يحتفل العالمُ بانطلاق كأس العالم 2026، حيث تكتسي الملاعبُ بالألوان والإضاءات، وتمتلئ المدرجاتُ بالجماهير التي ترفع أصواتها في حدثٍ يُعدّ الأكبر رياضيًّا كلَّ أربع سنوات، بينما يعيش أهالي قطاع غزة واقعًا مختلفًا تمامًا، لا يمتّ لهذا الاحتفال بصلة؛ إذ يواجهون منذ نحو ثلاث سنوات حربًا مدمّرةً ومعاناةً إنسانيّةً قاسية، تتجدد معها موجات النزوح وتزداد فيها الأزمات اليومية.

وفي غزة، لا تُسمع صافرة بداية المباريات، إنما تختلط الحياة بأصوات القصف، وتضيء السماء بوميض النيران، وتستيقظ العائلات على أصوات الانفجارات، فيما يواصل السكان إطلاق نداءات الاستغاثة يوميًّا في ظلّ ظروفٍ إنسانيّةٍ بالغة الصعوبة.

الملاعب تتحوّل إلى مراكز إيواء للنازحين

وخلال العدوان المتواصل على القطاع، استهدف جيش الاحتلال “الإسرائيلي” البنية الرياضية، بما في ذلك الملاعب، ودُمّر العديدُ منها بشكلٍ كاملٍ أو جزئي؛ ما أدى إلى طمس معالمَ رياضيّةٍ شكّلت يومًا ما فضاءاتٍ للأمل والفرح.

وفي مشهدٍ صادم، تحوّل عددٌ من هذه الملاعب، ومنها ملعب “اليرموك”، من ساحاتٍ للرياضة والأحلام إلى مخيماتٍ للنازحين، امتلأت بالخيام والآلاف من العائلات التي فقدت منازلها، في دلالةٍ واضحةٍ على حجم التحوّل القاسي الذي فرضته الحرب على تفاصيل الحياة اليوميّة في القطاع.

الرياضة تتراجع أمام معركة البقاء

الشاب خليل الشوربجي (28 عامًا) يقول لـ “بوابة الهدف“، إنّ الواقع الإنساني الصعب الذي يعيشه سكان غزة؛ المتمثل في الاصطفاف اليومي على طوابير المياه والغذاء والبحث المستمر عن مقومات الحياة الأساسيّة، جعله في حالة انشغالٍ تام عن متابعة كأس العالم، رغم الاهتمام العالمي الواسع بهذا الحدث الرياضي.

ويضيف أنّ “الاحتلال لم يترك لنا أي مساحةٍ للحياة الطبيعية”، مشيرًا إلى أنّ تفاصيل الحياة اليومية باتت أكثر إلحاحًا من أي حدثٍ رياضي عالمي، حيث تتحول الأولويات من متابعة المباريات ونتائج المنتخبات إلى تأمين أبسط الاحتياجات الأساسية من ماءٍ وغذاءٍ وأمان.

ويربط الشوربجي بين هذا الواقع وبين مشهد المونديال الذي يحتفي به العالمُ كلَّ أربع سنوات، قائلًا إنّ البطولة التي تُقام وسط أجواء من الفرح والاحتفالات، تبدو بعيدةً جدًّا عن حياة الغزيين الذين يعيشون تحت وطأة حربٍ مستمرّةٍ ومعاناةٍ إنسانيّةٍ قاسيّة، جعلت من “الفرح” ترفًا مؤجّلًا.

ويتابع أنّ الملاعب التي كانت يومًا ما ساحاتٍ للرياضة والتجمعات الشبابية ومتابعة المباريات، تحولت بفعل العدوان إلى مراكز إيواء ومخيمات للنازحين، في صورةٍ تعكس حجم التحوّل الذي أصاب تفاصيل الحياة في القطاع، وتضع الرياضة نفسها في سياقٍ مختلف تمامًا عن معناها العالمي القائم على الفرح والتقارب بين الشعوب.

ويؤكد أنَّ كأس العالم رغم رمزيته بوصفه حدثًا يوحّد العالم حول كرة القدم، إلا أنّ “غزة اليوم تعيش واقعًا يجعل من الصعب حتى التفكير في متابعة المباريات”، لأنّ الأولوية باتت للبقاء على قيد الحياة، وليس لمتابعة المنافسة الرياضية.

بث خجول للمباريات

وتنتشر في غزة محاولاتٌ بسيطةٌ ومحدودةٌ لعرض المباريات في بعض المراكز أو الأماكن المتاحة، إلا أنّ تلك المحاولات تبقى خجولةً ومقيّدةً بشدة؛ بفعل الظروف الأمنية الصعبة، وانقطاع الكهرباء المتكرر، وضعف أو انعدام خدمات الإنترنت في كثيرٍ من المناطق.

وغالبًا ما تعتمد هذه المبادرات على إمكاناتٍ فرديّةٍ أو تجهيزاتٍ بدائيّةٍ لا تواكب الحد الأدنى من متطلبات البث الجماعي، ما يجعل تجربة متابعة المباريات غير مستقرّة ومجزأة، تتخللها انقطاعات مفاجئة وتحديات مستمرة.

ورغم ذلك، يحاول بعض الشبان خلق لحظات قصيرة من الترفيه وسط واقعٍ ثقيل، عبر تجميع ما توفّر من وسائل تقنية بسيطة، إلا أنّ هذه المحاولات تبقى محدودة التأثير، ولا يمكن أن تعيد أجواء المشاهدة الجماعية التي اعتادها الناس في فتراتٍ سابقة.

110626_Khan_Yunis_TM_2_00(8).jpg

من المشاهدة الجماعية إلى الفردية

من جهته، يعبر الشاب نادر عاشور عن واقعٍ أكثر تعقيدًا يرتبط بتفاصيل الحياة اليومية التي باتت تحاصر حتى أبسط مظاهر الترفيه، لافتًا إلى أنّ انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت المستمرين جعلا متابعة كأس العالم الحالي مهمةً صعبةً بحد ذاتها، حتى قبل الحديث عن أجواء البطولة أو نتائجها.

ويشير عاشور في حديثه مع “الهدف” إلى أنّ التجمع في المقاهي أو الساحات العامة لمتابعة المباريات لم يعد خيارًا متاحًا كما في السابق؛ إذ بات محفوفًا بالمخاطر في ظل استمرار القصف والاستهدافات، ما دفع كثيرًا من الشباب إلى الاكتفاء بمتابعة المباريات داخل أماكن إقامتهم أو مراكز النزوح، متى توفرت الإمكانيات، وبدائل البثّ البسيطة، بدلًا من التنقل أو التجمع في أماكن مفتوحة.

ويضيف أنّ هذه الظروف لم تغيّر فقط طريقة متابعة الحدث الرياضي، إنما غيّرت أيضًا معنى “المشاهدة الجماعية” التي كانت جزءًا من ثقافة كرة القدم قبل العدوان، حيث تحولت من لحظة احتفال جماعي إلى متابعة فردية صامتة، يغلب عليها القلق وانقطاع الوسائل أكثر من الحماس الرياضي.

وتزداد قسوة هذه المفارقة، بحسب عاشور، عند النظر إلى واقع الأطفال في غزة، الذين يشاهدون أقرانهم في مختلف دول العالم وهم يرتدون قمصان منتخباتهم المفضلة ويحلمون بملاعب مفتوحة ومستقبل رياضي واضح، بينما فقد آلاف الأطفال في القطاع ملاعبهم ومدارسهم ومساحاتهم الآمنة، ولم تعد كرة القدم بالنسبة لكثير منهم نشاطًا يوميًّا أو وسيلةً للترفيه، بل جزءٌ من ذاكرة حياةٍ سابقةٍ أكثر استقرارًا.

ويختم بالإشارة إلى أنّ اللعبة التي كانت تمثل متنفّسًا من ضغوط الحصار وصعوبات الحياة، باتت اليوم إحدى ضحايا الواقع القاسي الذي فرضته سنوات الحرب والتصعيد، لتتحول من مساحة فرحٍ إلى ذكرى بعيدةٍ يصعب استعادتها.

كلفة البث وأجهزة الاستقبال عائق

وتتزايد التحديات في قطاع غزة التي تعيق متابعة كأس العالم، في ظل أوضاعٍ اقتصاديّةٍ وإنسانيّةٍ صعبةٍ وانهيارٍ واسعٍ في البنية التحتية، ما يجعل الوصول إلى البث أو متابعة البطولة أمرًا معقّدًا لشريحةٍ واسعة من السكان.

