نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)
مقدمة:
“جمهورية فلسطين”
منذ أن اختارت كوبا نظاماً اشتراكياً يحكم البلاد ويُسيّر قطاعاتها المختلفة، والتحالف مع الاتحاد السوفيتي في منظومة اشتراكية عالمية محكومة بقيم العدالة والسلام. اختارت واشنطن العداء العلني لكوبا وزعيمها التاريخي فيدل كاسترو، قائد الحزب الشيوعي الكوبي منذ عام 1965. وقد لا يعرف الكثيرون أن أول غزو شنته الإمبريالية الأمريكية على جزيرة كوبا كان في عام 1898، وواصلت محاولات الغزو والاحتلال حتى عام 1902.
بيد أن الأكثر شهرة في الحروب العدوانية على كوبا يتمثل في غزو أمريكا لخليج الخنازير في عام 1961، حين نفذت المخابرات المركزية الأمريكية غزواً عسكرياً فاشلاً لكوبا عبر خليج الخنازير لإسقاط الزعيم كاسترو ونظامه. على أن التدخل الأمريكي الأخطر تم في عام 1962، فيما عُرف بأزمة الصواريخ الكوبية، إذ وصل الأمر حد المواجهة النووية الأمريكية- السوفيتية بسبب قيام موسكو بنشر صواريخ سوفيتية في كوبا.
وإذا كانت إشاراتنا السابقة قد تناولت المؤامرات العسكرية الأمريكية ضد كوبا، فإن الولايات المتحدة لم تتوقف منذ عام 1958 عن محاصرة الجزيرة، إذ بدأت بحصارها التسليحي في ذلك العام، ثم أردفته بحظر للطاقة والمواد الزراعية في عام 1960، مع سلسلة من الهجمات الإرهابية والحروب التجارية وعمليات التخريب ضد مؤسسات مدنية وعسكرية.
ويمكن القول- وباختصار شديد- إنه بحلول عام 1962 كانت واشنطن قد أحكمت حصارها الاقتصادي والتجاري والمالي والتسليحي، والذي لا يزال مستمراً حتى اليوم، وإن شهد بعض التحسن في زمن الرئيس أوباما، وقبله كارتر.
ويلحظ المراقب أن العلاقة بين واشنطن وهافانا قد شهدت تخفيفاً للقبضة المتشددة على كوبا من جانب رئيس ديمقراطي مثل كارتر، يليه ريغان فيعيد القبضة الحديدية ويلغي إجراءات من سبقه. كذلك فعل أوباما، إذ فتح المجال للسفر إلى كوبا في عام 2009 وخفف الكثير من القيود التجارية، إلى أن جاء الجمهوري ترامب في عام 2017 ليعيد فرض العقوبات والحصار. على أن أقصى أنواع الحصار وأشدها تأثيراً يتمثل في حصار الطاقة ومنع الوقود وتهديد الموردين. من المؤكد أن كوبا خسرت تريليونات الدولارات منذ أن شرعت الإمبريالية الأمريكية بفرض القيود والحصارات والتهديدات على الشعب الكوبي. لكن الخطر الأشد إنهاكاً للدولة وقطاعاتها الاقتصادية والمالية والإنتاجية والزراعية وقطاعات الخدمات من تعليم وصحة ونقل وغير ذلك، هو حصار الطاقة ونقص الوقود أو غيابه.
فإذا أضفنا إلى هذه الجريمة المركبة اجتياح ترامب لفنزويلا واختطاف الرئيس وزوجته وتوقف توريد النفط إلى كوبا، أدركنا حجم المأساة التي تسببها الإمبريالية الأمريكية للشعب الكوبي.
واشنطن: مساعدات سامة
في الوقت الذي تشدد فيه الإمبريالية الأمريكية حصارها المتعدد الأبعاد والمستويات والغايات، تصدر تقارير أمريكية عن حوار جارٍ مع هافانا، بل وأكثر من ذلك، أن واشنطن مستعدة لتقديم مساعدة لكوبا بقيمة ما يقارب 100 مليون دولار لتخفيف حدة أزمة الطاقة والحصار. وجاء في الأخبار أن مدير السي آي إيه “جون راتكليف”، قد زار هافانا حاملاً رسالة من ترامب للرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، معترفاً بأن كوبا لا تشكل تهديداً للولايات المتحدة. ويضيف رئيس الاستخبارات الأمريكية: “واشنطن مستعدة للمساعدة في قضايا اقتصادية وأمنية، إذا عمدت كوبا إلى تغييرات أساسية (ودائماً المقصود هنا تغيير النظام السياسي والاقتصادي والارتماء في أحضان الإمبريالية).
وحين علم الرئيس الكوبي بالمساعدة الأمريكية (المسمومة)، قال ببساطة بالغة: “بدلاً من المساعدات، ستكون النتائج أفضل وأسرع إذا رفعتم الحظر وأوقفتم الحصار غير الشرعي”. وما يثير السخرية أن فريق ترامب السياسي سريع التعلم، وطالما أن المعلم الكبير محترف الكذب والتخريف؟؟ أو التزييف، فلا بد أن يكون وزير خارجيته تلميذاً نجيباً في هذا المضمار. إذ عقب على تلك المساعدة المسمومة بقوله إن كوبا رفضت المساعدة، من دون أن يعلن شروط أمريكا للمساعدة، والتي تتمثل في:
- الكنيسة الكاثوليكية هي من ستتولى أمر توزيع المساعدات.
- تشارك في التوزيع منظمات إنسانية مستقلة موثوقة لواشنطن.
- لا دور للحكومة الكوبية في التوزيع.
أما مدير المخابرات المركزية، ووفق مصادر إعلامية مطلعة، فقد حمل في رسالته جملة من التهديدات تقول:
- اعملوا كما يشاء الرئيس ترامب، أم تواجهون الموت.
- لا تنسوا قصة مادورو وخسارتكم 42 حارساً من حراسه”.
- ما تزال طاقة الدبلوماسية حتى الآن مفتوحة إذا استجبتم لمطالب الرئيس.
- الرئيس لن يتردد في تنفيذ خطوطه الحمراء.
- تذكروا أن الولايات المتحدة تعد الآن مذكرات اتهام ضد راؤول كاسترو، شقيق فيدل، لتأمله في إسقاط طائرتين صغيرتين قبل 30 عاماً.
(لم تَغِب عن فطنة رجل الاستخبارات الخبير أن يجتمع بحفيد كاسترو خلال زيارته لكوبا).
ماذا يقول الكوبيون؟
يدرك الكوبيون أن واشنطن تخطط أساساً لاحتلال جزيرة كوبا والهيمنة على موقعها ومواردها. وما الحظر والحصار والتهديد إلا وسائلها لإبادة حياة كريمة عاشها الشعب الكوبي ويعمل لاستمرارها خارج نطاق الهيمنة الأمريكية- شعارهم في كل المناسبات الجماهيرية قالت:
- الملايين جاهزون لصد هجمات أمريكا.
- لا نريد أن نكون مستعمرة أمريكية.
- نتصدى وننتصر.
- هناك أمر إمبريالي بقتل الشعب الكوبي من دون رصاص.
- في الأول من مايو، الذكرى المئوية لميلاد فيدل كاسترو، نزل إلى الشارع قرابة 5 ملايين كوبي من (أصل الأحد عشر مليون نسمة)، وكان شعارهم: “لا بد من الدفاع عن الوطن والثورة”.
- من الواضح أن الكوبيين يعتزون بإنجازاتهم الصحية والطبية والتعليمية والعلمية، ومكانتهم في هذه المجالات على الصعيد العالمي.
- وأهم ما رد به الكوبيون على الإمبريالية الأمريكية: “كوبا ليست دولة فاشلة، كوبا دولة تحت الحصار”.
كوبا والمرحلة الحرجة
ما يزال الرئيس الأمريكي يهدد باحتلال كوبا، مدعوماً بجوقة من الوزراء والمستشارين الصهاينة، ومتفائلاً بما حدث لحملته في فنزويلا. لكن المتشائم، بل المرعوب، من حربه العدوانية الصهيونية على إيران حيث ما يزال عاجزاً وزعيمه النتن عن التقاط الأنفاس، والخروج من مأزق متعدد الجوانب والأزمات. والآن ترامب لا يعرف طريقه تماماً، فلا غرابة أن يقوم بمغامرة مجنونة على كوبا. وقد يبدو هذا الاحتمال غير مرجح، والسبب وضعه في إيران، من حيث الواقع والتفاصيل يصعب عليه أن يغرق في حرب أخرى. لكنه لن يعدم من يقول له: هذه كوبا، معركة سهلة، لن تستغرق معك سوى ساعات، وستعوض فيها ما لحق بك وبأمريكا من خسائر وانهيارات.
هل تتحرك الصين وروسيا وتحولان دون تهور الأحمق في مغامرة أخرى غير محسوبة العواقب والنتائج؟ تبدو الإجابة عن هذا التساؤل معقدة، بل تتطلب وقتاً طويلاً نسبياً، ريثما يخرج الأحمق من وحل إيران.
المصدر | مجلة الهدف العدد (83) (1557)





