إيطاليا _ “جمهورية فلسطين”
تحول افتتاح الدورة الحادية والستين من بينالي البندقية الدولي إلى ساحة مواجهة سياسية وأخلاقية مفتوحة، حيث أعلن 54 فناناً مشاركاً و16 فريقاً من الأجنحة الوطنية انسحابهم الجماعي من المنافسة على الجوائز، في خطوة نضالية تعكس رفضاً قاطعاً لسياسات المؤسسة الثقافية التي حاولت الالتفاف على الموقف الأخلاقي للجنة التحكيم المستقيلة، مؤكدين بتضامنهم الواسع أن الفن لا يمكن أن ينفصل عن قضايا التحرر الإنساني أو أن يكون غطاءً لجرائم الحرب والظلم الاستعماري.
وتأتي هذه الهبة الفنية الجماعية رداً على المناورات التي مارستها مؤسسة البينالي عقب الاستقالة التاريخية للجنة التحكيم في الثلاثين من نيسان الماضي، وهي اللجنة التي اتخذت موقفاً مبدئياً برفض النظر في منح جوائز لدول يواجه قادتها اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية أمام المحكمة الجنائية الدولية، في إشارة واضحة لاستبعاد منظومة الاحتلال الإسرائيلي، وهو الموقف الذي جوبه بضغوط قانونية صهيونية قادها الفنان بيلو سيميون فاينارو بادعاءات واهية حول “معاداة السامية”، ما دفع المؤسسة للاستسلام للترهيب القانوني بدلاً من الانتصار للعدالة.
وفي محاولة بائسة لامتصاص الغضب الشعبي والفني، عمدت إدارة البينالي إلى إلغاء جوائز “الأسد الذهبي” العريقة لهذا العام، واستبدالها بما أسمته “أسود الزوار” التي تعتمد على تصويت الجمهور، في آلية تهدف بوضوح إلى إعادة إدراج كيان الاحتلال في دائرة المنافسة وكسر العزلة الدولية المفروضة عليه، وهو ما اعتبره المنسحبون “تبييضاً” للجرائم عبر أدوات الديمقراطية الزائفة، مؤكدين أن دماء الضحايا لا تخضع للتصويت أو التحييد الجمالي في محافل الفن العالمي.
وتستمر فصول هذه المعركة الثقافية حتى اليوم الختامي للمعرض في تشرين الثاني القادم، حيث يضع هذا الانقسام الحاد مؤسسة البينالي أمام مأزق تاريخي يهدد شرعيتها الأخلاقية، بينما تبقى قائمة الفنانين المنسحبين شاهدة على أن ضمير المثقف المشتبك لا يزال قادراً على قول “لا” في وجه الماكينة الاستعمارية، رافضاً أن تكون منصات الفن مكاناً للاحتفاء بمن يبيدون الحياة ويحرقون الأرض في فلسطين وغيرها من بقاع العالم المناضلة.
وفي بيان حاشد نُشر عبر منصة “إي-فلوكس” الدولية، أكد نحو نصف الفنانين الـ111 المشاركين في المعرض الرئيسي “بمفاتيح صغرى” انضمامهم إلى 16 جناحاً وطنياً في قرار المقاطعة والانسحاب الشامل من جائزة “أسود الزوار” المستحدثة، معتبرين إياها محاولة بائسة لتعويض الانهيار الأخلاقي الذي خلفته استقالة لجنة التحكيم الرافضة للتطبيع مع “أجنحة الإبادة”، وهو المصطلح الذي بات يطارد الجناح الإسرائيلي في كل أروقة المدينة.
هذا التصعيد الرسمي جاء مدفوعاً بضغط ميداني غير مسبوق وإضراب تاريخي أدى بالفعل إلى شلل تام في مجمع “الأرسينالي” وإغلاق عدة أجنحة احتجاجاً على سياسة “التواطؤ القسري” التي حاولت إدارة البينالي فرضها، وهو ما عبرت عنه الفنانة كارولينا كايسيدو بوضوح حين أعلنت رفضها تقاسم فضاءات الإبداع مع منظومة احتلال تلطخ بجرائمها قدسية العمل الفني، مشددة على أن الوقوف في منطقة الحياد اليوم هو انحياز صريح للجلاد.





