بقلم: بيسان ج. عدوان

«”إن الشر لا ينشأ دائماً من الكراهية أو الرغبة في إيذاء الآخرين، بل قد ينشأ من الطاعة العمياء للقواعد، ومن تحويل الواجب المهني إلى أداة لإسكات الحقيقة.” — حنّة آرندت»

لطالما قُدِّمت السويد بوصفها واحدة من أكثر الديمقراطيات استقراراً وتقدماً في العالم. فعلى مدى عقود ارتبط اسمها بدولة الرفاه، والحياد السياسي، وحرية التعبير، والنقابات القوية، والدفاع عن حقوق الإنسان، والتضامن الدولي. ولم يكن “النموذج السويدي” مجرد نظام إداري ناجح، بل صورة أخلاقية متكاملة لمجتمع استطاع التوفيق بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية البرلمانية.

غير أن هذه الصورة تواجه اليوم أزمة عميقة. ففي السنوات الأخيرة بدأت الفجوة تتسع بين الخطاب الديمقراطي الرسمي والواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيشه كثير من السويديين. ولم تعد الأزمة تقتصر على صعود اليمين الشعبوي أو التحولات السياسية في أوروبا، بل أصبحت تمس طبيعة الديمقراطية السويدية نفسها: حدود التمثيل السياسي، ودور الإعلام، ونفوذ المؤسسات الأمنية، والعلاقة بين الدولة ورأس المال، وتراجع قدرة المجتمع على التأثير في القرارات المصيرية. وفي قلب هذه الأزمة برزت فلسطين بوصفها مرآة كاشفة.

فما يحدث في غزة لم يكشف فقط حدود النظام الدولي والقانون الإنساني، بل كشف أيضاً حدود الديمقراطية الأوروبية، بما فيها الديمقراطية السويدية. لقد أصبحت طريقة التعامل مع التضامن مع فلسطين اختباراً حقيقياً لحرية التعبير، ولمساحة الاختلاف السياسي، ولمدى استعداد الديمقراطيات الغربية للدفاع عن القيم التي تزعم حمايتها عندما تتعارض مع المصالح الجيوسياسية والتحالفات الأمنية.

من دولة الرفاه إلى أزمة الثقة

أظهر استطلاع حديث أن 44% من السويديين يعتقدون أن الديمقراطية السويدية تسير في الاتجاه الخاطئ. وهذه النسبة لا تعكس مجرد استياء سياسي عابر أو انقسام حزبي مؤقت، بل تشير إلى أزمة أعمق تتعلق بتراجع الثقة في المؤسسات السياسية وفي فكرة التمثيل الديمقراطي نفسها.

لقد تأسست شرعية الدولة السويدية الحديثة على ما عُرف بالعقد الاجتماعي الديمقراطي: دولة قوية توفر التعليم والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والعمل الكريم، مقابل مشاركة سياسية واسعة عبر الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني.

ولم يكن هذا النموذج مجرد ترتيب اقتصادي، بل كان أساس الثقة العامة، إذ شعر المواطن السويدي لعقود بأن الدولة تمثله وتحمي مصالحه الأساسية.

لكن هذا النموذج بدأ يتآكل منذ تسعينيات القرن الماضي مع صعود السياسات النيوليبرالية، والخصخصة، وتراجع الدور الاجتماعي للدولة. فقد نُقلت قطاعات واسعة من التعليم والرعاية الصحية والإسكان والخدمات الاجتماعية إلى السوق تحت شعار “الكفاءة” و”حرية الاختيار”. أما النتيجة الفعلية فكانت اتساع الفوارق الطبقية، وازدياد تركّز الثروة والسلطة الاقتصادية، وتراجع قدرة الدولة على أداء دورها التقليدي كضامن للعدالة الاجتماعية.

ومع هذا التحول تغيّرت العلاقة بين المواطن والدولة بصورة جذرية. فبدلاً من شعور قطاعات واسعة بأن المؤسسات السياسية تمثل مصالحها، برز إحساس متزايد بأن القرارات الكبرى تُصنع داخل دوائر مغلقة ترتبط بالمصالح الاقتصادية والشركات الكبرى ومراكز النفوذ السياسي والإعلامي. وأصبح كثير من السويديين يرون أن الديمقراطية البرلمانية تدير الأزمات أكثر مما تحلها، وأن الانتخابات تغيّر الحكومات من دون أن تغيّر البنية الحقيقية للسلطة.

ولا يقتصر هذا الشعور على الفئات الفقيرة أو المهمشة، بل يمتد إلى شرائح واسعة من الطبقة الوسطى التي بدأت تفقد الاستقرار الاجتماعي الذي شكّل أساس “الحلم السويدي”. فقد ساهم ارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة السكن، وتراجع جودة بعض الخدمات العامة، وتصاعد العنف والجريمة المنظمة، في تعميق الإحساس بأن النظام السياسي لم يعد قادراً على توفير الأمان الاجتماعي الذي كان مصدر شرعيته الأساسي.

وفي الوقت نفسه تراجعت الثقة بالأحزاب التقليدية والنقابات ووسائل الإعلام، وهي المؤسسات التي لعبت تاريخياً دور الوسيط بين المجتمع والدولة. وباتت السياسة بالنسبة لكثيرين منفصلة عن الحياة اليومية، تتحرك داخل فضاء مغلق من التوافقات البرلمانية والخطاب التقني، بينما يشعر المواطن العادي بأن تأثيره الحقيقي في القرارات المصيرية محدود للغاية.

وهكذا لم تعد الأزمة مجرد أزمة ثقة بالمؤسسات، بل أصبحت أزمة في معنى الديمقراطية ذاته. فعندما يشعر المواطن أن صوته الانتخابي لا يغيّر الاتجاه العام للدولة، وأن الخيارات السياسية المتاحة تكاد تكون متشابهة مهما تبدلت الحكومات، فإن الديمقراطية تبدأ بفقدان مضمونها الاجتماعي حتى وإن بقيت مؤسساتها الشكلية قائمة.

وهم الديمقراطية البرلمانية

تقوم الديمقراطية الليبرالية الحديثة على فرضية أساسية مفادها أن الانتخابات الدورية والتعددية الحزبية كافيتان لضمان تمثيل الإرادة الشعبية. غير أن التجربة السياسية في كثير من الدول الغربية، ومنها السويد، تكشف حدود هذه الفرضية، خصوصاً في القضايا البنيوية الكبرى المتعلقة بالاقتصاد والسياسة الخارجية والأمن والتحولات الاجتماعية العميقة.

فعلى الرغم من التنافس الحزبي الظاهر، تبدو الخيارات السياسية داخل النظام البرلماني السويدي متشابهة إلى حد بعيد في القضايا الأساسية. سواء تعلق الأمر بالسياسات الاقتصادية، أو العلاقة بالسوق، أو الإنفاق العسكري، أو الأمن والهجرة، فإن الفروق بين الأحزاب الكبرى غالباً ما تكون إدارية أو تقنية أكثر منها اختلافات جوهرية في الاتجاه السياسي العام.

وهنا يظهر التناقض المركزي في الديمقراطية البرجوازية الحديثة. فبينما يُقدَّم التصويت بوصفه التعبير الأسمى عن الإرادة الشعبية، تبقى القرارات الكبرى محكومة بشبكة معقدة من المصالح الاقتصادية، والتحالفات الأمنية، والمؤسسات المالية والإعلامية، التي لا تخضع عملياً للمساءلة الديمقراطية المباشرة.

ويتجلى ذلك بوضوح في قضية المناخ. فالغالبية الساحقة من السويديين تؤيد سياسات أكثر جرأة لمواجهة الكارثة البيئية، إلا أن أياً من الأحزاب البرلمانية لا يطرح برنامجاً يوازي حجم التغييرات الاقتصادية المطلوبة. وليس السبب نقص المعرفة، بل القيود البنيوية للنظام السياسي المرتبط باقتصاد يقوم على النمو المستمر والاستهلاك والسوق الحرة.

ومن ثم تصبح الديمقراطية البرلمانية قادرة على إدارة النقاش حول الأزمة، لكنها عاجزة عن اتخاذ قرارات تمس جوهر النظام الاقتصادي الذي ينتجها. وينطبق الأمر ذاته على قضايا الهجرة، وتوزيع الثروة، وخصخصة الخدمات العامة.

وفي كثير من الأحيان تتحول الانتخابات إلى عملية لإعادة إنتاج موازين القوى القائمة بدلاً من إحداث تغيير حقيقي. يتغير السياسيون، بينما يبقى الاتجاه العام على حاله، الأمر الذي ولّد شعوراً متزايداً لدى قطاعات واسعة بأن السياسة انفصلت عن الإرادة الشعبية، وأن الديمقراطية البرلمانية لم تعد تمثل المصالح الاجتماعية بقدر ما تدير الاستقرار السياسي ضمن الحدود التي يفرضها السوق والتحالفات الدولية.

الناتو والتحول الجيوسياسي للسويد

ربما لم تكشف أي قضية حدود الديمقراطية السويدية المعاصرة كما فعل انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو). فقد شكّل الحياد لعقود جزءاً أساسياً من الهوية السياسية السويدية الحديثة. ولم يكن الحياد مجرد خيار عسكري، بل كان جزءاً من صورة السويد عن نفسها باعتبارها دولة مستقلة نسبياً عن الاستقطابات الجيوسياسية الكبرى، قادرة على لعب دور الوسيط والدبلوماسي والمدافع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان.

غير أن الحرب في أوكرانيا وما تبعها من تصاعد الخطاب الأمني في أوروبا سرّعت تحولاً جذرياً في السياسة السويدية. وفجأة أصبح الانضمام إلى الناتو يُقدَّم باعتباره “ضرورة تاريخية” و”خياراً لا مفر منه”، رغم أن هذا القرار يعيد تعريف الموقع الجيوسياسي للسويد لعقود مقبلة.

لكن القضية لا تتعلق بالانضمام ذاته، بل بالطريقة التي اتُّخذ بها القرار. فقرار بهذا الحجم، يمس جوهر السياسة الخارجية والعسكرية والأمنية للبلاد، اتُّخذ من دون استفتاء شعبي مباشر، ومن دون نقاش مجتمعي طويل يعكس حجم التحول التاريخي الجاري.

ورأى كثير من السويديين في ذلك أزمة حقيقية في مفهوم الديمقراطية التمثيلية: هل يكفي قرار برلماني لتغيير عقيدة سياسية شكّلت جزءاً من هوية البلاد لعقود؟ وشعر كثيرون بأن المخاوف الأمنية والضغط الإعلامي استُخدما لتضييق مساحة النقاش العام، بحيث بدا أي تشكيك أو تحفظ على الانضمام للناتو وكأنه سذاجة سياسية أو حتى تهديد للأمن القومي.

وفجأة وجدت السويد نفسها جزءاً من تحالف عسكري تقوده الولايات المتحدة، وهي دولة ارتبط اسمها بتدخلات عسكرية وحروب وإعادة تشكيل مناطق بأكملها بالقوة. وهنا تجاوز السؤال حدود السياسة الخارجية ليصل إلى جوهر الديمقراطية نفسها: من يملك حق اتخاذ القرارات المصيرية؟ وهل يمكن الحديث عن “إجماع ديمقراطي” في غياب مشاركة شعبية مباشرة في قضايا بهذا الحجم؟

كما كشف ملف الناتو التحول الأوسع الذي تشهده أوروبا: الانتقال من منطق دولة الرفاه والحياد النسبي إلى منطق الدولة الأمنية والتسلح المتزايد. ومع تصاعد الإنفاق العسكري والخطاب الأمني بدأت الأولويات السياسية تتغير تدريجياً، وأصبح مفهوم “الأمن” يهيمن على المجال العام على حساب العدالة الاجتماعية والحريات المدنية.

وفي هذا السياق لا تبدو أزمة الديمقراطية في السويد معزولة عن التحولات العالمية، بل جزءاً من إعادة تشكيل سياسية واقتصادية تشهدها أوروبا كلها تحت ضغط الحروب، وصعود اليمين الشعبوي، وتزايد نفوذ المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتراجع قدرة المجتمعات على التأثير الفعلي في القرارات المصيرية.

فلسطين بوصفها مرآة لأزمة الديمقراطية (2023–2026)

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم تعد فلسطين مجرد قضية خارجية أو ملفاً إنسانياً بعيداً بالنسبة لأوروبا عموماً، وللسويد خصوصاً، بل أصبحت اختباراً داخلياً عميقاً لبنية الديمقراطية نفسها.

فما كشفته الحرب على غزة لم يكن فقط حجم العنف الاستعماري والتدمير المنهجي، بل أيضاً حدود الديمقراطية الليبرالية الأوروبية عندما تواجه اختباراً حقيقياً يتعلق بحرية التعبير واستقلال الإعلام وحق الاختلاف السياسي.

فعلى مدى أكثر من عامين ونصف شهد العالم إبادة جماعية تُبث مباشرة من غزة: مدن مدمرة، ومستشفيات مقصوفة، وجامعات أزيلت، وصحفيون قُتلوا، ومجتمع كامل يُدفع نحو التجويع والتهجير الجماعي. ومع ذلك ظل الخطاب السياسي والإعلامي الأوروبي محكوماً باعتبارات أمنية وجيوسياسية أكثر من خضوعه للنقاش الأخلاقي أو القانوني.

وفي السويد امتد الانقسام حول الحرب إلى المجال العام نفسه. فمنذ أواخر عام 2023 برزت تحولات واضحة في طريقة التعامل مع الأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين. ولم يعد النقاش يتعلق فقط بالموقف من إسرائيل أو الحرب، بل بشرعية التضامن نفسه وحدود ما يمكن قوله في الفضاء العام.

وأصبح أكاديميون وصحفيون وكتّاب وناشطون فلسطينيون وعرب وسويديون عرضة لحملات تشهير، سواء في الإعلام التقليدي أو عبر المنصات الرقمية. وأصبح الدفاع عن القانون الدولي ورفض قتل المدنيين موقفاً يحتاج صاحبه إلى “إثبات براءته” سياسياً وأخلاقياً قبل أن يُسمع صوته. وغالباً لم يكن الهدف من هذه الحملات مناقشة الحجج أو الدخول في جدل قانوني، بل التشكيك في النوايا والانتماءات والولاء الأخلاقي.

ومنذ عام 2024 برز خطاب سياسي وإعلامي جديد يربط التضامن مع فلسطين بـ”التطرف”، أو يعتبر أي حديث عن الاستعمار الاستيطاني أو حق الفلسطينيين في المقاومة خطاباً مشبوهاً يستوجب المراقبة. ولم تعد المشكلة في الاختلاف السياسي ذاته، بل في إعادة رسم حدود المقبول داخل الديمقراطية السويدية.

وأصبحت فلسطين مرآة تعكس التوترات العميقة في المجتمع السويدي: التوتر بين حرية التعبير والأمن، وبين التضامن الدولي والتحالفات الجيوسياسية، وبين الخطاب التقليدي لحقوق الإنسان وصعود الدولة الأمنية.

وفي الجامعات السويدية، التي طالما اعتُبرت فضاءات للنقاش الحر، بدأت تتزايد الضغوط على الندوات والأنشطة المتعلقة بفلسطين. ففضّلت بعض المؤسسات تجنب “الموضوع الحساس”، بينما تعاملت مؤسسات أخرى مع التضامن مع غزة باعتباره تهديداً لـ”الحياد المؤسسي”.

وهكذا أخذ الفضاء الأكاديمي يخضع تدريجياً لمنطق الرقابة غير المباشرة والخوف من الاتهام. كما شهدت هذه المرحلة تصاعداً ملحوظاً في الرقابة الذاتية داخل الأوساط الثقافية والإعلامية. فأصبح كثير من الصحفيين والباحثين والكتاب أكثر حذراً في استخدام مصطلحات مثل “الاستعمار” و”الفصل العنصري” و”الإبادة الجماعية”، ليس بالضرورة عن قناعة، بل بسبب المناخ السياسي والإعلامي الذي بات يربط هذه اللغة بمخاطر مهنية واجتماعية.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالديمقراطية لا تُقاس بوجود الانتخابات أو البرلمان فقط، بل بقدرة المجتمع على تحمل الاختلاف وإدارة النقاش الحر من دون خوف. وعندما يصبح التعبير عن رأي سياسي أو قانوني محفوفاً بالعواقب الأخلاقية والمهنية، تبدأ المساحة الديمقراطية بالانكماش حتى وإن بقيت مؤسساتها الرسمية قائمة.

ومنذ عام 2025 أصبح واضحاً أن القضية لم تعد مرتبطة بالحرب وحدها، بل بتحول أوسع في بنية الديمقراطيات الأوروبية نفسها. فمع صعود الخطاب الأمني والتركيز على “الاستقرار” و”مكافحة التطرف”، بدأت الحكومات ووسائل الإعلام تعيد رسم حدود النقاش العام بحيث تصبح بعض الآراء مقبولة، بينما تُصنّف آراء أخرى باعتبارها غير مقبولة أخلاقياً أو أمنياً.

وفي هذا السياق أصبحت فلسطين قضية كاشفة، ليس لأنها الوحيدة، بل لأنها تكشف حدود الديمقراطية الليبرالية الأوروبية عندما تتصادم قيمها المعلنة مع المصالح السياسية والتحالفات الدولية.

الإعلام السويدي: تآكل الديمقراطية وصناعة الخوف

من أخطر التحولات التي شهدتها السويد بين عامي 2023 و2026 التحول التدريجي في دور الإعلام داخل الحياة الديمقراطية. فقد ارتبطت الصحافة السويدية تاريخياً بصورة الإعلام المستقل القادر على مساءلة السلطة وفتح المجال للنقاش الحر.

لكن السنوات الأخيرة، ولا سيما خلال الحرب على غزة، شهدت تحولاً متزايداً لدى جزء من الإعلام نحو لعب دور مختلف: ليس مراقبة السلطة، بل المساهمة في إعادة إنتاج الخطاب الأمني وتحديد حدود المقبول سياسياً وأخلاقياً.

وفي كثير من التغطيات المتعلقة بفلسطين انتقل التركيز من القانون الدولي وحقوق المدنيين إلى “إدارة الخطاب” وضبط اللغة المستخدمة في الفضاء العام. وكثيراً ما صيغ النقاش ضمن ثنائية ضيقة: إما الانحياز الكامل للرواية الأمنية الغربية، أو التعرض لوصمات مثل “التطرف” أو “التعاطف مع الإرهاب”.

وبذلك تحول الإعلام، جزئياً، من مساحة للنقاش إلى أداة لإنتاج المناخ السياسي نفسه.

وليست هذه الآلية جديدة في التاريخ الأوروبي. فقد تناولها الفيلم السويدي Call Girl للمخرج ميكائيل ماركيمان، المستوحى من أجواء الفضائح السياسية في سبعينيات القرن الماضي. ولم يكن الفيلم معنياً بالفضيحة ذاتها بقدر ما كان يكشف كيف تستطيع الديمقراطيات الحديثة إدارة المجتمع عبر التشهير، والإيحاء، وصناعة الشبهات، وإعادة تعريف “الخطر” بطريقة تسمح بالسيطرة على المجال العام من دون الحاجة إلى القمع المباشر.

ومنذ عام 2023 بدت هذه الآليات وكأنها تعود بأشكال أكثر تطوراً. فبدلاً من القمع المباشر، يكفي أحياناً مقال صحفي، أو حملة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو اتهام أخلاقي غامض، أو ربط شخص أو مؤسسة بخطاب “غير مقبول”، لدفع الأفراد إلى الصمت أو الرقابة الذاتية.

وهكذا يصبح الخوف أداة سياسية فعالة. يخشى الصحفي على سمعته، والأكاديمي على مكانته المهنية، والمؤسسات الثقافية على تمويلها أو صورتها العامة. ومع مرور الوقت تتراجع الحاجة إلى الرقابة الرسمية لأن المجتمع يبدأ في رقابة نفسه بنفسه.

وهذا ما يجعل تآكل الديمقراطية في الأنظمة الحديثة أكثر تعقيداً وخطورة من الأنظمة السلطوية التقليدية؛ فهو لا يحدث عبر منع الكلام، بل عبر خلق بيئة تجعل الكلام مكلفاً.

وخلال الفترة بين 2023 و2026 اتجهت السويد بصورة متسارعة نحو نموذج أمني أكثر تشدداً. ومع تصاعد المخاوف المرتبطة بالحرب والهجرة والجريمة المنظمة والإرهاب، أصبح الخطاب الأمني أكثر هيمنة على الحياة السياسية. ووسعت الدولة صلاحياتها في المراقبة والضبط، وأُقرت قوانين استثنائية تحت شعارات “الاستقرار” و”مكافحة التطرف” و”حماية المجتمع”.

وفي الوقت نفسه شهدت قضايا الهجرة واللجوء تحولات حادة في الخطاب السياسي. فبعدما كانت السويد تُقدَّم بوصفها نموذجاً للانفتاح الإنساني، أخذ اللاجئون والمهاجرون يُصوَّرون بصورة متزايدة باعتبارهم مشكلة أمنية أو ثقافية أو عبئاً اجتماعياً.

والأخطر أن هذه التحولات لم تعد مقتصرة على اليمين الشعبوي، بل امتدت تدريجياً إلى الأحزاب التقليدية التي بدأت تتبنى عناصر من الخطاب الأمني والقومي، وهو ما أدى إلى انزياح المشهد السياسي بأكمله نحو اليمين.

وهكذا بدأت السويد تتحول تدريجياً من دولة استندت شرعيتها إلى العدالة الاجتماعية والثقة العامة إلى دولة تستند شرعيتها بصورة متزايدة إلى الأمن والمراقبة والضبط. وفي هذا السياق تصبح فلسطين أكثر من مجرد قضية تضامن دولي؛ إنها نقطة تكشف كيف يستطيع الخوف والتحالفات الجيوسياسية والخطاب الأمني إعادة تشكيل الديمقراطية الأوروبية من الداخل.

السويد أمام اختبارها التاريخي

لم تعد الأزمة التي تواجهها السويد اليوم تتعلق فقط بموقفها من فلسطين أو بسياساتها الخارجية، بل أصبحت أزمة تمس طبيعة النظام الديمقراطي ذاته وحدود قدرته على تمثيل المجتمع وحماية الحريات التي يدّعي الدفاع عنها.

فعلى مدى عقود قامت الهوية السياسية السويدية الحديثة على مجموعة من الركائز شكّلت أساس ما عُرف بـ”النموذج السويدي”: دولة الرفاه، والحياد، والتماسك الاجتماعي، والثقة العالية بالمؤسسات، وحرية التعبير، والتضامن الدولي.

غير أن ما شهدته البلاد خلال السنوات الأخيرة، وتسارع بصورة لافتة بين عامي 2023 و2026، يكشف أن هذا النموذج دخل مرحلة من التآكل العميق.

فقد قامت شرعية الديمقراطية السويدية تاريخياً على فكرة أن الدولة لا تمثل السلطة فقط، بل تمثل أيضاً الحماية الاجتماعية والعدالة والتوازن بين رأس المال والمجتمع.

إلا أن التحولات الاقتصادية والسياسية والأمنية الأخيرة أخذت تعيد تعريف وظيفة الدولة نفسها. فبدلاً من أن تكون أداة لضمان العدالة الاجتماعية وتقليص التفاوتات، تتجه تدريجياً نحو أداء أمني وإداري أكثر منه اجتماعياً وديمقراطياً.

ويتجلى ذلك في اتساع الفجوة بين المجتمع والنخبة السياسية. فكثير من السويديين يشعرون اليوم بأن القرارات الكبرى لم تعد تُصاغ انطلاقاً من الإرادة الشعبية، بل داخل شبكة معقدة من المؤسسات الاقتصادية والأمنية والإعلامية والتحالفات الدولية التي لا تخضع فعلياً للمساءلة الديمقراطية المباشرة.

ولم يعد هذا الشعور مقتصراً على الفئات المهمشة أو القوى الراديكالية، بل أصبح جزءاً من الخطاب العام داخل المجتمع السويدي، خاصة مع تراجع الثقة بالأحزاب التقليدية ووسائل الإعلام والمؤسسات البرلمانية.

ولذلك تبدو الأزمة الحالية أعمق من مجرد أزمة حكومات أو أحزاب؛ إنها أزمة تمثيل سياسي. فالنظام البرلماني، الذي كان يُنظر إليه بوصفه التعبير الأعلى عن الإرادة الشعبية، أصبح بالنسبة لكثيرين عاجزاً عن إحداث تغيير حقيقي في القضايا البنيوية الكبرى، سواء في الاقتصاد أو العدالة الاجتماعية أو المناخ أو الهجرة أو السياسة الخارجية.

تتغير الحكومات، لكن الاتجاه العام للدولة يبقى إلى حد كبير ثابتاً، وكأن السياسة اختُزلت في إدارة تقنية للأزمات ضمن حدود مرسومة سلفاً.

وهنا يكمن أحد أخطر التحولات التي تواجه الديمقراطيات الغربية اليوم: الانتقال التدريجي من دولة الرفاه إلى الدولة الأمنية.

فالتحدي الأكبر الذي تواجهه السويد ليس فقط صعود اليمين الشعبوي، بل تطبيع هذا التحول الأمني داخل المؤسسات الديمقراطية نفسها. فعندما تتبنى الأحزاب التقليدية أجزاء واسعة من الخطاب الأمني والقومي، وعندما يصبح “الاستقرار” أولوية تتقدم على الحريات والحقوق الاجتماعية، فإن طبيعة الديمقراطية نفسها تتغير، حتى لو بقي شكلها الخارجي على حاله.

ومن ثم فإن الخطر الحقيقي على الديمقراطية السويدية لا يكمن فقط في احتمال صعود نظام سلطوي صريح، بل في التآكل البطيء للمجال الديمقراطي من الداخل. فالديمقراطية لا تنهار دائماً عبر الانقلابات أو إلغاء الانتخابات أو الرقابة المباشرة، بل قد تتآكل تدريجياً عندما يفقد المجتمع قدرته على التأثير الحقيقي، ويصبح الخوف أقوى من الحقيقة، والأمن أهم من الحرية، ويغدو الصمت أكثر أماناً من العدالة.

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي يواجه السويد اليوم يتجاوز مجرد خلاف سياسي أو أزمة عابرة:

ما الذي سيتبقى من الديمقراطية عندما تتحول إلى نظام يدير الخوف أكثر مما يحمي الحرية؟ وهل تستطيع السويد الحفاظ على إرثها الديمقراطي والاجتماعي في عالم يزداد عسكرةً ومراقبةً، ويعيد تعريف السياسة بوصفها قضية أمنية بالدرجة الأولى؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل السويد وحدها، بل ستحدد أيضاً معنى الديمقراطية الأوروبية في العقود القادمة.

المصدر: نُشرت هذه المادة باللغة السويدية عبر منصة Växjö Gnista المستقلة.

🔗 للاطلاع على الموقع المصدر اضغط هنا

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *