بقلم: حمدان الضميري – ناشط فلسطيني

​لطالما سلكت إيران في علاقاتها مع الولايات المتحدة مسار “اتفاقيات المراحل” بهدف تحقيق الاستقرار، إلا أن التجربة أثبتت أن الطرف الأمريكي لا يحترم بنود تلك التوافقات رغم الالتزام الإيراني، وإذا عدنا للوراء، نجد أن اتفاق مجموعة (5+1) عام 2015، الذي جاء بعد جولات مضنية استمرت سنوات، كان يرتكز على ركنين أساسيين: الأول هو ضمان سلمية البرنامج النووي للإستخدامات المدنية فقط، والثاني هو الرفع التدريجي للعقوبات الغربية، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الغربية وفي بنوك دول حليفة لواشنطن مثل كوريا الجنوبية واليابان، ورغم ذلك، جاء انسحاب ترامب الأحادي عام 2018 ليؤكد هشاشة الوعود الأمريكية، وهو ما لم تصححه إدارة بايدن رغم توفر فرص عديدة للعودة للاتفاق.

​من “المفاوضات” إلى “المواجهة المباشرة”

​شهدت العلاقات لاحقاً جولة مفاوضات غير مباشرة جديدة كادت أن تصل لاتفاق، إلا أن الإدارة الأمريكية، بالتنسيق مع الكيان الصهيوني، اختارت مسار التصعيد العسكري في شهر حزيران الماضي عبر توجيه ضربات أسفرت عن اغتيال العديد من القيادات العسكرية الإيرانية، تلك المواجهة، التي استمرت 12 يوماً، أثبتت فيها إيران قدرتها على توجيه ضربات صاروخية مؤلمة في عمق الكيان الصهيوني، مما رسم معادلة ردع جديدة.​

وعلى الرغم من عودة الوساطة العُمانية مؤخراً وتصريحات وزير الخارجية العماني حول تفاهمات مرتبطة باليورانيوم المخصب لدرجة 60%، إلا أنه في الوقت الذي كانت تجري فيه تلك المفاوضات، كانت الحشودات العسكرية الأمريكية تتزايد مع تهديدات بضربات قاصمة تهدف لفرض الاستسلام وتغيير النظام السياسي، بدلاً من الدبلوماسية.​

عدوان 28 شباط: قراءة في الأوهام “الإسرائيلية”​

في الثامن والعشرين من شهر شباط الماضي، بدأ العدوان الأمريكي-الصهيوني باغتيال المرشد الأعلى آية الله علي الخامنئي ونخبة من القيادات العسكرية، جرى هذا العدوان برغبة وإلحاح من “نتنياهو” الذي يسعى منذ عقود لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، بني هذا العدوان على تقديرات استخباراتية خاطئة توهمت أن الهجوم سيكون كاسحاً وسيؤدي لسقوط النظام خلال أيام، عبر المراهنة على انتفاضة شعبية وفوضى داخلية تزعزع بنية الدولة، لكن الواقع أثبت تماسك البنية الداخلية أمام هذا العدوان المستمر.

​الإستراتيجية الإيرانية الجديدة: “الضمانات لا التوقيعات”

​أوصل هذا العدوان الجانب الإيراني إلى حقيقة أن الاتفاقيات المؤقتة و”تسكين الأزمات” لم تعد تصلح، فتم بلورة استراتيجية جديدة تقوم على مطلب أساسي: مفاوضات لإنهاء الحرب نهائياً وإلغاء مسببات العدوان، وهي مطالب محقة تحتاج لموازين قوى تفرضها، وتتوزع هذه المطالب على ثلاثة ملفات سيادية:

• ​الملف السياسي: يتضمن رفعاً كاملاً للعقوبات، والاعتراف بحق إيران في امتلاك مشروع نووي سلمي يضمن لها التخصيب محلياً لدرجة تسمح باستخدام اليورانيوم في إنتاج الكهرباء والمجالات الطبية (بنسبة 20% كما شملها اتفاق 2015)، والأهم، احترام سيادة إيران في علاقاتها الخارجية وحقها في بناء تحالفات مع دول مثل الصين وروسيا ومع حلفائها في المنطقة (حزب الله والحوثيون)، مع إصرار وزير الخارجية عباس عرقجي على ضم ملفات لبنان واليمن في أي مفاوضات للتوصل لاتفاق شامل ونهائي.

• ​الملف الأمني والعسكري: تصر إيران على إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في دول الجوار، حيث يوجد 14 قاعدة أمريكية (جوية وبحرية) محيطة بإيران تمثل تهديداً مستمراً، ورغم أن هذه القواعد خرجت عن العمل بسبب الضربات الصاروخية، إلا أن الشرط الإيراني هو زوالها تماماً من المنطقة كضمانة لعدم تكرار العدوان.

• ​الملف الاقتصادي: رفع العقوبات بشكل كامل، واستعادة كافة الأموال المحتجزة منذ عشرات السنين، وضمان تصدير النفط الإيراني بحرية تامة دون أي قيود أو ملاحقات.​

موازين القوى: “الأوراق الرابحة”

​إن فرض هذه الملفات يتطلب ميزان قوى يجبر الطرف الأمريكي ومن معه على الانصياع لمفاوضات شاملة تشمل جبهات جنوب لبنان واليمن، وتمتلك إيران اليوم أوراقاً استراتيجية ضاغطة:

• ​ورقة الطاقة (النفط والغاز): وهي ورقة مرتبطة بالاقتصاد العالمي وتسبب اهتزازات وتضخماً كارثياً في حال تعطلها.

• ​القدرة الصاروخية المتطورة: التي أثبتت نجاعتها كضمانة لخضوع المعتدي للمفاوضات.

• ​تآكل المظلة الأمريكية: وصول دول الخليج لقناعة بأن القواعد الأمريكية أعجز من حماية نفسها، فكيف ستحمي الدول المستضيفة؟​

خاتماً إننا أمام مشهد جديد، ولن تنتهي هذه المواجهة قريباً؛ فقد تستمر أسابيع أو شهوراً حتى تتضح موازين القوى، المنطقة بحاجة لبناء نظام أمني لمنطقة الخليج يشارك فيه الجميع بضمانات دولية، يحفظ لكل طرف مصالحه واستقراره، وغير ذلك، فإن ملف الصراعات سيستمر حتى يُعاد رسم وجه المنطقة بعيداً عن التهديدات الأحادية.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *