الحرب.
حسابات سياسية مع اقتراب الانتخابات
تأتي هذه التطورات في وقت تمر فيه حكومة سانشيز بمرحلة سياسية معقدة، حيث تواجه انتقادات واتهامات بالفساد طالت بعض الشخصيات المرتبطة بالحزب الاشتراكي، إلى جانب قضايا أخرى أثرت على شعبية الحكومة.
وقد أظهرت استطلاعات الرأي خلال الأشهر الماضية تقدماً واضحاً لليمين واليمين المتطرف في حال جرت الانتخابات في الوقت الحالي.
لكن الموقف من الحرب على إيران قد يعيد خلط الأوراق، إذ تشير العديد من المؤشرات إلى أن غالبية الإسبان يدعمون موقف الحكومة الرافض لأي تورط عسكري.
فاليوم يعود شعار “لا للحرب” ليحتل موقعاً مركزياً في النقاش السياسي الإسباني، تماماً كما حدث خلال حرب العراق قبل أكثر من عشرين عاماً.
بالنسبة لكثير من الإسبان، لا يتعلق الأمر فقط بموقف من صراع دولي، بل بتجربة تاريخية ما تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الوطنية.
ويبقى السؤال مع اقتراب الانتخابات المقبلة: هل ينجح هذا الموقف في استعادة جزء من شعبية حكومة سانشيز، أم أن صعود اليمين في أوروبا سيحسم المشهد السياسي في اتجاه آخر؟
الأكيد أن إسبانيا تقف اليوم أمام لحظة سياسية تعيد إلى الواجهة دروس الماضي، حيث لا تزال حرب العراق حاضرة في حسابات الحاضر، وتؤثر في قرارات تتعلق بحروب قد تندلع في المستقبل.
Shares:





