في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، نشر الصحفي والمحلل البريطاني ديفيد هيرست تحليلاً مطولاً تناول فيه مآلات السياسات الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط، معتبراً أن القرارات التي اتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دفعت المنطقة إلى مرحلة من التصعيد قد تكون الأخطر منذ عقود.

ويرى هيرست، في مقاله المنشور على موقع “ميدل إيست آي”، أن الرجلين يقفان اليوم أمام مأزق استراتيجي حقيقي بعد أن فشلت رهاناتهما الأساسية على إضعاف إيران أو فرض واقع سياسي جديد في المنطقة عبر سياسة الضغط والتصعيد.

سياسة الاغتيالات والرهان الخاطئ

بحسب التحليل، فإن أحد أبرز الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها واشنطن وتل أبيب تمثل في الاعتماد على سياسة الاغتيالات والتصعيد الأمني كوسيلة لإحداث تغيير سياسي داخل إيران.

فالتقدير الذي ساد داخل دوائر القرار في الولايات المتحدة وإسرائيل كان يقوم على فرضية أن الضربات المباشرة أو العمليات النوعية قد تضعف النظام الإيراني وتفتح الباب أمام اضطرابات داخلية أو تحولات سياسية.

لكن ما حدث، وفق قراءة هيرست، كان العكس تماماً. إذ أدت الضغوط الخارجية إلى تعزيز التماسك الداخلي في إيران، وإلى التفاف شرائح واسعة من المجتمع حول الدولة، في مواجهة ما يُنظر إليه كتهديد خارجي.

ويرى الكاتب أن هذه النتيجة أعادت إيران إلى ما يشبه “المرحلة الثورية”، حيث يزداد حضور الخطاب المتشدد ويتراجع هامش البراغماتية الذي طبع السياسة الإيرانية في مراحل سابقة.

تداعيات إقليمية تتجاوز حدود الصراع

لا يقف أثر التصعيد عند حدود المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بل يمتد – بحسب التحليل – إلى كامل المنظومة الأمنية في الشرق الأوسط.

فدول الخليج، التي اعتمدت لسنوات طويلة على المظلة الأمنية الغربية، تجد نفسها اليوم في قلب التوترات الإقليمية. ومع ارتفاع مستوى المواجهة، باتت البنية الأمنية والاقتصادية لهذه الدول أكثر عرضة للاضطرابات.

ويشير هيرست إلى أن أي تصعيد واسع قد يؤدي إلى اضطراب حركة الملاحة الجوية والبحرية في المنطقة، إضافة إلى زيادة المخاطر التي تهدد البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك منشآت الطاقة والمرافق الاستراتيجية.

النفط… العامل الذي قد يغيّر كل الحسابات

من بين أخطر التداعيات المحتملة التي يتوقف عندها التحليل، مسألة أمن الطاقة العالمي. فالتوتر في الخليج يضع أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي تحت الضغط، وهو مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.

ويحذر هيرست من أن أي تعطيل لحركة الملاحة في هذا الممر البحري قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية، مع ارتفاع حاد في أسعار النفط وتأثيرات مباشرة على الاقتصاد الدولي.

مثل هذا السيناريو لن يقتصر تأثيره على دول المنطقة فحسب، بل سيمتد إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك أسواق المال الأمريكية، التي تبقى شديدة الحساسية لأي اضطرابات في إمدادات الطاقة.

الحسابات السياسية في واشنطن

في ضوء هذه المعطيات، يرى هيرست أن الإدارة الأمريكية قد تجد نفسها أمام معضلة سياسية معقدة. فالتصعيد العسكري يحمل مخاطر اقتصادية واستراتيجية كبيرة، بينما قد يُنظر إلى أي تراجع عن المواجهة على أنه فشل سياسي.

ويضيف أن هذا التوازن الدقيق بين التصعيد والتراجع قد يفرض على واشنطن البحث عن مخرج دبلوماسي أو تخفيف حدة المواجهة، خصوصاً إذا بدأت التداعيات الاقتصادية بالانعكاس على الداخل الأمريكي.

إسرائيل بين الطموح الاستراتيجي وحدود القوة

أما بالنسبة لإسرائيل، فيرى التحليل أن الرهان على تغيير موازين القوى في المنطقة عبر الضغط العسكري على إيران قد يواجه حدوداً واقعية.

فالصراع مع إيران لا يقتصر على مواجهة تقليدية بين دولتين، بل يرتبط بشبكة معقدة من التوازنات الإقليمية والتحالفات غير المباشرة التي تجعل أي مواجهة شاملة محفوفة بالمخاطر.

ويرى هيرست أن هذا الواقع قد يضع القيادة الإسرائيلية أمام تحديات استراتيجية طويلة المدى، خاصة إذا استمر التصعيد دون تحقيق أهداف واضحة.

منطقة على مفترق طرق

في ختام تحليله، يشير ديفيد هيرست إلى أن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. فالتصعيد المستمر قد يدفع المنطقة إلى دورة جديدة من الصراعات التي يصعب السيطرة على تداعياتها.

وفي ظل غياب مبادرات دولية قوية لاحتواء التوتر، يبقى احتمال الانزلاق إلى مواجهات أوسع قائماً، وهو ما يجعل المرحلة الحالية واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في المشهد الجيوسياسي للمنطقة.
تحرير: موقع جمهورية فلسطين
Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *