بقلم: د. وليد عبد الحي | أستاذ العلاقات الدولية والخبير في الدراسات المستقبلية والاستشرافية

إذا كانت المتغيرات الجغرافية تحدد، إلى حد ما، السلوك السياسي للدول (المنظور الجيوسياسي)، فإن القيمة الاستراتيجية للموقع الجغرافي (المنظور الجيواستراتيجي) تساهم بقدر كبير في تحديد “المسافة السياسية” — سواء نحو النزاع، أو التعاون، أو الحياد — بين الدولة وبيئتها الدولية.

وعند النظر في جغرافية إيران، نجد أنها تنتمي إلى أربعة أقاليم جيوسياسية هامة، هي: إقليم الخليج، إقليم الهلال الخصيب، إقليم آسيا الوسطى، وإقليم القوقاز. ويضم كل إقليم من هذه الأقاليم مجموعة من الدول التي تتباين تبياناً كبيراً في تعدادها السكاني، ومساحاتها الجغرافية، وإمكانياتها المادية والمعنوية، بل وحتى في هوياتها الثقافية وإرثها التاريخي. كما تتبدل القيمة الجيواستراتيجية لكل إقليم تبعاً للتحولات الطارئة على البيئتين الدولية والإقليمية.

العمق التاريخي وتحولات الجذب الجيواستراتيجي

وإذا عدنا تاريخياً لتفاعلات إيران مع جوارها الإقليمي المتعدد، سنجد أن الكرونولوجيا السياسية الإيرانية تمتد لأكثر من خمسة آلاف ومائتي (5200) سنة. وعند قياس “الجذب الاستراتيجي” في إطار المسافة السياسية — التي تحدد عدد المرات التي سعت فيها إيران لمد نفوذها نحو مناطق معينة، أو المرات التي تمدد فيها نفوذ تلك المناطق نحو إيران — يتبين لنا أن توزيع الجذب الجيواستراتيجي لإيران خلال هذه الحقبة التاريخية الطويلة جاء على النحو التالي:

• إقليم القوقاز: احتل المرتبة الأولى بواقع 15 مرة (وشمل أذربيجان، أرمينيا، جورجيا، وبعض مناطق الأناضول).

• إقليم الهلال الخصيب: جاء في المرتبة الثانية بواقع 13 مرة (وشمل العراق، سوريا، لبنان، الأردن، وفلسطين).

• إقليم آسيا الوسطى: احتل المرتبة الثالثة بواقع 10 مرات (من شرق بحر قزوين وصولاً إلى الحدود الصينية الشمالية، بالإضافة إلى أفغانستان).

• إقليم الخليج: حل في المرتبة الأخيرة كأقل المناطق تكراراً لحالات الجذب بواقع مرتين فقط (وشمل جنوب باكستان ودول الخليج العربية).

أما عند رصد الواقع “المعاصر” للجذب الجيواستراتيجي لإيران منذ قيام الثورة الإيرانية (عام 1979)، فسنلحظ غلبة واضحة لإقليمي الهلال الخصيب والخليج. ولعل هذا الانجذاب المعاصر لا ينفصل عن سياق التنافس الدولي؛ لاسيما في ظل الصراع على موارد الطاقة، وتداعيات الثورة الإيرانية، وتزايد المشروعات الاستراتيجية العابرة للإقليمين العربيين (مثل مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، ومسار “الممر الاقتصادي الهندي الأوروبي”)، فضلاً عن شبكات التجارة البحرية الممتدة من مضيق هرمز إلى باب المندب وصولاً إلى قناة السويس، ناهيك عن أهمية المنطقة باعتبارها الحزام الأمني المجاور للجوار الروسي القريب.

الجوار الإيراني غير العربي: مفارقات وظواهر

حين نتأمل في الجوار الإيراني غير العربي، فإننا نقف أمام المظاهر البنيوية التالية:

1. خلو الجوار الآسيوي من القواعد العسكرية الأمريكية

تخلو دول الجوار الإيراني غير العربي تماماً من أي قواعد عسكرية أمريكية دائنة، دون نفي وجود تعاون لوجستي مؤقت أو غير معلن أحياناً مع الولايات المتحدة. فإذا نظرنا إلى الدول غير العربية التي تتشارك مع إيران في الحدود البرية أو الشواطئ البحرية، نجد انعداماً تاماً للقواعد الأمريكية في كل من: باكستان، أفغانستان، تركمانستان، أذربيجان، تركيا، وأرمينيا. ورغم وجود “قاعدة إنجرليك” في تركيا، إلا أنها تُحسب تاريخياً وعملياتياً ضمن قواعد حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتخضع لقيادته وليس للقيادة الأمريكية المنفردة، فضلاً عن ممارسة تركيا لسيادتها الكاملة عليها.

وبالمقارنة، نجد أن القواعد الأمريكية تنتشر بكثافة عالية في الأقاليم الفرعية العربية (حيث تضم الجغرافيا العربية حوالي 55 قاعدة أو منشأة عسكرية أمريكية). وفي المقابل، ترفض باكستان رفضاً قاطعاً وجود قواعد أجنبية على أراضيها، وانسحبت أمريكا عسكرياً من أفغانستان، في حين تتبنى تركمانستان سياسة الحياد الدائم. ولا توجد مؤشرات على قواعد أمريكية في أذربيجان (رغم وجود مرافق وتواجد استخباراتي أمريكي وإسرائيلي)، وحتى أرمينيا، ورغم تزايد النفوذ الأمريكي فيها مؤخراً، لا تضم أي قواعد عسكرية أمريكية.

2. مفارقة التنافس على موارد الطاقة وموقع القواعد

إذا كان النفط والغاز يمثلان تاريخياً المحرك الأساسي لإقامة القواعد العسكرية والتنافس الدولي، فإن تركمانستان تمتلك رابع أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم (حوالي 7 تريليونات متر مكعب) وتضم كميات معتبرة من النفط، وتعد الصين أحد أبرز مستوردي الطاقة منها. كما تمثل أذربيجان منتجاً استراتيجياً هاماً للغاز (باحتياطي يقارب 3 تريليونات متر مكعب)، وتصنف ضمن أعلى 12 دولة عالمياً في احتياطيات الغاز، والمرتبة 19 في احتياطيات النفط (بنحو 7 مليارات برميل)، وتُعد شريان طاقة حيوي لأوروبا. وإذا أضفنا إلى ذلك “حقل صقاريا” التركي للغاز، وأهمية تركيا الجيواستراتيجية كمعبر لموارد الطاقة إلى أوروبا، نجد أن كل هذه المقومات تشكل قوى جذب هائلة لإقامة القواعد العسكرية، ومع ذلك، يقتصر الوجود العسكري الأمريكي الكثيف على المنظومة العربية فقط.

3. طبيعة وعمق العلاقات الثنائية للجوار غير العربي مع إيران

• أذربيجان: يمكن القول بوضوح إن علاقة إيران معها هي الأسوأ في هذا الفضاء؛ ويرجع ذلك إلى تطور الشراكة الإسرائيلية-الأذرية، ووجود مراكز تجسس إسرائيلية نشطة على الأراضي الأذرية موجهة ضد إيران، ناهيك عن الخلافات حول الحدود البحرية في بحر قزوين، والتوجس الإيراني من تنامي العلاقات التركية (السنية) والأذرية (الشيعية).

• تركيا: يتسم التنافس الاستراتيجي التركي-الإيراني على فضائهما الجغرافي بأنه تاريخي ومعروف، ومع ذلك، يوجد تنسيق أمني وثيق بين الطرفين، لاسيما في ملف كبح النزعات الانفصالية الكردية، إلى جانب تبادل تجاري واقتصادي متطور ومحوري.

• أفغانستان: تحكم العلاقة بين الطرفين معادلة “غير صفرية”، تجمع بين التناقض المذهبي والخلافات المائية حول الحقوق في “نهر هيرمند” من جهة، وبين التنسيق الأمني في ضبط الحدود والتعاون التجاري المشترك من جهة أخرى.

• باكستان: يتكرر ذات النمط المتوازن؛ حيث تصطدم نيودلهي وإسلام آباد (عبر حدود إيران) في ملف الحركات الانفصالية في إقليم “بلوشستان” وكيفية التعاطي معها، لكن الجانبين يحرصان في الوقت ذاته على تنفيذ مشروع استراتيجي لنقل الغاز عبر أنبوب مشترك، ناهيك عن التعاون التاريخي السابق في بعض الخبرات والتقنيات ذات الصلة بالملف النووي.

• تركمانستان: تلتزم بسياسة الحياد التام والملزم في علاقاتها مع كافة الأطراف الإقليمية.

• أرمينيا (المفارقة الكبرى): تمثل العلاقة مع أرمينيا “المسيحية” نموذجاً استثنائياً؛ إذ تنظر يريفان إلى طهران كعامل توازن حيوي في مواجهة التحالف التركي-الأذري، في حين تشكل أرمينيا لإيران معبراً تجارياً واقتصادياً رئيسياً للالتفاف على العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة عليها.

منهج تحليل العلاقة وتفكيك المقاربات السائدة

إن متانة وتطور العلاقات الإيرانية مع فضائها الجيواستراتيجي غير العربي مقارنة بفضائها العربي، تجعل من “التفسير المذهبي” مقترباً قاصراً وضعيفاً للغاية لعدة أسباب:

1. قصور التفسير المذهبي: يسود المذهب السني في أربع دول محيطة بإيران بنسب دقيقة: تركيا (85%)، باكستان (80%)، تركمانستان (85%)، وأفغانستان (80%). ومع ذلك، فإن علاقة طهران مع هذه الدول الأربع تقترب من النمط “غير الصفري” (التعاوني المصلحي). وفي المقابل، فإن العلاقة الأشد توتراً وخصومة لإيران هي مع الدولة ذات الأغلبية الشيعية (أذربيجان)، بينما تحالفها الأوثق يجمعها بأرمينيا المسيحية (بنسبة 95%).

2. غياب طوق القواعد العسكرية: تكمن المفارقة في أن هذه الدول الست لا تضم قواعد عسكرية أمريكية تشكل طوقاً خانقاً على إيران على غرار ما هو قائم في الفضاء الجغرافي العربي، رغم غنى الفضاء القوقازي والآسيوي بالنفط والغاز والممرات التجارية ومشاريع الربط الدولي.

3. متغير الاستقرار السياسي: إن معدلات الاستقرار السياسي في هذه الدول تتقارب نسبياً مع المعدلات العربية (باستثناء تركمانستان)، فجميعها تقع حالياً في خانة الاستقرار السياسي السالب (الذي يصل أقصاه إلى -2.5): أذربيجان (-0.14)، أرمينيا (-0.72)، تركيا (-0.97)، وباكستان (-2.06)، وأخيراً أفغانستان (-0.21)، وبالتالي فإن هذا المتغير لم يكن الحاسم في تشكيل طبيعة العلاقة مع إيران.

استقلالية القرار السياسي كمتغير حاسم

يبدو أن المتغير الأكثر تأثيراً في رسم هذه المعادلات هو “درجة الاستقلال في اتخاذ القرار السياسي الخارجي”. وتؤكد النماذج القياسية العلمية والمعتمدة دولياً هذا الطرح؛ مثل نموذج V-Dem interference (الذي يقيس مدى قدرة الدولة على اتخاذ قرارها بمعزل عن ضغوط القوى العظمى)، ونموذج UNGA ideal points (الذي يرصد أنماط وتغيرات التصويت في الهيئات الدولية)، أو النماذج الأكثر حداثة مثل مؤشر بورك للسيادة (Burke Sovereignty index) المتعلق بتأثير التكنولوجيا وسلاسل التوريد، ومؤشر معهد لوي للسياسة الخارجية (Lowy Foreign policy index) المبني على درجة الاستقلال الاقتصادي الإقليمي.

وتشير المخرجات العامة لهذه المؤشرات العلمية إلى وجود تقارب نسبي في مؤشر استقلالية القرار “الداخلي” بين الإقليمين العربيين (الهلال الخصيب والخليج) والإقليمين الآسيويين. لكن المفارقة تظهر عند قياس درجة الاستقلال في القرار “الخارجي”؛ حيث يبدو الفضاء الآسيوي/القوقازي متقدماً تدويرياً وبشكل ملحوظ على نظيره العربي. بل إن هذه النماذج الرياضية تضع العالم العربي في مؤشر استقلالية القرار الخارجي ضمن المجموعات الأخيرة في الترتيب العالمي، وهو المتغير البنيوي الذي يفسر — على الأرجح — فارق المسافة السياسية وشبكة التحالفات والخصومات بين إيران وفضاءاتها الجيوسياسية المتعددة.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *