القاهرة | “جمهورية فلسطين”

غمر الشعب الشوارع تلقائياً بدون توجيه في 9، 10 يونيو متمسكاً بعبد الناصر لمواجهة آثار الهزيمة العسكرية وخوض حرب جديدة لاسترداد الكرامة والأرض، وفعل ذلك لأنه شعب عظيم يدرك الطيب من الخبيث، ويدرك أن ذلك الوطني العظيم ليس هو الرجل الذي يستسلم، بل هو القادر في تلك الظروف على إعادة بناء الجيش واستنهاض إرادة خوض الحرب واستيلاد النصر من بؤس الهزيمة وأضلع المستحيل. خرج الشعب رافضاً الهزيمة والتنحي معاً، لأن جمال عبد الناصر هو الرجل الذي قاد عملية بناء الاستقلال الوطني على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية، وحاز لمصر مكانة قائدة إقليمياً وعالمياً، وبنى قطاعاً عاماً عظيماً اعتمدت عليه في تلبية الاحتياجات الاجتماعية وفي تمويل إعادة بناء الجيش وخوض الحرب ضد العدو الصهيوأمريكي.

​وصلت مصر في عهده إلى أنها واحدة من أكثر 5 دول نامية تقدماً وكان ذلك حقيقياً، وكل مؤشراتها الاقتصادية وفقاً لصندوق النقد الدولي (International Financial Statistics Yearbook 1990)، كانت أعلى من كل من يسمون النمور الآسيوية وعلى رأسهم الصين وكوريا الجنوبية؛ ففي عام 1965 كان الناتج المحلي الإجمالي المصري 5.1 مليار دولار مقابل 3 مليارات دولار لكوريا الجنوبية، وكانت صادرات مصر 605 مليون دولار، مقابل 176 مليون دولار لكوريا الجنوبية، وكان متوسط دخل الفرد في مصر 173 دولاراً مقارنة بنحو 105 دولارات للفرد في كوريا الجنوبية، ونحو 78 دولاراً في الصين، ونحو 126 دولاراً في تايلاند، ونحو 47 دولاراً للفرد في إندونيسيا.

​عبد الناصر هو الحاكم الذي بنى سياسات اقتصادية-اجتماعية مكنت الشعب من كسب عيشه بكرامة بتشغيل الخريجين فور تخرجهم في وظائف حقيقية وليس بطالة مقنعة، في اقتصاد ينمو ويتوسع بشكل سريع. وبنى سد مصر العالي الذي حمى مصر من الفيضانات المدمرة التي كان يُكرّس لها 100 ألف مهندس وعامل لمدة 3 شهور لمواجهتها سنوياً، وحماها من دورات الجفاف السباعية الرهيبة والتي ضربت إحداها مصر من عام 1980 إلى عام 1987، ولولا وجود السد لأوقعت كوارث مروعة في مصر يمكن إدراكها من مطالعة كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمقريزي الذي عاصر إحدى تلك الدورات. وتكفلت المحطة الكهرومائية للسد بتوفير أكثر من نصف احتياجات مصر من الكهرباء في سبعينيات القرن الماضي وأدت إلى مد الكهرباء للريف المصري فغيرت وجهه لبراح أكثر تطوراً، ووفر كميات من المياه التي كانت تهدر في البحر وهي تكفي لري 1.3 مليون فدان جديدة بوسائل الري القديمة (الغمر) وضعفها على الأقل بوسائل الري الأحدث بالرش أو التنقيط.

​هو رجل بنى قواعد العدالة الاجتماعية النسبية بمجانية التعليم والرعاية الصحية، وبدعم السلع التموينية الضرورية لحياة البسطاء، وبالإصلاح الزراعي وتوزيع الأرض التي اغتصبها الإقطاع والعائلة المالكة من الفلاحين الذين كانوا يعجزون عن سداد الضرائب الظالمة المفروضة عليهم، والأراضي التي منحتها للمقربين منها ولمن خانوا عرابي.. وزعها على الفلاحين الفقراء. رجل امتلك شجاعة تحمل مسؤولية الهزيمة العسكرية ولم يستسلم لإمبراطورية الشر الأمريكية وربيبها الكيان الصهيوني، بل أعاد بناء الجيش وخاض حرب الاستنزاف العظيمة وبنى حائط الصواريخ وجهز مصر لخوض حرب التحرير بصورة كلية تقريباً، وحتى نهاية حرب أكتوبر لم تكن ديون مصر تتجاوز 2.7 مليار دولار، بينما تكفل السادات في 8 سنوات بعد حرب أكتوبر بتوريط مصر في ديون بلغت 21 مليار دولار في أدنى التقديرات دون أن يقابلها أي إنجاز مثل الإنجازات التي حققها عبد الناصر. وحتى بالنسبة للجيش فإنه حاول اقتلاع عبد الحكيم عامر الفاشل عام 1962، لكن الجيش لم يسمح له بذلك.

​وحتى النظام الاستبدادي الكريه فهو لم يخترعه وإنما ورثه من العهد الملكي، فالمؤسس الرهيب لذلك النظام هو محمد علي وورثه كل من خلفوه في العهدين الملكي والجمهوري، ولو رجعت لكتب السادات نفسه ستجده يُقر بأنه لدى التصويت على اختيار النظام الديمقراطي أو الديكتاتوري، صوت كل أعضاء مجلس قيادة الثورة من الضباط الأحرار مع النظام الديكتاتوري ما عدا جمال عبد الناصر الذي صوت وحده للنظام الديمقراطي، وكان العظيم يوسف صديق المؤيد للنظام الديمقراطي ولعودة الجيش لثكناته، قد تم استبعاده، وكان القطب الوطني الديمقراطي الآخر خالد محيي الدين، قد تم تغييبه عن ذلك الاجتماع. كما أن كل الدول المستقلة حديثاً كانت تحكمها نظم استبدادية، فهو في هذا الشأن ابن زمنه ووريث نظام استبدادي لم يؤسسه.

​وكانت خطيئته أنه عندما حاز شعبية أسطورية بعد مواجهته الملهمة للعدوان الثلاثي، كان يمكنه التحول بمصر إلى النظام الديمقراطي وكان سيضمن انتخابه بأغلبية كاسحة لكنه لم يفعل، وربما كان يدرك أن زملائه في مجلس قيادة الثورة الذين اختاروا النظام الديكتاتوري لن يسمحوا له بذلك. أما خطؤه الأكبر فهو اختياره للسادات كنائب أول خلفه في الحكم، وهو الرجل الذي سلم 99% من أوراق القضية للعدو الأمريكي، وعقد اتفاقيات كامب ديفيد والتسوية السياسية بصورة مهينة لحقوق مصر ومكانتها. لم تحظ مصر بحاكم أفضل من جمال عبد الناصر، ولذا عظمه شعبه حياً وميتاً، إلا بعض من كارهي نموذج التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني، والمسبحين بحمد إمبراطورية الشر الأمريكية وذيلها الصهيوني، وبعض من يقدسون النموذج المثالي المطلق ولا ينظرون بموضوعية وواقعية للظروف التي حكم عبد الناصر خلالها فيقسون عليه رغم وطنيتهم.

د. أحمد السيد النجار

القاهرة . مصر

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *