حين تصبح البراءة شاهدةً على قسوة الحروب
جمهورية فلسطين – محرر الشؤون الادبية والثقافية
Read in English
Lee en español
تستعد دار الأزبكية في رام الله، بالتعاون مع أزبكية عمّان، لإصدار أول أعمال الكاتب الأردني رضا نظام استيتية، تحت عنوان «أحلام تائهة»، قصة قصيرة تفتح نافذة فريدة على أثر الحروب على النفس الإنسانية والذاكرة الجماعية.
رضا نظام استيتية هو فلسطيني من الجيل الثالث، وُلد في مدينة الكويت لعائلة متوسطة، درس إدارة الأعمال في جامعة الزيتونة الأردنية، وخلال دراسته انخرط في العمل الطلابي والجماهيري كعضو قيادي في الكتلة التجديد الطلابية. هذه الخلفية مكّنته من الجمع بين الهوية النضالية الفلسطينية والانتماء الأردني القومي، إلى جانب تكوين سياسي أممي عبر انخراطه في صفوف حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني.
استلهم استيتية قصة «أحلام تائهة» من حرب الابادة المستمرة التي يعيشها شعبه الفلسطيني، والتي اشتدت وتراكمت خلال السنوات الأخيرة، لتكون شهادة على قسوة الحرب التي لا تنتهي بانتهاء المدافع، بل تستمر في الذاكرة والأرواح. من خلال نصه الأدبي الأول، يسعى الكاتب لإظهار الجانب الإنساني للحرب من منظور نادر، حيث تكتب المعاناة بعيون الأطفال، وصمت الأخ العائد من الجحيم، بدلًا من تصوير المعارك نفسها.
ليست «أحلام تائهة» عن المعارك بقدر ما هي عن ما تتركه الحرب من جروح؛ عن الأرواح التي تعود ناقصة، والقرى التي تفقد ألوانها بصمت، وعن أحلام صغيرة—كـ«دجاجتين»—تتحول إلى ثمن باهظ يدفعه الفقراء لقاء أوهام الأباطرة.
تدور أحداث القصة في فضاء بسيط: قرية، غابة، بيت أم، وأخوين؛ ماركو العائد من الحرب بجسد وروح مثخنة بالجراح، وثيو الصغير الذي يحاول فهم عالمه، ليكتشف أن الحرب لا تنتهي بانتهاء القتال، بل تبدأ في الذاكرة والكوابيس والدموع المكتومة.
باستخدام الطبيعة—الغابة، الأشجار، والفطر—كاستعارات للحياة والموت، يربط الكاتب بين ما يُنقذ وما يُهلك، وبين البراءة والمعاناة، ليقدّم الحرية بوصفها قيمة لا تُمنح، بل تُنتزع بثمن باهظ.
تتقاطع في النص نظريات حديثة حول الذاكرة والصدمة، فماركو يمثل ما وصفته كاثي كاروت بـ”الناجي المصاب”، حيث الصدمة ليست حدثًا يُستوعب فور وقوعه، بل تعود لتطارد الوعي لاحقًا؛ والحكايات المبتورة التي يرويها عن رفاقه القتلى تتوافق مع مفهوم الهوية السردية لبول ريكور، إذ تشكل وسيلة لترميم الذات وفرض نظام على فوضى الحرب؛ كما يحمل ماركو ذاكرة جماعية تتقاطع مع أفكار موريس هالبواكس، إذ تصبح ذاكرته الفردية وعياً جماعياً للأجيال القادمة، يختزل دروس الحرب في خبرة حذرة ومعرفة قائمة على التجربة، لا على اليقين أو السلطة.
«أحلام تائهة» نص هادئ لكنه موجع، يتسلل إلى أعماق القارئ، ويترك أثره طويلًا. إنها شهادة أدبية عن الحرب، لا بوصفها حدثًا سياسيًا، بل كجريمة مستمرة ضد الإنسان، وضد أحلامه الصغيرة التي تبحث عن النجاة.
السرد يحوّل الجسد المصاب إلى أرشيف حي للذاكرة؛ عين ماركو المفقودة ليست مجرد فقد جسدي، بل نافذة على رؤية أخلاقية، صادقة، تكشف ما تحاول السلطة إخفاءه. الصمت، البكاء الليلي، والألم المتكرر هي لغة النص التي تكشف الحقيقة التي تعجز عنها الكلمات.
«أحلام تائهة» قصة عن النجاة، الفقد، والحرية، تضع القارئ أمام سؤال أخلاقي عميق:
ما الذي يتبقى من الإنسان حين يُطلب منه أن يضحي بكل شيء… حتى بعينيه، من أجل الحرية؟
قريبًا بين يديكم، نص يترك القلوب تهتز قبل العقول، ونوافذ على عالم لا تُروى قصصه إلا بصمت الجروح وبصيرة العين الواحدة.
الحرية، لا مقابل لها سوى الحرية.





