تقرير خاص “جمهورية فلسطين”
تتجدد ذكرى استشهاد القائد الوطني مصطفى الزبري (أبو علي مصطفى) لتسلط الضوء على نموذج قيادي فريد فارق الساحة السياسية، لكنه ترك خلفه إرثاً نضالياً عصياً على التغييب. لم يكن أبو علي مصطفى مجرد أمين عام لتنظيم سياسي، بل كان معلماً ومهندساً للعمل التنظيمي والتكتيكي، ورائداً في تكريس مفهوم القيادة الميدانية المباشرة والالتصاق بالشارع، ممثلاً خطاً صلباً جمع فيه بين التنظير الثوري والعمل الميداني المنظم.
ولد مصطفى علي العلي الزبري عام 1938 في بلدة عرّابة قضاء جنين، ونشأ في أسرة كادحة؛ حيث كان والده مزارعاً وعمل في سكة حديد حيفا ومينائها، وكان من المشاركين في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936. انتقل إلى عمّان عام 1950 وأكمل دراسته، وهناك بدأ وعيه السياسي بالتشكل الحقيقي حين انتسب إلى حركة القوميين العرب عام 1955. تعرض للاعتقال في الأردن عام 1957 لعدة سنوات بسبب نشاطه الحزبي، وعقب الإفراج عنه التحق بدورة تدريبية عسكرية لتخريج الضباط الفدائيين في مدرسة “أنشاص” بمصر عام 1965. وعقب هزيمة حزيران 1967، شارك رفيق دربه الدكتور جورج حبش في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لتكون هذه الخطوة بمثابة المحطة الأبرز في مسيرته الكفاحية.
عدنا لنقاوم لا لنساوم.. وجودنا بين أهلنا وشعبنا هدفه تثبيت الحقوق والمواجهة المباشرة

شكلت عودة أبو علي مصطفى إلى أرض الوطن في سبتمبر عام 1999 تحولاً مفصلياً في التاريخ الفلسطيني الحديث، إذ خاضت القيادة نقاشات واسعة قبل هذه الخطوة. لم تكن عودته اعترافاً باتفاقيات أوسلو التي عارضها بصلابة، بل كانت إعادة تموضع للمقاومة من الداخل. وصاغ فور وصوله مقولته الشهيرة “عدنا لنقاوم لا لنساوم”، ليؤكد أن وجوده بين أهله وشعبه هدفه تثبيت الحقوق والمواجهة المباشرة. وفي المؤتمر الوطني السادس للجبهة عام 2000، خلف الدكتور جورج حبش في الأمانة العامة، ليقود الجبهة في مرحلة دقيقة، ويعيد ترتيب صفوفها العسكرية والسياسية، ومؤسساً للنواة الأولى للعمل المقاوم المسلح مع بداية انتفاضة الأقصى.
تمتّع أبو علي مصطفى برؤية استراتيجية واضحة حول إدارة التناقضات الداخلية، واعتبر أن الوحدة الوطنية هي صمام الأمان لأي مشروع تحرري. عمل على بناء أسس الشراكة الجبهوية مع كافة القوى الوطنية والإسلامية دون إقصاء، عبر التمسك ببرنامج الحد الأدنى المشترك. وناهض بصلابة أي شكل من أشكال الاقتتال الداخلي أو الصراع على السلطة، مؤكداً باستمرار أن الجماهير هي الصخرة الصلبة التي تتحطم عليها كل المؤامرات. كما نادى بإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية على أصل تمثيلي وشامل يُعيد لها دورها الكفاحي الجامع؛ وهو النهج الذي تتجدد الدعوة إليه اليوم عبر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من خلال إطلاق حوار وطني شامل يجمع الأمناء العامين لإعادة ترتيب البيت الداخلي لمواجهة مخططات التهجير والتصفية.

الجماهير هي الصخرة الصلبة التي تتحطم عليها كل المؤامرات والرهانات المشبوهة
في صباح يوم الإثنين السابع والعشرين من أغسطس عام 2001، استهدفت مروحيات الاحتلال بصاروخين مكتبه في مدينة البيرة برام الله، ليستشهد كأول قائد سياسي من الصف الأول يُغتال خلال انتفاضة الأقصى وهو بين أوراقه ومسؤولياته الميدانية. أراد الاحتلال عبر هذه العملية توجيه ضربة قاسية للبنية التنظيمية وللخط السياسي المباشر، ظناً منه أن استهداف الأمين العام سيحدث حالة من الانكسار. لكن خَلَفَه في الأمانة العامة القائد أحمد سعدات “أبو غسان”، وقررت الجبهة إطلاق اسم “كتائب الشهيد أبو علي مصطفى” على جناحها العسكري تخليداً لذكراه، وفي السابع عشر من أكتوبر عام 2001 نفذت الكتائب قرار الرد الاستراتيجي عبر عملية “الثأر المقدس” باغتيال وزير السياحة الصهيوني رحبعام زئيفي في سابقة تاريخية صاغت ميزان ردع جديد.

رحل أبو علي مصطفى جسداً، لكنه أورث الثورة نهجاً متكاملاً ينحاز للانضباط، النقاء النضالي، والالتحام المباشر بالشارع. لقد أثبت عبر مسيرته الحافلة أن القيادة ليست مناصب أو ألقاباً، بل هي موقف مبدئي واستعداد دائم لتقديم التضحيات في سبيل كرامة وحرية شعب فلسطين، لتظل وصيته بوصلة حية في مواجهة حافلة بالتحديات والمحطات المصيرية.





