بقلم: عمر فارس

إنّ مشاهد الإرهاب الإسرائيلي بحق النشطاء السلميين الذين اختُطفوا من المياه الدولية ليست حادثة عابرة، بل جريمة سياسية وأخلاقية وقانونية مكتملة الأركان، تكشف مجددًا طبيعة الاحتلال الإسرائيلي القائم على القرصنة والعنف والإفلات من العقاب.

فهؤلاء النشطاء لم يحملوا سلاحًا، ولم يهددوا أمن أحد، بل حملوا الغذاء والدواء ورسالة إنسانية إلى شعب يُباد ويُحاصر منذ سنوات أمام صمت العالم وتواطؤه. ومع ذلك، اقتحمت قوات الاحتلال السفن في المياه الدولية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وحرية الملاحة، ثم مارست الاعتقال والإذلال والتنكيل بحق المختطفين، في مشهد يعكس عقلية القوة الاستعمارية التي ترى نفسها فوق كل القوانين والمواثيق الدولية.

وقد بدا ظهور وزير الأمن الإسرائيلي المتطرف، المعروف بخطاباته التحريضية والعنصرية، وهو يهدد النشطاء ويتشفى بهم، بمثابة رسالة إرهاب دولة موجهة لكل من يفكر بكسر الحصار أو التضامن مع غزة. لم يكن ذلك استعراضًا إعلاميًا فقط، بل تأكيدًا واضحًا على أن الاحتلال يتعامل مع أي فعل إنساني تجاه الفلسطينيين باعتباره “تهديدًا” يجب قمعه بالقوة.

لكن الأخطر من الجريمة نفسها، هو رد فعل العديد من الحكومات الغربية والعربية التي ما زالت تكتفي بعبارات “القلق” و”الإدانة”، وكأن ما جرى مجرد خلاف دبلوماسي عابر، لا عملية اختطاف دولية وإرهاب منظم تمارسه دولة احتلال ضد مدنيين ومتضامنين دوليين.

أي معنى تبقّى للقانون الدولي إذا كان الاحتلال يستطيع مهاجمة سفن مدنية في المياه الدولية، واعتقال مواطنين أجانب، والاستيلاء على المساعدات الإنسانية، دون أن يواجه أي محاسبة حقيقية؟

إنّ الدول التي يحمل هؤلاء النشطاء جنسياتها تتحمل مسؤولية مباشرة أمام شعوبها وأمام التاريخ. فمن غير المقبول أن يُختطف مواطنون ويُعتدى عليهم بينما تكتفي حكوماتهم بإصدار بيانات باردة لا أثر لها. الحد الأدنى المطلوب هو استدعاء السفراء الإسرائيليين، وفرض ضغوط سياسية وقانونية حقيقية، والعمل الفوري على ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة، لأن منع الغذاء والدواء عن المدنيين جريمة حرب موثقة وليست “إجراءً أمنياً”.

وفي هذا السياق، يطرح كثيرون أسئلة مشروعة حول غياب أي حماية فعلية لأساطيل التضامن، رغم التهديدات الإسرائيلية المعلنة والمتكررة. ولماذا تُترك سفن مدنية تحمل ناشطين ومتضامنين لمواجهة آلة الاحتلال وحدها في عرض البحر؟

ويعيد هذا الأمر التذكير بما جرى قبل أشهر، حين تعرضت إحدى سفن التضامن التي كان على متنها الناشط الفلسطيني عمر فارس لهجوم من قوات الاحتلال الإسرائيلي، بعد ساعات فقط من مغادرة سفينة عسكرية تركية كانت قد أوصلت مساعدات إنسانية وأفرغت شحنات من الغذاء وحليب الأطفال. يومها، سيطرت قوات الاحتلال على السفينة والمساعدات، التي انتهى جزء منها بيد المستوطنين المتطرفين.

إنّ ما يحدث ليس مجرد استهداف لأفراد، بل محاولة لكسر أي إرادة عالمية تتحدى الحصار المفروض على غزة، وتجريم كل من يرفع صوته ضد الإبادة الجماعية والتجويع والحصار.

لقد أثبت النشطاء، رغم الاعتقال والإذلال، أن الضمير الإنساني ما زال حيًا، وأن هناك من يرفض أن يكون شريكًا في الصمت. أما الحكومات المتواطئة أو العاجزة، فستبقى شريكة في المسؤولية السياسية والأخلاقية عن استمرار الجرائم بحق الشعب الفلسطيني.

غزة لا تحتاج إلى بيانات شجب جديدة، بل إلى مواقف شجاعة وإجراءات عملية تكسر الحصار وتحاسب المجرمين. أما الاكتفاء بالإدانة، بعد كل هذه الدماء والجرائم، فلم يعد حيادًا… بل مشاركة فعلية في الجريمة.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *