الأراضي المحتلة – “جمهورية فلسطين”

مع كل انتخابات للكنيست يتجدد النقاش داخل المجتمع العربي حول جدوى المشاركة، وكأننا نعيد طرح نفس السؤال دون أن نمتلك الجرأة الكافية للاعتراف بإجابات التجربة نفسها. هناك من اختاروا، منذ البداية، موقف المقاطعة المبدئية، وتحملوا على مدار سنوات سيلًا من الاتهامات، من المزاودة إلى تحميلهم مسؤولية صعود اليمين، بل وحتى اتهامهم بشكل مباشر بأنهم يساهمون في تقوية التيارات الأكثر تطرفًا. ومع ذلك، بقي هذا الموقف قائمًا، لا باعتباره شعارًا، بل كقراءة مبكرة لطبيعة النظام وحدود تأثير المشاركة فيه.

لكن حتى بعيدًا عن هذا البعد المبدئي، فإن التجربة العملية للمشاركة تفرض نفسها بقوة. على مدار عقود، دخلت الأحزاب العربية إلى الكنيست تحت وعود التأثير والتغيير، إلا أن الحصيلة الفعلية تكشف مسارًا معاكسًا تمامًا. الحيز الديمقراطي لم يتسع، بل تقلّص بشكل واضح، والتشريعات والسياسات ذهبت نحو مزيد من الإقصاء والتشدد، بينما بقي التمثيل العربي في موقع هامشي، عاجز عن إحداث تغيير حقيقي في بنية القرار.

الأخطر من ضعف التأثير كان الثمن السياسي الذي دُفع مقابل الاستمرار في هذه التجربة. فبدل أن يفرض التمثيل العربي خطابه، جرى العكس تمامًا: انحدار تدريجي ومستمر في السقف السياسي. من خطاب حقوقي واضح إلى خطاب حذر، ثم إلى خطاب دفاعي، وصولًا إلى حالة من التكيّف شبه الكامل مع شروط المؤسسة السياسية. في كل جولة انتخابية، يجري خفض السقف أكثر، ليس نتيجة مراجعة فكرية، بل تحت ضغط الرغبة في القبول داخل منظومة لا تعترف أصلًا بندّية هذا التمثيل.

وفي موازاة ذلك، يتجه المجتمع الإسرائيلي نفسه نحو مزيد من التطرف، ليس فقط على مستوى الحكومات، بل كاتجاه عام ينعكس في الخطاب العام والسياسات والتشريعات. أما داخل المنظومة السياسية، فالصراع القائم لا يدور حول جوهر السياسات تجاه الفلسطينيين، بل حول أدوات تنفيذها ومن يتولى قيادتها. الاختلافات بين الأحزاب ليست مبدئية بقدر ما هي إجرائية، ما يجعل الحديث عن “بدائل سياسية” أقرب إلى إعادة توزيع للأدوار داخل نفس الإطار، لا تغييرًا حقيقيًا في الاتجاه.

في هذا السياق، جرى تسويق المشاركة مرارًا باعتبارها وسيلة لإسقاط اليمين، لكن التجربة أثبتت أن النتيجة غالبًا ما تكون استبدال يمين بيمين آخر، دون أي تحول جوهري في السياسات. وهنا يبرز التناقض بوضوح: إذا كان الهدف النهائي لا يتجاوز هذا الحد، فلماذا يُطلب من الناخب العربي أن يواصل الاستثمار في مسار لم يحقق له مكاسب حقيقية، بل ساهم في استنزاف خطابه السياسي؟

وفي هذه الأيام، ومع شروع الأحزاب العربية المحسوبة على الخط الوطني في انتخاب ممثليها، يظهر جانب آخر من المفارقة. القاعدة الشعبية لهذه الأحزاب، بلا شك، تفرز في الغالب أفضل كوادرها: شباب لديهم حضور في ساحات العمل العام، وسجل من المواقف الواضحة، وتجربة في النضال السياسي والمجتمعي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بحدة هو: ماذا يحدث لكل ذلك حين يدخل هؤلاء إلى الكنيست؟ هل يبقى هذا الرصيد كما هو، أم يُطلب منهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، أن يتركوه عند الباب؟

المشكلة لا تكمن في الأشخاص بقدر ما تكمن في الإطار نفسه. فالتجربة تشير إلى أن من يدخل هذا البرلمان يُدفع تدريجيًا إلى تجريد خطابه من مضمونه الوطني، أو على الأقل إلى تكييفه بما يتناسب مع حدود المسموح. وفي حال رفض ذلك، يصبح حضوره محصورًا في مستوى رمزي أو استعراضي، دون قدرة حقيقية على التأثير. بل إن المخاوف تتزايد من أن حتى هذا الهامش الرمزي قد يضيق أكثر، في ظل بيئة سياسية تزداد تشددًا ولا تتسامح مع خطاب خارج الإجماع السائد.

ومع تزايد الضغوط وتصاعد النزعة القومية، لم تعد المشاركة قادرة حتى على الحفاظ على الحد الأدنى من الثوابت، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة لإعادة إنتاج التنازلات. لم يعد السؤال كيف نؤثر من الداخل، بل كيف نبقى داخل اللعبة، حتى لو كان ذلك على حساب وضوح الموقف أو صدقيته أمام الناس.

في ضوء كل ذلك، تبدو المقاطعة ليست مجرد موقف احتجاجي، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من التجربة غير الناجحة. هي تعبير عن رفض الاستمرار في معادلة لم تنتج تغييرًا حقيقيًا، وعن الحاجة إلى إعادة التفكير في أدوات العمل السياسي خارج إطار ثبت أنه يفرض شروطه أكثر مما يسمح بتغييرها.

في النهاية، لم يعد النقاش بين مبدأ وتكتيك فقط، بل بين قراءة واقعية للتجربة وبين الاستمرار في تكرارها رغم نتائجها. السنوات الماضية لا تترك مجالًا كبيرًا للغموض، بل تدفع باتجاه طرح السؤال بوضوح أكبر: إلى متى يمكن الاستمرار في نفس المسار، بينما المؤشرات كلها تقول إنه لم يعد قادرًا على تحقيق ما وُعد به ؟

بقلم | حاتم شهلا: قيادي في حركة أبناء البلد

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *