لقد استلهم هوبكنسون من إرث الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مدرستها في “ربط التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي”؛ لذا، فإن تبنيه لنهج الجبهة لم يأتِ من فراغ، بل هو إدراكٌ عميق بأن القضية الفلسطينية هي “جوهر الصراع الأممي”
نيوزلندا – خاص “جمهورية فلسطين”
في أقصى الجنوب من هذا العالم، حيث تبدو الجغرافيا بعيدة عن نارِ غزة، يبرزُ حدثٌ يكسرُ صمت “نظامِ العالم”، إنه إعلان تأسيس حزب “فلسطين حرة” (Free Palestine Party) في نيوزيلندا، وهو ليس مجرد حزبٍ سياسيٍّ عابر، بل هو “زلزالٌ أخلاقي” ضرب قلب المؤسسة النيوزيلندية، مؤكداً أن القضية الفلسطينية عبرت حدود الجغرافيا لتصبح الميزان الأخلاقي والسياسي الذي يُقاس به حرص الدول على قيم العدالة والحق.
هذا التأسيس، الذي جاء تتويجاً لجهود تنظيمية مكثفة، يمثل اختراقاً غير مسبوق في جدار الصمت الغربي، حيث قرر مؤسسوه أن الوقت قد حان لنقل غضب الشارع إلى أروقة البرلمان، محولين التضامن من مجرد شعارات في الميادين إلى قوة سياسية منظمة تحمل اسم فلسطين في جوهر هويتها.
وعلى صعيدٍ آخر، إنَّ هذا التوجه يمثل ضربةً قاصمةً لـ “التواطؤ المؤسسي” الذي طالما اتسمت به الحكومات الغربية. فالحزب لم يأتِ لممارسة السياسة التقليدية، بل طرح برنامجاً راديكالياً يتحدى المرتكزات الإمبريالية، وعلى رأسها تحالف “العيون الخمس” الاستخباراتي، الذي يربط نيوزيلندا بأجندات عسكرية وأمنية تخدم القوى الاستعمارية، ومن خلال هذا البرنامج، يؤكد الحزب أن فلسطين ليست مجرد ملف خارجي، بل هي اختبار حقيقي لاستقلال القرار السياسي في نيوزيلندا، داعياً إلى الانسحاب من التحالفات التي تجعل من البلاد شريكاً غير مباشر في الانتهاكات التي تُرتكب ضد الشعب الفلسطيني، وهو ما يضع النخبة السياسية التقليدية في مواجهة محرجة مع قواعدها الشعبية.
أما فيما يتعلق بالقيادة، يبرزُ اسم “بول هوبكنسون” كمهندسٍ لهذا التحول؛ المؤسس الفعلي والمدبر الاستراتيجي لهذا الكيان السياسي، فهو ليس مجرد ناشطٍ ميداني، بل هو مثقفٌ ثوريٌّ أدرك أن العمل السياسي لا يمكن أن يظل حبيس الاحتجاجات العفوية، لقد استلهم هوبكنسون من إرث الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مدرستها في “ربط التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي”؛ لذا، فإن تبنيه لنهج الجبهة لم يأتِ من فراغ، بل هو إدراكٌ عميق بأن القضية الفلسطينية هي “جوهر الصراع الأممي”.
هوبكنسون، ومن خلال بنية حزبه، يسعى لنقل أطروحات الجبهة الشعبية من حيز التنظير إلى حيز “الممارسة السياسية البرلمانية”، محولاً خطابه من مجرد تضامنٍ إنساني إلى مشروعٍ سياسيٍّ جذري يتبنى رؤية الجبهة في التحرير والعودة وبذلك، لا يقدم هوبكنسون حزباً جديداً فحسب، بل يؤسس لـ “فرعٍ فكري” يعيد تعريف النضال الفلسطيني كجزء لا يتجزأ من حركة التحرر العالمي، كاسراً بذلك احتكار المؤسسات الغربية لقرارِ تصنيف الأفكار وتجريم المقاومة.
وفي سياقِ رؤيته، بعيداً عن ألاعيب السياسة التي تسعى لتدجين المواقف، يرفع الحزب شعار “فلسطين حرة من النهر إلى البحر”، متبنياً حل الدولة الواحدة الديمقراطية كحلٍ عادلٍ ووحيد لإنهاء نظام الفصل العنصري. هذه الرؤية الجذرية ليست مجرد طرح انتخابي، بل هي إعادة اعتبار للسردية الفلسطينية الأصلية التي حاولت عقود من المفاوضات العبثية طمسها؛ كما أن تبني الحزب الصريح لحق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال بكافة الأشكال التي يكفلها القانون الدولي، يعكس شجاعة سياسية نادرة، حيث يضع هذا الموقف أخلاقيات المقاومة في مواجهة مع سرديات القوى الاستعمارية التي تحاول تجريم حق الشعوب في التحرر. وعلى الرغم من إدراك الحزب لحجم التحديات والعقبات التي سيواجهها في بيئةٍ سياسيةٍ اعتادت على التواطؤ، إلا أن نقل هذه القضايا إلى أروقة البرلمان يمثل بحد ذاته تغييراً في قواعد الاشتباك السياسي، ويفتح ثغرةً حقيقيةً في جدار العزلة الذي فُرض حول القضية الفلسطينية.
لقد أحدث هذا الحراك حالة من الاستنفار القصوى في أروقة اللوبي الصهيوني، الذي لم يجد أمام هذا التحدي سوى محاولات التشكيك في المسار القانوني للحزب ووسمه بالراديكالية؛ وهي محاولاتٌ لا تعدو كونها دليلاً قاطعاً على أن هذا التأسيس قد أصاب “العصب” في مقتل؛ فما يخشاه هؤلاء حقاً ليس مجرد حزبٍ جديدٍ في البرلمان، بل أن يتحول “حزب فلسطين حرة” إلى نموذجٍ مُعدٍ، يُلهم شعوب العالم الأخرى لإنشاء كيانات سياسية تضع فلسطين في قلب أجنداتها الوطنية، مما يهدد بانهيار السردية الصهيونية التي ظلت لعقود طويلة محصنةً من أي نقد جدي داخل المؤسسات الغربية.
إننا، بهذا المسار، أمام لحظةٍ فارقةٍ تستوجب التأمل، حيث يبدأ الضمير الإنساني في إعادة ترتيب أوراقه بعيداً عن ضغوط السلطة وهياكلها؛ إنَّ تأسيس هذا الحزب هو صرخةٌ في وجه العالم بأن فلسطين أصبحت “البوصلة” التي تفرز الأحرار عن أولئك الذين رهنوا ضمائرهم للسياسة الاستعمارية؛ فهذه الخطوة تمثل دليلاً حياً على أن العدالة لا تعرف المسافات، وأن الجغرافيا التي تبعد آلاف الأميال لا تمنع الأحرار من الانحياز المطلق للحق، إنها لحظة تستوجب التبصر، ليس فقط بما يجري في الخارج، بل بقدرة هذه الأفكار على كسر حصار الوعي الذي فُرض طويلاً، لتصبح القضية الفلسطينية هي المعيار الذي تُقاس به أخلاق الدول، قبل سياساتها، وقبل تحالفاتها.





