“جمهورية فلسطين” – بقلم | عمر فارس
نشهد منذ سنوات، وبوتيرة متصاعدة، ظاهرة خطيرة في النقاش العام الغربي والعربي المُموَّل، حيث يُسارع البعض إلى اتهام كل من ينتقد سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين بمعاداة السامية أو دعم الإرهاب أو كراهية اليهود، هذه الاتهامات لم تعد مجرد انطباعات عابرة، بل تحولت إلى سلاح منهجي يُستخدم لإسكات أي نقاش جاد حول الاحتلال والاستيطان والحصار المفروض على غزة، ومعاناة شعب بأكمله.
أولاً: التمييز بين نقد السياسات ومعاداة السامية
يجب أن نقول بوضوح وبصوت عالٍ: إن انتقاد سياسات دولة ما لا يعني مهاجمة شعبها أو دينها، فمن حق أي إنسان أن ينتقد سياسات الحكومة الإسرائيلية كما ينتقد سياسات أي حكومة أخرى في العالم، وهذا لا يجعله معادياً للسامية، إن خلط النقد السياسي بالكراهية الدينية هو تزوير متعمد للحقائق، والغرض منه تصفية حسابات سياسية تحت غطاء أخلاقي زائف.
ثانياً: جذور المقاومة: الاحتلال هو العنف الأصلي
لقد عاش الفلسطينيون لعقود طويلة تحت الاحتلال، وعانوا من مصادرة الأراضي، والتهجير القسري، وبناء المستوطنات غير الشرعية، والقيود المفروضة على حريتهم وكرامتهم، ويُظهر التاريخ بوضوح أن الاحتلال يولد المقاومة، وأنه من المستحيل فهم أي حركة مقاومة بمعزل عن الظروف القمعية التي أنتجتها، إن وصف المقاومة بـ”الإرهاب” دون النظر إلى جذورها هو تغطية للاحتلال وتبرير له.
لقد نشأت حركة حماس عام 1987 خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، كرد فعل طبيعي من شريحة واسعة من المجتمع الفلسطيني على واقع الاحتلال المتجذر، وبغض النظر عن المواقف المختلفة من سياساتها أو أساليبها، لا يمكن تجاهل حقيقة أنها جزء من المشهد السياسي والاجتماعي الفلسطيني، وأن ظهورها ارتبط بظروف تاريخية وسياسية محددة من الاحتلال والعنف المنظَّم ضد المدنيين الفلسطينيين.
ثالثاً: فضح الازدواجية الغربية في استخدام مصطلح “الإرهاب”
ومن اللافت للنظر أن بعض الدول الغربية وسياسييها يكثرون من استخدام مصطلح “الإرهاب”، بينما يتجاهلون في الوقت نفسه صفحات مؤلمة من تاريخهم المليء بالحروب الاستعمارية، والإبادة الجماعية، والعنف المنظم. فالتاريخ لا ينسى ما تعرضت له الشعوب الأصلية في الأمريكيتين، ولا ملايين الضحايا في الحروب الاستعمارية في أفريقيا وآسيا، ولا المآسي الإنسانية في فيتنام والعراق وأفغانستان وغيرها، فإذا كان القصف العشوائي للمدن والتجويع والتدمير الممنهج للمجتمعات إرهاباً، فلتُطبَق المعايير ذاتها على الجميع.
رابعاً: الهولوكوست ليس تذكرة مرور للظلم
كما لا يجوز استخدام ذكرى الهولوكوست بصورة انتقائية أو توظيفها كغطاء لإسكات النقاش حول حقوق الفلسطينيين. فالمحرقة النازية التي تعرض لها اليهود في أوروبا كانت واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ البشرية، وينبغي أن تبقى درساً أخلاقياً للإنسانية جمعاء: درساً في ضرورة مقاومة العنصرية والتمييز وحماية حقوق جميع الشعول، لكن استذكار تلك المأساة لا يمكن أن يكون مبرراً لارتكاب مآسي جديدة بحق شعب آخر، أو حرمانه من أبسط حقوقه في الحرية والعيش بكرامة.
خامساً: التضامن العالمي مع فلسطين ليس كراهية
اليوم يخرج ملايين الأشخاص حول العالم في أكبر حركة تضامن شعبي في التاريخ الحديث، تضامناً مع فلسطين وغزة. وبين هؤلاء يهود ومسيحيون ومسلمون وملحدون، أكاديميون وفنانون ونقابات عمالية. ما يجمعهم ليس كراهية اليهود – بل على العكس، من بينهم أحفاد ناجين من الهولوكوست – بل ما يجمعهم هو: رفض الحرب، ورفض قتل المدنيين بأي ذريعة، ورفض التجويع والتدمير الجماعي والتهجير القسري.
الخلاصة: الدفاع عن حقوق الإنسان ليس إرهاباً
لذلك، يجب رفض محاولات تصوير كل من يدافع عن حقوق الفلسطينيين على أنه إرهابي أو معادٍ للسامية، إن الدفاع عن حقوق الإنسان، ورفض معاناة المدنيين أينما كانوا، والمطالبة بالحرية والكرامة وتقرير المصير للشعب الفلسطيني ليست أشكالاً من الكراهية، بل هي تعبير عن التضامن الإنساني الأصيل مع شعب يناضل منذ سبعة عقود من أجل حقوقه الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية.
إن الشعب الفلسطيني، كأي شعب آخر في العالم، يملك الحق في الحرية والأمن والكرامة وتقرير المصير. ولن يكون هناك سلام عادل ودائم ما لم تُحترم هذه الحقوق على قدم المساواة لجميع الشعوب، دون ازدواجية معايير، ودون وصاية، ودون استخدام تهم جاهزة لإسكات صوت الضمير.




