بقلم | مروان عبد العال – كاتب فلسطيني وعضو المكتب السياسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
يوسف حبش، أو حبش هكذا كنتُ أناديك، يا كائنًا جميلاً ولا تكفيه صفة. ولعلّها مفارقة موجعة أن يتزامن غيابك مع هذا الموسم المثقل بالموت، فيما كنّا نظنّ أن في العمر متّسعًا لمزيد من اللقاءات والأحاديث. لم أكن أعرف أن بعض ما تركناه للغد سيغدو كلامًا لن يُقال.
كان قلبك ممتلئًا بفلسطين، لا بوصفها قضيةً تحملها إلى العالم، بل حياةً تسكنك، ووجوهًا لأبطالها وشهدائها وأسراها وحكيمها “جورج حبش” لا تغيب عن ذاكرتك، وامتدادًا إنسانيًا جاء من سرية رام الله إلى منابر العالم، ومن فرنسا وبلجيكا إلى تونس وبيروت وبورتو أليغري وكوبا. وكانت فلسطينك أيضًا في المخيم، من شاتيلا إلى عين الحلوة؛ هناك، حيث يتعانق الوجع والناس، وتتشابك الحكايات والذاكرة، وحيث ظلّت غزة الجريحة،النازفة، بوجعها ودمها وأهلها، جزءًا منك، تحملها في قلبك وتمضي بها أينما ذهبت.
كنتَ تبحث في العالم عن أولئك الذين حاصرتهم كانتونات الفقر، وعن الذين دفعتهم الحياة إلى حوافي الجغرافيا. كنتَ تمضي نحوهم كأنك تفتح لهم نافذةً على صباحٍ ممكن، ووجهٍ آخر للحياة، تفضي إليه بواباتٌ شتّى. كنتَ تؤمن، ببساطتك ونبلك، أن العالم يمكن أن يكون أكثر إنسانية، وأن الحبّ لا يفقد قدرته على الانتصار.
سأذكرك بتواضعك ودماثة خُلُقك، بدهشتك الجميلة، وبذلك الحب الذي لم تُطفئه الحروب. سأذكرك في كلماتك ورسائلك المؤجلة، وفي حضورك بين وفود التضامن الأممية، وفي كل ما جعل منك إنسانًا يرى في النضال وفاءً للناس، وفي التضامن صلةً لا تحدّها المسافات.
أستعيد لقاءنا الأخير، والحديث الذي دار بيننا عن غياب الشاعر إسكندر حبش، ذلك الغياب الذي فاجأنا وأوجعنا. يومها، لم نكن نعرف أن الموت يخبّئ لنا مفاجأةً أخرى، وأنني سأعود إلى الحديث نفسه، لكن هذه المرّة لأتساءل بوجع: لماذا تفاجئنا أنت أيضًا يا يوسف؟ كيف صار لقاؤنا الأخير ذكرى بهذه السرعة، وكيف تركنا للغد أحاديث لم نكن نتصوّر أنها لن تُقال؟
أيُّ قلبٍ توقّف عن الخفقان، وكان يتّسع لكلّ هذا الحبّ؟ سأظلّ أراك في بيروت التي أحببت، وفي الرفاق، وفي طُهر الأرض التي حملتَ وجعها معك، وحملتَ منها زيت زيتونها المقدّس، المشبع بحكايات ثورات الفلاحين، والممتدّ رمزيًا إلى خلاص المسيح وطريق آلامه؛ كأنّك كنت تهدي أحبّاءك شيئًا من قداسة هذه الأرض، ومن صبرها على الجراح. وسأظلّ أناديك كما كنتُ أناديك، كأنّ في الصوت بقيةً من حضورك، وكأنّ النداء وحده يستطيع أن يُبقيك قريبًا.
لروحك السلام ولك المجد، وفي القلب مكانٌ لا يملؤه أحد.
مروان عبد العال Marwan Al





