“الحكومة التي لا تملك استقلالية قرارها الاقتصادي، لا يمكنها أن تتبنى مواقف أخلاقية أو إنسانية مستقلة تجاه قضايا التحرر”

لندن – “جمهورية فلسطين”

​لم تكن استقالة كير ستارمر مجرد خروج لمسؤول من “داونينغ ستريت”، بل هي الإعلان الرسمي عن إفلاس “الخيار الثالث” الذي حاول حزب العمال البريطاني تسويقه كبديل “عصري” وعقلاني. فبعد أقل من عامين على وصوله للسلطة، سقط “وهم التغيير” الذي جاء به ستارمر، تاركاً خلفه نظاماً سياسياً يعاني من التحلل، وأزمات اجتماعية لم تعد الشعارات الانتخابية قادرة على تجميلها.
لقد راهن ستارمر طوال فترة حكمه على كسب ثقة المؤسسات المالية ومراكز القوة في حي المال اللندني، عبر تبني سياسات اقتصادية لا تختلف في جوهرها عن إرث المحافظين؛ وبدلاً من أن يشكل الحزب حائط صد أمام سنوات التقشف، تحول إلى أداة لتكريسها. هذه “الخيانة الطبقية” لمواقف الحزب التاريخية تجاه العمال والشباب والمطالب الشعبية هي التي فجرت أزمة الثقة التي أدت في النهاية إلى هذا السقوط المدوي، حيث جاءت الاستقالة كاعتراف ضمني بعجز النخبة السياسية عن تقديم حلول حقيقية للأزمات البنيوية كارتفاع تكاليف المعيشة وانهيار الخدمات العامة وأزمة السكن، فبينما كانت الحكومة منشغلة في ترميم تحالفاتها مع النخب الاقتصادية، كان ملايين البريطانيين يكتوون بنار التضخم، وهذا الفصام بين “سياسات القصور” و”واقع الشارع” هو الذي مهد الطريق لصعود تيارات اليمين الشعبوي التي تتغذى على غضب الجماهير المحرومة من تمثيل حقيقي.
​إن هذه الأزمة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها “كبوة” عابرة لحزب العمال، بل هي دليل إضافي على مأزق النظام الحزبي التقليدي الذي فقد قدرته على التجديد، حيث إن البحث عن خليفة لستارمر داخل أروقة الحزب، دون إحداث قطيعة جذرية مع نهج التبعية لرأس المال، لن يكون أكثر من تغيير في الوجوه ولن يمس جوهر الأزمة.

إن استقالة ستارمر ليست مجرد حدث إجرائي، بل هي لحظة انكشاف مدوية لفشل مشروع “اليسار النيوليبرالي” بأسره، إذ إن هذا السقوط هو نتيجة حتمية لـ “الخيانة الطبقية” التي مارسها الحزب بحق جذوره؛ فقد حاول ستارمر تقديم يسار مقبول من قبل دوائر المال، وهو ما أدى إلى فصام سياسي بين طموحات الشعب وخطاب النخبة، وهو ما يثبت أن أي محاولة للالتفاف على تطلعات الطبقات العاملة لن تؤدي إلا إلى تآكل الشرعية.

إن الأزمة البريطانية هي برهان قاطع على استحالة إصلاح النظام من الداخل عبر تدوير الوجوه؛ فالنموذج الذي اتبعه ستارمر في “ترقيع” سياسات السوق الحرة لا يعالج أسباب الأزمة البنيوية، بل يؤجل الانفجار الشعبي. وفي هذا السياق، تبرز السياسات الخارجية كعامل حاسم في هذا السقوط؛ إذ إن النظام السياسي الذي رهن قراره الاقتصادي لمؤسسات التمويل الدولية والشركات العابرة للقارات، كان محكوماً عليه بالتبعية في سياساته الخارجية أيضاً.
وقد تجسد هذا الانحياز في أبشع صوره حين تبنت حكومة ستارمر دعماً مطلقاً لحرب الإبادة على غزة، وبلغ هذا الانحياز ذروته في تبريره الفج لقطع “الكهرباء والمياه عن سكان غزة” بوصف ذلك “حقاً للدفاع عن النفس”.
إن هذا الموقف لم يكشف فقط عن ارتهان كامل للإدارة الأمريكية، بل أكد حقيقة راسخة: الحكومة التي تُصادر استقلاليتها الاقتصادية، تعجز حتماً عن تبني مواقف أخلاقية مستقلة تجاه قضايا التحرر، وبذلك سقط ستارمر لأنه اختار الانحياز للجلاد، معمقاً الهوة بينه وبين القاعدة الشعبية والشبابية الرافضة للاستعمار.

إن رحيل ستارمر ليس حلاً للأزمة، فالمعضلة ليست مرتبطة بشخصٍ بقدر ما هي تجسيد لأزمة نهجٍ متكامل؛ لذا، فإنَّ المطلوب يتجاوز مجرد استبدال رئيس وزراء بآخر، ليفرض ضرورة القطيعة مع النموذج النيوليبرالي الذي صادر السياسة، وهَمّش الحقوق العمالية، وأخضع القرار لمصلحة رأس المال. ومن هنا، يبرز التحدي الحقيقي؛ ليس في البحث عن بديلٍ لستارمر، بل في التأسيس لبديلٍ جذريٍ للنهج النيوليبرالي ذاته؛ بديل يضع مصالح الكادحين، وحق الشعوب في التحرر والسيادة، في صلب أي مشروع سياسي قادم.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *