فارس فايز | خاص – “جمهورية فلسطين”

“انفجار سيارة يودي بحياة الأديب غسان كنفاني وسط ظروف غامضة”، كان هذا الخبر المقتضب الذي بثته إذاعة لندن، في الساعة الواحدة من ظهر يوم السبت، 8 تموز 1972. السؤال هنا: لماذا غسان؟ ما الذي يجعل هذا “الأديب” هدفًا للاغتيال؟ وما الذي يدفع بظروف اغتياله أن تكون غامضة؟

بعيدًا عن الرومانسية الأدبية، وبدون كلمات مُنمّقة، تُجيب عن هذا التساؤل رئيسة وزراء الاحتلال وقتذاك، جوالدا مائير، في تصريحها: “اليوم تخلصنا من لواء فكري مسلح”.

أُقدّر كل الصفات التي تُطلق على غسان، وفي مقدمتها صفة الأديب. كيف لا؟ وقد اعترف له العدو قبل الصديق بذلك. وهو صاحب إنتاج أدبي كثيف بعمر السادسة والثلاثين، فقد كتب عشرات القصص القصيرة وعشرات الروايات، ونشر عشرات المقالات، وأعدّ دراسات سياسية هامة، ولعب دورًا أساسيًا في صقل مفهوم “أدب المقاومة”.

أُقدّر كل ذلك، ولكن أتساءل دومًا: ما الذي دفع غسان أن يكون كذلك؟ ما الذي أسهم بتشكيل وعي هذا الكاتب الفذ، وصقل شخصيته الأدبية؟ ما الذي أوجد هذا المثقف العضوي المرتبط عضويًا باللاجئين والفقراء والعمال والكادحين، ليعبّر عنهم ويُسهم في تشكيل وتنظيم وعيهم السياسي والثقافي؟

في كل مرة أفكّر بذلك، وفي ذهني بالطبع تجربة اللجوء التي عاشها، لا يسعني إلا أن أرى أن المُسبب الذي أوصل غسان ليكون هذا النوع من الأدباء هو تجربته التنظيمية؛ تلك التجربة التي بدأها غسان مبكرًا. وهذا يدفعني إلى تفضيل صفة لا يشيع ذكرها، أو تُذكر سريعًا عند استذكار غسان، وهي: غسان العضو في الجبهة الشعبـ.ـية لتحريـ.ر فلسطين، ذلك قبل أن يتدرج في مراتبها ليصبح قياديًا فيها. شخصيًا، أستطيع القول إن تلك كانت الصفة الأهم من صفاته، وكان غسان كما نقول بالعامية: “ابن تنظيم” بامتياز وبكل ما تحمله الكلمة من معنى.

نعم، لقد كان التنظيم النافذة التي رأى من خلالها العالم الناطق الرسمي باسمه، الذي يدلي بالتصريحات باللغتين الإنجليزية والفرنسية، فضلًا عن لغته الأم العربية. وكان غسان القيادي في التنظيم الذي أشرف على صياغة الاستراتيجية السياسية والتنظيمية لتنظيمه، التي تشرح في جوهرها أهمية التسلّح بالفكر السياسي في الحزب الثوري.

تعلّمت في مدرسة غسان أن الأمور تُقاس من خلال الأثر الذي تُحدثه، يعني مثلًا؛ قد تجد عشرات الكتّاب الذي يبرعون في صفّ الكلمات، لكن يكاد الأثر الذي تُحدثه كلماتهم يؤول إلى الصفر. وبالمقابل، قد تجد كاتبًا يُصنّف كونه لواءً فكريًا مسلحًا، ويُغتال بتفجير سيارته في ظروف غامضة!

لكن ما المهم في ثنائية الفكر والتنظيم؟ تُعلمنا مدرسة غسان أن الفكر بدون فعل يبقى حبرًا على ورق، وأن الفعل بدون فكر يكون فعلًا عشوائيًا ولا يُكتب له الاستمراية. وفي هذا السياق، يوصينا غسان في “قرار موجز”: ليس المهم أن يموت أحدنا، المهم أن تستمروا. فالاستمرارية شرط أساسي من شروط المواجهة، وتُجسّد جوهر الالتزام بالنضال التحرري، ونحن نعلم جيدًا أن تحقيق الهدف يكون بمراكمة الأثر، الذي سيدفع بالضرورة إلى تحقيق السيرورة الثورية. وهذا بالطبع ما لا يتحقق إلا بالاستمرارية والالتزام.

تطرح الاستراتيجية السياسية والتنظيمية سؤالًا: ما معنى أن نقاتل بدون فكر سياسي؟ وتًجيب: “معنى ذلك أن نقاتل بشكل مرتجل، وأن نقع في أخطاء دون أن نعي خطورتها وطريقة معالجتها، وأن تتحدد مواقفنا السياسية بشكل عفوي دون وضوح الرؤية، وينتج عن ذلك عادة تعدد في المواقف، وتعدد المواقف معناه تبعثر في القوى، وتشتيت لها، فتكون النتيجة أن تتوزع قوى شعبنا الثورية في أكثر من طريق بدلًا من أن تصب كلها في طريق واحد لتشكل قوة متراصة واحدة. إننا نريد أن نحذر من خطورة الاستخفاف بهذا الأمر. إن بين مقاتلينا وقواعدنا تيارًا يخلط بين الفكر السياسي الثوري وبين عملية”الدجل السياسي” التي مثلتها بعض”القوى السياسية”، وبعض”القادة السياسيين”. إن هذا التيار يخلط بين الفكر السياسي الثوري وبين الأساليب السياسية البالية التي اتبعتها الحركة الوطنية الفلسطينية قبل إستراتيجية الكفاح المسلـ.ـح، كما أن هذا التيار يخلط كذلك بين الفكر السياسي وعملية”الفذلكة الكلامية” المعقدة التي يمثلها بعض المثقفين في مناقشاتهم لقضايا الثورة. ونتيجة لكل ذلك يحاول هذا التيار ان يستخف بالفكر السياسي أو يزدري به. ولابد من عملية تصحيح جذرية نقوم بها هنا. إن الفكر السياسي الثوري هو الذي يفضح”الدجل السياسي” وهو الذي يجعل قناعتنا بالكفاح المسلـ.ـح قناعة راسخة، وهو الذي يعري أمام الجماهير سخافة الفذلكة الكلامية التي تعقد قضايا الثورة بدلًا من أن تكون سلاحًا بيدها”.

أما عن شخصية غسان التنظيمية وتطوّرها، فأجد الوصف الأمثل الذي ينطبق عليها، هو ما وصف به أحمد قطامش شخصية كنعان في تقديمه لرواية الأقانيم الثلاثة لوسام رفيدي، قائلًا: “إن الخيار الجدي والجدي جدًا يعطيك بقدر ما تعطيه، يطهر النفس وينبذ درناتها ويصلب التكوين الداخلي ويصيره صقيلًا متفولذًا، ويعيد صياغة صاحبه على نحو أفضل وأرقى ويفتح له البوابات على مصاريعها للاضطلاع بدور بناء مضاعف، بل مضاعف مرات، ويكاد يشطب الفراغات في ذرة الثوري مستبقيًا على نويته الصلبة… فالصفات الثورية كائن حي ينمو، تبدأ متعثرة، متلعثمة، لجوجة، يغلب عليها (الأنا) والتردد واللجلجة والتبرم، غير أن نار الممارسة وخبرة الزمن وفعل الفكر الثوري والأجواء الجماعية بما تكتنفه من قوة مثال متكررة تنهض بها إلى مستويات متقدمة من الوعي والتصميم والثبات على المبدأ والاندماج في (النحن) واكتساب مهارات العمل والطباع الصلبة وكل ما يلزم مؤونة للمسيرة الثورية، وهذا هو الجوهري العام الذي يبلغه الخاص كل بطريقته الخاصة. والاحتراف الثوري حينما يكرس المرء نفسه بجماع شخصيته وكامل جوارحه في سبيل قناعاته ومبادئه… ويجيء كنعان كطراز بديل، وثاب، متوقد ومتحرر من غبار وعطن الذاتية والشكلانية”.

نعم، هكذا أفهم غسان، وترسّخ هذا الفهم أكثر ما بعد السابع من أكتوبـ.ـر، بعدما شهد العالم بأسره النتيجة التي حققتها مراكمة العمل التنظيمي لسنوات. هكذا أقرأ غسان متسلحًا بإرادة التحرير، التي يراها “ليست سوى النتاج الطبيعي والمنطقي والحتمي للمقـ.ـاومة بمعناها الواسع؛ المقاومـ.ـة على صعيد الرفض، وعلى صعيد التمسك الصلب بالجذور والمواقف. ومثل هذا النوع من المقاومـ.ـة يتخذ شكله الرائد في العمل السياسي والعمل الثقافي..”.

لذلك، أقف اليوم في ذكرى غسان المعلم، أنا الطالب في مدرسته، ملتزمًا أكثر من أي وقت مضى، متسلحًا بالفكر السياسي وإرث غسان، مجددًا الدعوة للاستمرار في المواجهة الجمعية حتى نجني ثمار جنتنا في أرضنا المحررة.

فارس فايز | كاتب فلسطيني

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *