بقلم: عمر فارس – “جمهورية فلسطين”

شجرة زيتون تُقتلع. مزارع يُمنع من الوصول إلى أرضه. عائلة تُهجَّر من خيمتها. وبيت يُهدم بذريعة لا تُقنع أحدًا.

هكذا تبدو الحياة اليومية لكثير من الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، أرض صار الخوف فيها جزءًا من الصباح، والاعتداء فيها خبرًا عاديًا يُقرأ ويُتجاوز. فما يجري هناك ليس موجة عابرة من الاعتداءات الفردية، ولا سلسلة أحداث أمنية منفصلة عن سياقها. إنه منظومة متكاملة يقودها المجرم بنيامين نتنياهو: توسع استيطاني، وعنف مستوطنين إرهابيين، وإجراءات عسكرية، وقيود خانقة على الحركة والأرض والرزق. منظومة تعمل معًا لتغيير الواقع على الأرض، لا لردع أحد.

ولفهم ما يحدث، لا بد من النظر إلى سياسة حكومة نتنياهو، وإلى الدور الذي يلعبه اليمين القومي والديني المتطرف في إعادة رسم مستقبل الضفة الغربية.

من الاعتداء الفردي إلى هندسة الوقائع

منذ تشكيل حكومة نتنياهو الحالية نهاية عام 2022، تعزز نفوذ تيارات ترى في الضفة الغربية جزءًا من المجال الذي ينبغي إخضاعه للسيادة الإسرائيلية، وترفض قيام دولة فلسطينية مستقلة. والاستيطان في هذا السياق لم يعد قضية توسيع تجمعات سكانية، بل أصبح وسيلة لتغيير الوقائع الجغرافية والديموغرافية، وتقطيع التواصل بين التجمعات الفلسطينية، وإحكام السيطرة على الأرض والموارد.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى تسارع التوسع الاستيطاني وتصاعد عمليات تهجير الفلسطينيين، بالتزامن مع تزايد عنف المستوطنين الإرهابيين والقوات الإسرائيلية. وقد خلص تقرير لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، نشر في مارس 2026، إلى أن السلطات الإسرائيلية أسهمت في توجيه عنف المستوطنين أو المشاركة فيه أو تمكينه، وأن الإفلات المستمر من العقاب ساهم في تشجيع الاعتداءات ومفاقمة آثارها على المجتمعات الفلسطينية.

عنف المستوطنين الإرهابيين: أداة ضغط وتهجير

خطورة اعتداءات المستوطنين الإرهابيين أنها لا تقتصر على إلحاق الأذى الجسدي بالفلسطينيين أو تدمير ممتلكاتهم، بل تصيب قدرتهم على البقاء في أرضهم. فعندما يُعتدى على المزارع أثناء جني الزيتون، أو تُحرق ممتلكات عائلة، أو تُسرق المواشي، أو يُمنع السكان من الوصول إلى حقولهم، فإن الضرر يتجاوز الحادثة نفسها ليصيب مصدر الرزق والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع بأكمله.

وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تتكرر دون محاسبة فعالة، أو عندما تحدث بالقرب من القوات الإسرائيلية التي لا تتدخل لحماية السكان، أو تفرض قيودًا إضافية على أصحاب الأرض. وفي مثل هذه الحالات، يصبح العنف عاملًا يهيئ بيئة قسرية تدفع السكان إلى الرحيل، حتى دون صدور قرار رسمي بإخلاء قراهم.

فهل يمكن أن تُحرق شجرة زيتون عمرها مئات السنين، ويُمنع صاحبها من الوصول إلى أرضه، ثم يُقال إن هذا حادث فردي معزول؟ وهل يمكن أن تتكرر اعتداءات المستوطنين الإرهابيين عامًا بعد عام دون محاسبة، ثم يُنتظر من الناس أن يبقوا صامتين؟

ووفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في 22 أكتوبر 2026، سُجّل منذ بداية العام 2,159 هجومًا للمستوطنين أدى إلى إصابات فلسطينية أو أضرار بالممتلكات، بمعدل 7.4 هجمات يوميًا. كما وثّق التقرير 272 اعتداءً مرتبطًا بموسم قطف الزيتون بين الأول من سبتمبر و19 أكتوبر، أسفرت عن إصابة 200 فلسطيني وإلحاق الضرر بأكثر من 3,200 شجرة زيتون وشتلة.

هذه الأرقام لا تصف فقط ارتفاعًا في مستوى العنف؛ إنها تكشف اختراقه للحياة اليومية للفلسطينيين، وعلاقتهم بأرضهم، وقدرتهم على الزراعة والعمل والعيش بأمان.

نتنياهو واليمين المتطرف: تناقض ظاهري أم تكامل سياسي؟

تضم الحكومة الإسرائيلية تيارات سياسية تختلف أحيانًا في حساباتها وتكتيكاتها، لكنها تتقاطع في دعم جوانب أساسية من المشروع الاستيطاني. ويمنح نفوذ اليمين القومي والديني المتطرف المستوطنين الإرهابيين قوة سياسية أكبر، في وقت تتسع فيه الإجراءات الإدارية والأمنية التي تعزز السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

لا يعني ذلك أن كل اعتداء يرتكبه مستوطن يصدر بأمر مباشر من مكتب رئيس الحكومة، ولا أن جميع المؤسسات الإسرائيلية تتصرف بالطريقة نفسها. لكن المسؤولية السياسية لا تقتصر على إصدار الأوامر؛ إنها تشمل أيضًا السياسات التي تسمح باستمرار الاعتداءات، ومدى جدية التحقيق فيها، ومحاسبة مرتكبيها، وتوفير الحماية للضحايا. وهي مسؤولية تتحملها حكومة المجرم نتنياهو أولًا وأخيرًا.

ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لسياسة الحكومة ليس في بيانات الإدانة التي قد تصدر بعد حادثة معينة، بل في ما إذا كانت تتخذ إجراءات فعالة لمنع تكرارها، وفي ما إذا كان المستوطنون الإرهابيون المسلحون يخضعون للقانون نفسه الذي يُطبَّق على غيرهم.

فهل تُدان حادثة، ثم تُنسى؟ وهل يُحقق في اعتداء، ثم يُغلق الملف دون محاسبة؟ وهل يُطلب من الضحية أن يثق بقانون يُطبَّق على الجميع إلا من اعتدى عليه؟

جيش الاحتلال بين السيطرة العسكرية وحماية المستوطنين الإرهابيين

يشكل الدور الذي تؤديه القوات الإسرائيلية عنصرًا مركزيًا في فهم ما يحدث. فالقوات التي تفرض القيود على حركة الفلسطينيين، وتنفذ الاقتحامات والاعتقالات، وتتحكم في الوصول إلى مساحات واسعة من الأرض، تتحمل أيضًا مسؤولية حماية السكان الفلسطينيين بصفتها قوات تابعة لدولة قائمة بالاحتلال، وفق التزامات القانون الدولي.

وتوثق تقارير الأمم المتحدة حوادث ترافقت فيها اعتداءات المستوطنين الإرهابيين مع وجود القوات الإسرائيلية، بما في ذلك حالات مُنع فيها المزارعون الفلسطينيون من الوصول إلى أراضيهم، أو تعرضوا لإجراءات أمنية ضدهم بعد الاعتداء عليهم. وهذا يثير تساؤلات جدية حول الحياد في تطبيق القانون، ومدى حماية الفلسطينيين من العنف.

ولا يجوز الخلط بين مسؤولية الدولة عن سياساتها وممارسات مؤسساتها وبين مسؤولية كل جندي عن كل حادثة؛ فكل واقعة تحتاج إلى تحقيق في ظروفها وأدلتها. لكن تكرار الانتهاكات، واتساع نطاقها، وغياب المحاسبة الفعالة، كلها عوامل تستوجب فحصًا جديًا للمسؤولية المؤسسية والسياسية، لا الاكتفاء باعتبار كل حادثة استثناءً منفصلًا.

الضم الزاحف وتآكل إمكانية قيام دولة فلسطينيه

تكمن النتيجة السياسية الأخطر في أن هذه التطورات تعمل على تغيير واقع الضفة الغربية تدريجيًا. فالتوسع الاستيطاني، والاستيلاء على الأراضي، وهدم المنازل، وفرض القيود على الحركة والزراعة، وتهجير التجمعات الصغيرة، تؤدي مجتمعة إلى إضعاف التواصل الجغرافي الفلسطيني وتعزيز السيطرة الإسرائيلية الدائمة.

وقد حذرت الأمم المتحدة في سبتمبر 2026 من أن الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تعميق السيطرة الإدارية والإقليمية على الضفة الغربية تزيد مخاطر التوسع الاستيطاني وانتزاع ممتلكات الفلسطينيين، وتقوض فرص التوصل إلى حل الدولتين.

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بعدد المستوطنات أو الاعتداءات المسجلة، بل بطبيعة النظام الذي يتشكل على الأرض: هل يبقى الفلسطيني صاحب حق فعلي في أرضه وموارده ومستقبله السياسي، أم تتحول حياته إلى سلسلة من القيود التي تجعل بقاءه أكثر صعوبة عامًا بعد عام؟

الخلاصة

إن ما يحدث في الضفة الغربية لا يمكن فهمه دون الربط بين العنف الميداني والسياسة الاستيطانية والقرارات الحكومية والإجراءات العسكرية. فالمستوطن الإرهابي الذي يعتدي على المزارع الفلسطيني قد يكون الفاعل المباشر في الحادثة، لكن البيئة السياسية والقانونية التي تسمح بتكرار الاعتداءات دون ردع فعال تطرح مسؤولية أوسع تقع على عاتق حكومة نتنياهو ومؤسساتها.

وفي ظل حكومة المجرم نتنياهو، يزداد القلق من أن تتحول السيطرة الإسرائيلية المتنامية إلى ضم فعلي تدريجي، حتى في غياب إعلان رسمي شامل عن الضم. ولا يمكن فصل ذلك عن مستقبل الفلسطينيين في الضفة الغربية، ولا عن فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

إن إنهاء هذا المسار يتطلب حماية الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين الإرهابيين، وضمان وصولهم إلى أراضيهم، ووقف التوسع الاستيطاني، والتحقيق المستقل في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها. فاستمرار الوضع الراهن لا يحل الصراع، بل يعمق أسبابه، ويجعل التسوية السياسية أكثر صعوبة، ويقوض بصورة متزايدة إمكان تحقيق سلام عادل ودائم.

فالأرض يمكن أن تُسترد، والبيت يمكن أن يُبنى، والشجرة يمكن أن تُغرس من جديد. لكن حين يُقتلع الإنسان من أرضه، وتُمنع عائلته من زيارتها، ويُترك وحده أمام قانون لا يحميه، فإن ما يُهدم ليس جدارًا ولا شاهد قبر، بل حق إنسان في أن يعيش على أرضه، وذكرى جيل في أن يبقى.

والضفة الغربية اليوم اختبار: هل نبقى بشرًا نرى في كل شجرة زيتون تُقتلع حياة كاملة، أم نعتاد الصور حتى تصبح الأرقام عناوين، والأسماء تختفي، والمأساة خبرًا يُقرأ ويُتجاوز؟

بقلم | عمر فارس

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *