محكمة النقض الإيطالية ترسي مبدأً يضمن استمرار الحماية من خطر التعذيب رغم الاستبعاد من صفة اللاجئ
روما – “جمهورية فلسطين”
في قرار قضائي ذي أهمية لملفات اللجوء والإبعاد في إيطاليا، أرست محكمة النقض الإيطالية، أعلى هيئة قضائية في البلاد، مبدأً يؤكد استمرار الحماية من الإعادة إلى خطر التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية والمهينة، حتى في الحالات التي يُستبعد فيها الشخص من صفة اللاجئ بسبب اتهامات تتعلق بجرائم خطيرة أو اعتبارات أمنية.
وجاء القرار في قضية الفلسطيني (ع. ي.)، وهو شاب يبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاماً ومن أبناء الضفة الغربية، بعدما نقضت محكمة النقض قراراً سابقاً برفض منحه الحماية الخاصة، وأعادت الملف إلى محكمة اللجوء في محافظة لاكويلا للنظر فيه مجدداً، من خلال هيئة قضائية مختلفة، ووفق المبادئ القانونية التي حددتها محكمة النقض.
وتكمن أهمية الحكم في تأكيده أن استبعاد الشخص من صفة اللاجئ لا يعني تلقائياً سقوط الحماية التي تحول دون إعادته إلى مكان يواجه فيه خطراً حقيقياً من التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو المهينة، وفي القضية محل الحكم، كان استبعاد صاحب الطلب من الحماية الدولية مرتبطاً باتهامات تتعلق بالانتماء إلى تنظيم “إرهابي”، إلا أن محكمة النقض ميزت بوضوح بين مسألتين قانونيتين هما استحقاق صفة اللاجئ من جهة، ووجود خطر حقيقي على الحقوق الأساسية للشخص في حال إعادته من جهة أخرى؛ وبحسب هذا المنطق، فإن عدم استيفاء شروط صفة اللاجئ، أو وجود أسباب قانونية تحول دون منح هذه الصفة، لا يلغي بالضرورة التزام السلطات الإيطالية بعدم تنفيذ إعادة من شأنها أن تعرض الشخص لخطر التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو المهينة.
ويكتسب الحكم أهمية خاصة من تأكيده على الطبيعة الأساسية للحظر المتعلق بالإعادة إلى خطر التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، إذ إن المسألة وفق المبدأ الذي كرسته محكمة النقض في هذه القضية لا تُحسم من خلال موازنة الخطر الذي قد يُنسب إلى الشخص مع حقه في عدم التعرض لمعاملة محظورة، وإنما من خلال التحقق من وجود خطر حقيقي وفعلي في حال إعادته. وهذا يضع أمام محاكم اللجوء مهمة مختلفة عن مجرد البحث في مدى اندماج الشخص في المجتمع الإيطالي أو تقييم صفته القانونية كلاجئ، حيث يتعين عليها فحص الخطر الذي قد يواجهه فعلياً عند الإعادة، استناداً إلى ظروفه الفردية وإلى المعلومات الحديثة والمتاحة بشأن بلد الأصل، وكذلك أي بلد آخر قد تتم إعادته أو مروره عبره.
وتبرز أهمية القرار بالنسبة للفلسطينيين بصورة خاصة نظراً إلى أن القضية تتعلق بفلسطيني من الضفة الغربية، حيث تقبع المنطقة تحت السيطرة الإدارية والأمنية الإسرائيلية، وكانت السلطات الإيطالية قد أقرت في سياق الملف بوجود مخاطر جدية مرتبطة بسلامة صاحب الطلب في حال إعادته، رغم استبعاده من الحماية الدولية، ومن هنا فإن إعادة تقييم القضية لا تتعلق فقط بالسؤال حول ما إذا كان الشخص يستحق صفة اللاجئ، وإنما بما إذا كانت إعادته في الظروف الراهنة يمكن أن تعرضه لخطر يتعارض مع الالتزامات القانونية المتعلقة بحظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية أو المهينة.
وشددت محكمة النقض على أن تقييم الخطر يجب أن يكون حاضراً ومحدثاً لأن الظروف في بلد الأصل يمكن أن تتغير بمرور الوقت، ولذلك فإن المعطيات التي كانت قائمة عند اتخاذ قرار سابق لا تكفي بالضرورة إذا طرأت لاحقاً تغيرات جوهرية على الوضع في البلد المعني.
وفي هذا السياق أكد خالد القيسي، مسؤول اللجنة القانونية في اتحاد الجاليات والمؤسسات الفلسطينية في أوروبا والمستشار التقني للجنة الدفاع عن (ع. ي.) أمام المحاكم الجنائية، أن أهمية هذا القرار تتجاوز قضية (ع. ي.) نفسها، مشيراً إلى أن المتابعين أمام حكم صادر عن أعلى محكمة إيطالية يضع حداً واضحاً لأي محاولة للربط بين استبعاد الشخص من صفة اللاجئ وبين سقوط حقه في الحماية من التعذيب والمعاملة اللاإنسانية.
وأضاف القيسي أنه بالنسبة للفلسطينيين والعرب الذين قد يجدون أنفسهم أمام أوامر إبعاد أو ملفات تتضمن اتهامات أمنية أو جنائية، فإن هذا القرار يفتح باباً مهماً للدفاع عن حقهم في عدم الإعادة إلى خطر حقيقي، وهو مبدأ يجب أن يحظى بأهمية خاصة في ظل الظروف التي يعيشها الفلسطينيون.
ورغم أهمية قرار محكمة النقض فإن الحكم لا يشكل نهاية لقضية (ع. ي.)، حيث أعادت المحكمة الملف إلى محكمة لاكويلا لإجراء تقييم جديد للخطر على ضوء المبدأ القانوني الذي حددته محكمة النقض ومن خلال هيئة قضائية مختلفة. وبالتالي فإن ما صدر عن محكمة النقض لا يعني منح الحماية بشكل تلقائي لصاحب الطلب، وإنما يلزم المحكمة المختصة بإعادة فحص القضية وفق المعايير التي أرستها محكمة النقض.
ومع ذلك تتجاوز أهمية القرار مسار هذه القضية الفردية، فهو يضيف إلى الاجتهاد القضائي الإيطالي مبدأً يمكن أن تكون له انعكاسات عملية على ملفات أخرى لأشخاص جرى استبعادهم من صفة اللاجئ لكنهم يتمسكون بعدم جواز إعادتهم إلى دول قد يواجهون فيها خطراً حقيقياً من التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو المهينة. وفي ظل تزايد ملفات الإبعاد والقضايا المرتبطة بالأمن والهجرة واللجوء، قد يشكل هذا الحكم مرجعاً مهماً أمام المحاكم الإيطالية عند بحث التوازن بين قرارات الإبعاد والالتزامات القانونية التي تحظر إعادة أي شخص إلى خطر المعاملة المحظورة.