وتبرز كلفة الاشتراك في القنوات الناقلة وصعوبة الحصول على أجهزة الاستقبال باعتبارها أبرز العقبات أمام المشجعين، في ظل ندرة الإمكانات وارتفاع الأسعار بشكلٍ كبيرٍ نتيجة القيود المفروضة على دخول هذه الأجهزة إلى القطاع.

كما لا يُعدّ البث عبر الإنترنت خيارًا عمليًّا لكثير من السكان، بسبب تضرر شبكات الاتصالات والانقطاعات المتكررة في خدمات الإنترنت والكهرباء، ما يحدّ من إمكانية متابعة المباريات حتى عبر الوسائل البديلة.

خسائر فادحة وانهيار البنية الرياضية

وفي السياق، تشير البيانات إلى حجم الدمار الذي طال القطاع الرياضي في غزة؛ إذ تجاوز عدد الشهداء من الأسرة الرياضية ألف شهيد حتى شباط/فبراير 2026، بينهم لاعبين ومدربين وإداريين، مثل مدرب المنتخب الأولمبي الفلسطيني هاني المصدر، ولاعب منتخب فلسطين لكرة القدم الشاطئية محمد بركات، ولاعب المنتخب الفلسطيني السابق سليمان العبيد.

كما تضررت نحو 90% من البنية التحتية الرياضية بين التدمير الكلي والجزئي، ما أدى إلى شللٍ شبه كاملٍ في القطاع الرياضي.

بدوره، يؤكد أمين عام الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي مصطفى صيام، أنّ 285 منشأةً رياضيّةً تعرّضت للتدمير خلال العدوان “الإسرائيلي” على القطاع، وتشمل ملاعب وأندية وصالات رياضية وأكاديميات ومرافق مختلفة، دُمرت بشكلٍ كلي أو جزئي.

ويضيف لـ “الهدف” أنّ ما تبقى من نحو 56 منشأةً رياضيّةً تحوّل إلى مراكز إيواء للنازحين، تضم آلاف العائلات التي اضطرتها الظروف القاسية إلى استخدام هذه المرافق باعتبارها مأوى، رغم افتقارها لأدنى مقومات الحياة.

ويوضح صيام أنّ القطاع الرياضي في غزة تعرّض لدمارٍ شبه كامل، باستثناء عددٍ محدودٍ من الأندية التي ما زالت تحافظ على بعض الأنشطة في المنطقة الوسطى، مثل نادي خدمات النصيرات، ونادي شباب الزوايدة، ونادي الاتحاد في دير البلح، حيث تُنظم فعاليات اجتماعية ورياضية وبرامج ثقافية وشبابية وتدريبات لكرة القدم يستفيد منها الشباب الرياضيون في المنطقة.

ويشير إلى أنّ الأضرار لم تقتصر على الأندية والملاعب التقليدية، بل شملت أيضًا الملاعب المعشبة، حيث دُمّر عشرة ملاعب كانت تستضيف مسابقات الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بمختلف فئاتها العمرية، إلى جانب بطولات كرة القدم الخماسية التي كانت تقام في الصالات المغلقة، ومنافسات كرة القدم الشاطئية التي كانت تُنظم على شاطئ غزة.

ويؤكد صيام أنّ العديد من الملاعب الكبرى والصغرى التي كانت تعجُّ بالحياة الرياضية دُمّرت بالكامل، ما حرم آلاف الغزيين من ممارسة أنشطتهم وهواياتهم الرياضية.

العالم يتوقّف كلّ أربع سنوات أمام بطولةٍ كرويّةٍ تمتدّ أسابيع، بينما في غزة يمتدُّ العدوان أكثر من عامين ونصف بلا نهايةٍ واضحة؛ هناك تُحصى الأهدافُ وفرص التأهّل، وهنا تُحصى الأرواح، وتُعدّ الخيام، ويبحث الناس عن نافذة أملٍ تُبقيهم على قيد الحياة.

تقرير خاص لـ “بوابة الهدف الإخبارية” – بقلم: أحمد زقوت

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *