غزة لا تغيب عني… إنها تعيش معي، في ذاكرتي، في قلبي، وفي تفاصيل يومي التي قد تبدو للآخرين عادية وبسيطة. صباح اليوم، وأنا أجهز الشكشوكة على الطريقة الغزاوية، توقفت للحظة. رائحة البندورة والبصل والفلفل أعادتني سنوات إلى الوراء، إلى غزة في يناير/كانون الثاني 2010، حين كانت المدينة لا تزال مثخنة بالجراح بعد العدوان الإسرائيلي.
تذكرت الرفيق والصديق الدكتور رباح مهنا، رحمه الله. في ذلك اليوم أعدّ لنا الشكشوكة بنفسه. كانت وجبة بسيطة جداً: بندورة وبيض وبصل وفلفل حاد. لكنني اليوم أدرك أن أجمل الأشياء في الحياة ليست دائماً تلك التي تكلف الكثير؛ أحياناً يكون طبق بسيط، أعدّه صديق بيديه، قادراً على أن يحمل ذاكرة كاملة لا تموت.
كنت يومها مع وفد برلماني أوروبي، وكان بيننا عدد من الأصدقاء من البرلمان البولندي، ومن بينهم الراحلة يولانتا شتشيتشينسكا. كانت شديدة التأثر بما رأته في غزة، وخصوصاً آثار الفوسفور الأبيض التي كانت لا تزال شاهدة على ما تعرض له الناس. أعجبتها الشكشوكة كثيراً، وأصبحت فيما بعد من وجباتها المفضلة. لم تكن تعرف ربما أن ذلك الطبق البسيط سيبقى، بعد سنوات، مرتبطاً في ذاكرتي بوجهها وبغزة وبأيام لن تعود.
اليوم، وأنا أجهز الشكشوكة، لا أستطيع أن أتجاهل المفارقة القاسية. هذه الوجبة التي كانت بسيطة وفي متناول الجميع، أصبح كثير من أهل غزة اليوم لا يملكون حتى القدرة على إعدادها. قد لا يجدون البندورة أو البيض أو الزيت، وقد لا يجدون أصلاً بيتاً آمناً يجلسون فيه حول مائدة صغيرة مع أطفالهم.
والأشد ألماً بالنسبة لي أن كثيراً من الذين التقيتهم في غزة، وجلست معهم وتحدثت إليهم وضحكت معهم، لم يعودوا موجودين اليوم. رحلوا نتيجة هذا العدوان الإسرائيلي الظالم. بقيت وجوههم في ذاكرتي، وبقيت أصواتهم وكلماتهم وتفاصيل صغيرة ربما لم أكن أعرف وقتها أنها ستصبح يوماً آخر ما تبقى منهم.
لهذا، غزة بالنسبة لي ليست خبراً أقرأه، ولا قضية أكتب عنها فقط، ولا مكاناً زرته ثم غادرته. غزة جزء من حياتي. تسكن في ذاكرتي، وتظهر لي أحياناً في رائحة طبق، أو في وجه صديق، أو في لحظة صمت أمام نافذة.
ورغم كل هذا الخراب، ورغم البيوت التي هُدمت والأحبة الذين رحلوا، ما زالت غزة تجمع حولها أحرار العالم. حاولوا أن يقتلوا فيها الحياة، لكنهم لم يستطيعوا قتل روحها. سيأتي اليوم الذي تعود فيه الحياة إلى شوارعها، وتعود الضحكة إلى أطفالها، وتعود الموائد إلى بيوتها… وربما تعود الشكشوكة أيضاً إلى مائدة عائلة غزاوية، تُحضّر كما كانت دائماً، ببساطة ومحبة.
رحم الله من رحلوا من غزة… لن ننساهم. هدموا غزة، لكنهم لم يهزموا روحها. غزة لا تموت… غزة ستنهض، وستعود.


عمر فارس | ناشط سياسي

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *