كانت جدّتي تحتفظ بمفتاح حديديّ صدئ ملفوف بقطعة قماش قديمة في صندوق خشبيّ صغير مبطّن بالمخمل الباهت. في طفولتي، كنت أظنّه مجرّد قطعة مهملة، لكن كلّما وقعت عيناها عليه كانتا تغيبان في مكان بعيد. ذلك المفتاح، كما أخبرتني، كان يفتح الباب الأماميّ لبيت العائلة في مدينة بئر السبع، المدينة المزدهرة حينها والتي كانت سبباً في انتقال العديد من العائلات من غزة وراء لقمة العيش في أوائل الأربعينيات. وحين أُجبرت العائلة على الرحيل في نكبة عام 1948، حملا ذلك المفتاح، وبعض الثياب، ويقيناً لا يتزعزع بأنّ العودة مسألة أيّام أو أسابيع. واليوم وبعد ثمانية وسبعين عاماً، لا يزال المفتاح في صندوقه، وانتقل كل من جدي وجدتي إلى رحمة الله في سبعينيات القرن الماضي ونحن لا نزال ننتظر ونحلم ونؤمن، نحن وأبناؤنا، بحتمية العودة.
لكنّ هذا المقال ليس استعادةً للحنين فحسب، ولا هو وجعٌ نستعرضه على العالم. هو محاولة لأن نفهم، معاً، كيف أنّ نكبتنا لم تكن حدثاً وانتهى ونحيي ذكراها، بل جرحاً ظلّ مفتوحاً، يتغيّر شكلُه ويستمرّ، ويضع على عاتق كلّ جيل مسؤوليةً أثقل من سابقه.
النكبة في أصلها لم تكن مجرّد نكسة عسكريّة أو تهجير جماعيّ حصل في عام واحد، رغم فداحة التهجير حين طُرد أكثر من 750 ألف فلسطيني ودُمّرت أكثر من 500 قرية. بل إنّ الكاتب والمفكّر الفلسطيني غسان كنفاني، في تحليله الثاقب لثورة 1936–1939، كشف كيف أنّ جذور الكارثة امتدّت قبل 1948 بسنوات. لقد حلّل كنفاني كيف مهّد فشل الثورة آنذاك ــ بسبب الانقسامات الداخلية، وضعف البنية الذاتية، والاتكال على أنظمة عربية باعت القضية في آخر المطاف ــ الطريقَ للنكبة الكبرى. الدرس الذي خلّفه كنفاني لا يزال يلسعنا اليوم: الشجاعة وحدها لا تكفي، ولا بدّ من استراتيجية موحّدة واعتماد على الذات وفهم عميق لطبيعة العدوّ، وإلّا فإن الهزيمة ترتدّ بأشكال جديدة.
وهذا ما حدث فعلاً. فالنكبة لم تتوقف عند 1948، بل استمرت بأدوات متغيّرة. في أيلول/سبتمبر 1993، جاء اتّفاق أوسلو ليُسوَّق لشعب منهك على أنه طريق السلام. لكنّه تحوّل، في الحقيقة، إلى هزيمة كبرى للمقاومة. لقد مزّق أوسلو ما تبقى من الجغرافيا الفلسطينية إلى مناطق “أ” و”ب” و”ج”، وحوّل حركة التحرّر الوطني إلى سلطة تدير الاحتلال بالنيابة، وأخرج قضية اللاجئين وحقّ العودة من طاولة المفاوضات تماماً. هنا تحديداً يتجلّى المعنى الذي يمكننا وصفه بأنّه “السلام القسري، السلام بالقهر والإجرام، سلام باطل واستسلام مذّل”. إنه الوهم نفسه الذي تكرّره القوى الاستعمارية كلّ مرّة: وهم أن السلام يمكن أن يُفرض بالقوة والإبادة والتهجير والقهر الاقتصادي والعسكري. لكنّ الذاكرة الجمعية للشعوب لا تتلاشى والحقوق الوطنية لا تندثر، والهوية الوطنية لا تُستبدل بصفقات استسلامية مشبوهة ومذلّة.
واليوم، تتكشّف أشدّ صور النكبة وحشيةً في غزّة. فمنذ تشرين الأوّل/أكتوبر 2023، يشنّ الكيان الصهيوني حرب إبادة شاملة على القطاع، بتدمير ممنهج وقتل جماعي وتجويع وتهجير قسري، في مشهد تطهير عرقي متسارع يُنقل مباشرةً على شاشات التلفزة والهواتف المحمولة. ما يحدث في غزّة حتى لحظة قراءة هذه السطور الآن ليس خروجاً عن مسار النكبة، بل هو امتداد لها بأدوات العصر الحديث: طائرات F-35 وذكاء اصطناعي وأنظمة قتل آليّة، يموّلها دافعو الضرائب في الغرب، وتُسوّق له آلة إعلامية ضخمة.
