​برلين – خاص “جمهورية فلسطين”

​حين تنبض العواصم البعيدة بوجع فلسطين، تتراجع المسافات أمام قضية لا تحدّها الجغرافيا، ولا تستطيع السنوات أن تنتزعها من ذاكرة الشعوب، وفي برلين، حيث تتقاطع الروايات السياسية مع أصوات الشارع، عادت فلسطين إلى واجهة المشهد من خلال مظاهرة حاشدة خرجت في 24/10/2026م بدعوة من اللجنة الوطنية الفلسطينية الموحدة في برلين، في تحرك يعبّر عن تصاعد الحضور الشعبي الداعم للقضية الفلسطينية، وعن رفض محاولات طمس الحقيقة وتغييب صوت الميدان عن الساحة الأوروبية.

​لم تكن المسيرة، في دلالاتها السياسية، مجرد تجمع عابر في شوارع المدينة، بل جاءت تعبيرًا عن موقف يرى أن التضامن مع فلسطين أبعد ما يكون عن البيانات الموسمية، بل هو فعل نضالي متواصل يضع معاناة الشعب الفلسطيني وحقه المشروع في صدارة المواجهة؛ فخلف الشعارات التي حملها المتظاهرون، تقف قضية شعب يواصل التمسك بحقه الجذري في التحرير وتقرير المصير، في مواجهة حرب إبادة استعمارية لا تستثني أحداً.

​وفي قلب هذا المشهد، تظل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي انطلقت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما رافقها من دمار همجي ومجازر مروعة، الشاهد الأبرز على طبيعة هذا الاحتلال الإبادي، والدافع الأساسي لكل التحركات الشعبية المطالبة بوقف العدوان وحماية المدنيين ومحاكمة مجرمي الحرب. وأمام هول المأساة الإنسانية، تسقط كل الرهانات على ما يُسمى بـ “المجتمع الدولي”، لتتجدد الإدانة الصارخة لصمت مؤسساته وعجزها المتعمد عن كبح جماح الإبادة، وفضح تورطها الضمني في توفير الغطاء السياسي للاحتلال.

​فأي عدالة وحرية يمكن أن تستقيم من دون ضمان حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه المحتلة، وأي حديث عن الإنصاف يكتسب معناه إذا بقيت حياة المدنيين وأمنهم وكرامتهم عرضة للانتهاك؟ إن التفوق العسكري لا يمنح صاحبه حق تجاوز القانون، كما أن امتلاك أدوات التأثير السياسي والإعلامي لا يستطيع وحده حسم الصراع على الرواية أو محو تجربة شعب يتمسك بحقه في أرضه وحريته. ومن هنا، فإن إنهاء الاحتلال، وضمان المساءلة القانونية عن الجرائم والانتهاكات، ليست مطالب هامشية يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى، بل قضايا ترتبط مباشرةً بمسار التحرر الوطني والعدالة الناجزة وكنس الاحتلال من جذوره.

​ولا ينفصل الحراك في برلين عن اتساع أشكال التضامن الأممي مع فلسطين في عواصم ومدن أوروبا، حيث برزت تحركات جماهيرية شارك فيها أبناء الجاليات، والأحرار والأمميون من الأوروبيين، والطلاب والنقابات، والناشطون الحقوقيون. ويكتسب هذا الحضور أهمية مضاعفة حين يخرج التضامن من الدوائر الضيقة ليصطدم بالسياسات الرسمية المتورطة، فاضحاً ازدواجية المعايير ومسقطاً التبريرات التي تبيح دماء الشعوب لقاء المصالح الاستعمارية.

​فالتضامن الحقيقي لا يُقاس بعدد الحشود وحدها، بل بقدرته على الاستمرار، وبمواجهته لسياسة التطبيع والاعتياد على الألم، ورفضه أن تتحول المأساة الإنسانية الفلسطينية إلى أرقام عابرة في نشرات الأخبار.
وفي قلب هذا الطوفان المتواصل، تثبت اللجنة الوطنية الفلسطينية الموحدة في برلين أنها أكثر من مجرد جهة داعية؛ فهي الطليعة التنظيمية التي أسست لنموذج عمل مستدام، وتتولى تنظيم الصفوف، وتوحيد الطاقات، وكسر جدار الصمت في الشارع الألماني بجهد دؤوب لا يلين في مواجهة شراسة الدعاية الصهيونية والقيود الأوروبية.

​ومن هنا، فإن قيمة العمل الوطني المنظم الذي تقوده اللجنة لا تكمن في إطلاق الدعوات إلى التظاهر فحسب، بل في بناء حضور قادر على البقاء والتأثير، وتوسيع دائرة الاشتباك، وربط التحركات اليومية بالأهداف الاستراتيجية الكبرى. وإذا كانت المسيرات تمنح التضامن صوتاً مسموعاً في الشارع، فإن هذه الاستمرارية وهذا الزخم يعودان بالأساس إلى دقة تنظيم اللجنة، ووضوح بوصلتها، وقدرتها الفذة على تحويل لحظات الغضب إلى فعل كفاحي منظّم.

​ومن غزة التي تمرغ أنف الغزاة بالصمود، إلى برلين التي تهز شوارعها هتافات الأحرار بصوت وجهد اللجنة الوطنية ومسيراتها الدورية، تتواصل معركة الوعي جنباً إلى جنب مع معركة البندقية والحجر. إنها معركة الرواية، وحق الإنسان الفلسطيني في أن يكون سيّد أرضه لا مجرد رقم في سجلات الضحايا، ومظاهرة برلين ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من النضال المستمر الذي ترعاه وتنظمه طاقات واعية، مؤكدة أن الإرادة الحرة والعمل المنظم هما السلاح الذي لا يسقط بالتقادم.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *