تعرف أوروبا منذ سنوات صعوداً لقوى سياسية محسوبة على فكر اليمين المتطرف، وهو ما أفرزته الانتخابات خلال السنوات العشر الماضية، ولا شك أن هذه القوى المتطرفة، التي تمثل خطراً حقيقياً على الديمقراطية الأوروبية، تستثمر في الأزمة الاقتصادية التي تشهدها أوروبا بسبب تبنيها سياسات تبعية للولايات المتحدة واستراتيجيتها الكونية.
حدث ذلك في إيطاليا والسويد وهنغاريا، وكذلك في هولندا، والآن أصبحت كل من فرنسا وألمانيا مرشحتين لصعود اليمين المتطرف فيهما، وصحيح أن هذه الأحزاب لم تصل بعد إلى الفوز بأغلبية مقاعد البرلمانات في دولها، إلا أنها مضطرة لبناء تحالفات مع قوى أخرى أضعف منها، أو الذهاب إلى المعارضة والانتظار لانتخابات قادمة.
ويُعتبر المثال الألماني، مع صعود “حزب البديل”، ناقوس خطر حقيقي؛ نظراً لتجربة ألمانيا المدوية مع الحزب النازي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وما جرى في الحرب العالمية الثانية من دمار وقتل للملايين. وهو ما يدفع جميع الديمقراطيين والمتمسكين بحقوق الإنسان وسلطة الدولة المدنية كمرجعية لوحدة القوانين واحترام المواطنة للجميع، إلى الشعور بأهمية مواجهة هذا التحدي، لما يحمله من مخاطر قد تؤدي إلى تراجع خطير في تطبيق الديمقراطية وتبني قوانين تلغي جوهرها.
نعم، الخطر ماثل أمام أعيننا، وأمثلة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا تفرض على الجميع دراسة وتقييم الدوافع الحقيقية التي تدفع الكثير من الناخبين لتفضيل أحزاب خطيرة في أطروحاتها، رغم قدرتها على إخفاء أهدافها الكامنة في أيديولوجياتها وفكرها السياسي.
في الانتخابات القادمة، ربما لم يحن الوقت بعد للحزب القومي (الجبهة الوطنية سابقاً) في فرنسا ولحزب البديل الألماني للوصول إلى حكم بلادهم لعدم قدرتهم على تحقيق الأغلبية المطلقة في البرلمانات، لكن هذا لا يمنع من أن الطريق أمام هذه القوى بات مفتوحاً، وقد تصل —ولو بعد حين— للحكم بمفردها أو بالتحالف مع أحزاب صغيرة لا ترى مانعاً من الدخول في مثل هذه التحالفات والقبول بسياسات يمينية متطرفة.
أما عن أسباب هذه التحولات الخطيرة على الديمقراطيات الأوروبية، فأعتقد أن هناك مجموعة من العوامل، منها ما هو موضوعي ومنها ما هو مرتبط بالخيارات السياسية والاقتصادية لهذه الدول، وأستطيع تلخيصها في النقاط التالية:
أولاً: التحول الاقتصادي العالمي وبروز قوى جديدة، حيث بدأت هذه القوى تحجز مكانها في المنظومة الاقتصادية العالمية، مثل الصين والهند والبرازيل ودول أخرى؛ فعندما انتهت الحرب العالمية الثانية، كان الاقتصاد الأمريكي يعادل 40% من الاقتصاد العالمي، أما الآن فنحن على عتبة وصول الصين تحتل المركز الأول عالمياً، في حين يُنتج تكتل “بريكس” ما نسبته 34% من الاقتصاد العالمي. في المقابل، شهدت الدول الأوروبية تراجعاً كبيراً، ورغم أن مجموعة دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة ما زالت تُعد إحدى المجموعات الاقتصادية المهمة في العالم، إلا أنها تسير في مسار تراجعي.
ثانياً: التبعية السياسية للدول الأوروبية تجاه السياسات الأمريكية، وانعكس ذلك بوضوح على الميادين الاقتصادية؛ فالموقف الأوروبي الداعم لأوكرانيا والمناوئ لروسيا أضر كثيراً بالمصالح الاقتصادية الأوروبية؛ فمنذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية، شهدت فاتورة المشتريات الأوروبية من الطاقة (البترول والغاز) ارتفاعاً كبيراً، مما انعكس على تكاليف الإنتاج في المصانع الأوروبية، وأضعف قدرتها المنافسة أمام قوى اقتصادية أخرى كالصين والهند، وتسبب في إغلاق الآلاف من المصانع.. هذه التبعية وما ترتب عليها من أضرار اقتصادية بدأت تستغلها أحزاب اليمين المتطرف، وهو ما نلاحظه في ألمانيا وفرنسا، حيث تطالب هذه الأحزاب بإعادة النظر في العلاقة مع روسيا وبنائها وفق لغة المصالح.
ثالثاً: صعود أحزاب اليمين المحافظ وتبسيط أسباب الأزمة، حيث صعدت أحزاب اليمين المحافظ ووصلت تقريباً إلى السلطة في غالبية الدول الأوروبية، وانعكس ذلك على هيمنة ثقافة تُبسط أسباب الأزمة الاقتصادية، وتُروج لأن السبب الرئيسي مرتبط بسياسة هذه الدول تجاه الأجانب، وهنا نرى صعوداً للغة مناهضة للأجانب ومطالبة بإعادة النظر في القوانين والسياسات القائمة، حيث تطالب أحزاب اليمين المتطرف بطرد الأجانب، سواء كانوا لاجئين أو عاطلين عن العمل، وإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، إن لغة تحميل الأجانب مسؤولية الأزمة بدأت تتسلل إلى خطاب اليمين المحافظ واليمين الليبرالي أيضاً، مما يدفع الناخب غير السياسوي إلى اختيار “النسخة الأصلية” (اليمين المتطرف) بدلاً من الأحزاب المقلدة.
رابعاً: ضعف القوى اليسارية التقليدية، حيث تراجعت الأحزاب الاشتراكية والشيوعية وأحزاب الخضر المدافعة عن البيئة بشكل تصاعدي منذ بداية تسعينيات القرن العشرين، ولا شك أن تفكيك المنظومة الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي لعب دوراً مهماً في تسريع تراجع اليسار التقليدي، وفي المقابل، ظهرت خلال السنوات العشر الماضية قوى يسارية جديدة (اليسار الجديد) في أوروبا، حيث يلعب البعد الأيديولوجي فيها دوراً أقل، مع التركيز على منظومة قيم مثل العدالة الاجتماعية، المساواة، المواطنة، والدولة المدنية. بدأت هذه الظاهرة في الظهور في إسبانيا وفرنسا وألمانيا، ولكن لكي نكون دقيقين، لم تصل هذه القوى الصاعدة لليسار الجديد بعد إلى مستوى يوازي قوة اليمين المتطرف واليمين القومي المحافظ.
إن هذه العوامل تفكك برأيي أسباب بروز قوى اليمين المتطرف في الدول الأوروبية، وهو البروز الذي يهدد بخطر وصولها إلى سدة الحكم وتبنيها لقوانين تضرب القواعد المؤسسة للدولة الديمقراطية، وعندها، ستكتشف الفئات الشعبية خطأ خياراتها الانتخابية، ناهيك عن مخاطر صعود لغة التصادم بين الدول الأوروبية كما حدث في المرحلة التي أدت إلى نشوب الحرب العالمية الثانية وما جلبته من ويلات على شعوب أوروبا.
حمدان الضميري | ناشط فلسطيني في أوروبا