لكن، في مقابل هذه الصورة الظالمة المظلمة، ثمّة شيءٌ بدأ يتغيّر. لقد خرجت الملايين في شوارع العالم، من نيويورك إلى لندن إلى سان فرانسيسكو إلى صنعاء إلى جوهانسبرغ، غاضبةً من إبادة جماعية تُرتكب على الهواء مباشرة. هذا الغضب العالمي ليس مجرّد تعاطف عابر، بل هو طاقةٌ هائلة، وهو مؤشّر على أنّ ضميراً عالمياً جديداً بدأ يتشكل. والسؤال الموجّه إلينا، نحن الفلسطينيين، ونحن جزءٌ من هذه اللحظة، ليس فقط كيف نستفيد من هذا التضامن، بل كيف نرتقي بذاكرتنا ونضالنا إلى مستوى اللحظة التاريخية.
فالخطر، كما تنبّهنا إلى ذلك أحاديث الشارع وفي البيوت وفي الندوات وفي المناسبات الاجتماعية، يبدأ حين تتحوّل الذاكرة من أداة مقاومة إلى بديل عن الفعل، وحين تصبح ذكرى النكبة طقساً خطابياً موسمياً نرفع فيه المفاتيح القديمة ونهتف للعودة، ثم نعود بعده إلى واقع التطبيع مع الحصار والاقتلاع والانقسام. الذاكرة شرط بقاء، وهي التي حفظت الهوية الوطنية في المخيّمات رغم الفقر والتهميش. لكن الذاكرة وحدها، إذا لم تتحوّل إلى مشروع سياسي ومعرفي متجدّد، قد تصبح قفصاً جميلاً يأسرنا في الحنين دون أن يفتح باباً.
ما نحتاجه اليوم، بوضوح، هو إعادة بناء العلاقة بين الذاكرة والمعرفة. أن ندمج قضية اللاجئين وحقّ العودة في المناهج والجامعات بوصفها حقلاً للدراسة والتحليل، لا مجرّد مادّة للتعبئة الخطابية. أن نؤسّس هيئة بحثية فلسطينية مستقلة متخصّصة في شؤون اللاجئين، توثّق وتدرّس وتخطّط استراتيجياً، بدلاً من أن نترك القضية المركزية في تاريخنا الحديث موزّعة بين جهود فردية ومبادرات متفرّقة. أن نُحيي ذكرى النكبة لا بوصفها يوماً عاطفياً عابراً، بل مساحة عمل جماعي: مشاريع توثيق شفهي، مخيّمات بحث ميداني، حماية للمواقع المهدّمة، ودروس مفتوحة في المخيّمات والجامعات حول التاريخ الشفهي والقانوني للنكبة.
غسان كنفاني، مرّة أخرى، يعلّمنا في تحليله لثورة 1936–1939، أنّ الثورة لا تُهزم فقط حين يُقتل أبناؤها، بل تُهزم حين تفتقر إلى قيادة سياسية موحّدة، وإلى موارد مستقلّة، وإلى رؤية استراتيجية تستهدف نقاط ضعف العدو البنيوية بدلاً من ردود الفعل الآنية. هذا الدرس لا يخصّ الفلسطينيين وحدهم؛ بل هو درس لكلّ حركة تضامنية تريد أن تتحوّل من لحظة غضب أخلاقي إلى قوّة سياسية مؤثّرة.
أمّا جيلنا الجديد، الذي ورث المفاتيح وورث الجرح، فمسؤوليته ألا يكتفي بحراسة الذاكرة، بل أن يحوّلها إلى بوّابة فعل. لا نملك رفاهية الاختيار بين المفاتيح القديمة والمؤسسات الجديدة؛ نحتاج إليهما معاً. لأنّ الذاكرة وحدها لا تكفي، ولأنّ السياسة بلا ذاكرة تتحوّل بدورها إلى أداة للتكيّف تحت حراب الاحتلال وإلى تآكل للوعي.
ثمانية وسبعون عاماً من النكبة المستمرّة لم تُطفئ حقّ العودة، بل زادته وضوحاً. والهبّة العالمية للضمير التي شهدناها في الأشهر الماضية أظهرت أنّ ملايين البشر على استعداد ليكونوا جزءاً من هذا الوضوح. المطلوب الآن ألا نترك تلك النار تخبو في اليأس أو تتبخّر في خطاب الذكرى، بل أن نوجّهها إلى العمل الصبور والمنسّق لبناء القوّة السياسية والمعرفية القادرة على إيقاف النكبة أخيراً. وكما أصرّ كنفاني، السؤال ليس ما إذا كانت العدالة إلى جانبنا، بل ما إذا كنّا مستعدّين لأن ننظّم أنفسنا بالجدّية نفسها التي ينظّم بها أعداء الحياة أنفسهم.
مناضل حرز الله – سان فرانسيسكو ١٥ أيار ٢٠٢٦
المصدر:
كنفاني، غسان. ثورة 1936–1939 في فلسطين. (نُشرت أصلاً تحت عنوان “ثورة 1936–1939 في فلسطين: خلفيّات، تفاصيل، تحليل”). لا يزال هذا الكتاب نصّاً تأسيسياً لفهم ديناميكيات النضال ضدّ الاستعمار الاستيطاني ومتطلّبات التحرّر.





