بقلم | بيسان عدوان – “جمهورية فلسطين”

بعد ما يقارب ألف يوم من الحرب على غزة، لم يعد السؤال: “كيف نخاطب المجتمع الإسرائيلي؟”، بل: “أي واقع سياسي وأخلاقي يسمح أصلاً بطرح هذا السؤال؟”.

 أثار مقال الدكتورة دلال عريقات في مجلة “صبرة” موجة من الانتقادات وحملات التشويه، طالت الكاتبة ومقالها الموجه للجمهور الإسرائيلي، وكذلك المجلة بصفتها منصة إعلامية داخل الكيان الصهيوني، ورغم فلسطينيتها رؤيتنا وتحريرا وقائمين عليها، يظل من حقنا مناقشة ما تنشره ونقده دون التشكيك في هويتها الوطنية أو التزام القائمين عليها بالمسألة الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين.

المسألة هنا تتجاوز مجلة “صبرة” أو شخص دلال عريقات، لتصل إلى التيار السياسي والفكري الذي تمثله؛ وهو تيار لا يزال يصر، بعد أكثر من ثلاثة عقود على اتفاقية أوسلو، على قراءة الصراع بمنطق “التسوية المؤجلة”، ويواصل الرهان على جمهور إسرائيلي يفترض أن كل ما يحتاجه هو من يخاطبه بالرواية الفلسطينية. في المقابل، تكشف الوقائع اليومية في الضفة الغربية وقطاع غزة أن المشروع الاستعماري الاستيطاني يمضي في اتجاه معاكس تماماً. 

توجيه الانتقادات ومساءلة هذا التيار ليس سجالاً شخصياً، بل مساءلة سياسية لرؤية أثبتت التجربة إخفاقها في قراءة طبيعة المجتمع الإسرائيلي، وفي إدراك التحولات العميقة في بنية المشروع الصهيوني. وقد اسهمت هذه الرؤية في تغييب واقع الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال والاستيطان والحصار، والإبادة الجماعية في غزة وقتل الأسري والتنكيل بهم ومشروع اعدامهم الذي اقره الكنيست الإسرائيلي في بداية عام 2026.  وكأن المأساة القائمة لا تستدعي مراجعة جذرية لفرضياتها الأساسية، بل مجرد مزيد من الرسائل الموجهة إلى جمهور لم يثبت، طوال عقود، أنه قادر أو راغب في تغيير المسار الذي اختاره مجتمعه ودولته.

 بعد عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، ومحو أحياء كاملة من الوجود، وتدمير الجامعات والمستشفيات والمدارس، وتجويع السكان، وتهجير معظم أهل القطاع مرات متتالية، لم تعد القضية أزمة سوء تفاهم بين شعبين، ولا أزمة روايات تحتاج إلى مزيد من الشرح. لقد انكشف جوهر العلاقة كما هو: علاقة استعمار استيطاني يستخدم أقصى درجات القوة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا معاً. 

في مثل هذا السياق، تصبح الرسائل المفتوحة إلى الجمهور الإسرائيلي أقرب إلى إنكار الواقع منها إلى ممارسة سياسية مسؤولة. كيف يُطلب من شعب يعيش كل هذا العنف أن يخاطب المجتمع الذي تُرتكب الجرائم باسمه وكأنه يقف خارج المشهد؟ وكيف يُطلب من أم انتشلت أبناءها من تحت الركام أن تؤمن بأن المشكلة كانت في اللغة، لا في البنية الاستعمارية نفسها؟

المصالحة التي يتحدث عنها تيار السلطة الفلسطينية عبر دعوات ” السلام ” وحل الدولتين” ليست تمريناً أخلاقياً تطلبه الضحية من نفسها، بل نتيجة لمسار يبدأ بالعدالة والمساءلة وتفكيك منظومة السيطرة. أما مطالبة هذا التيار للفلسطيني ب “العنف يولد العنف”، و “ضرورة نبذ العنف” أي الدعوة للبدء بالتسامح بينما تستمر آلة الاقتلاع والقتل والتهجير في عملها، فهي ليست دعوة إلى السلام، بل مطالبة للمستعمَر بالتكيف مع استعماره.

 لهذا تبدو رسالة عريقات أكثر من مجرد موقف سياسي؛ إنها تعبير عن بنية فكرية لم تغادر أوسلو حتى بعد أن غادرتها إسرائيل نفسها. ما زال هذا الخطاب يتعامل مع المجتمع الإسرائيلي بوصفه جمهوراً لم تصله الرواية الفلسطينية بعد، الذي شاهد مع العالم القتل الممنهج للفلسطينيين في غزة على شاشات التلفاز وفي وسائل التواصل الاجتماعي على مدار ثلاث سنوات دون أن يحرك ساكنا.

لذلك فإن افتراض أن مقالة بالعربية أو رسالة انتخابية ستفكك هذه البنية ليس قراءة سياسية، بل استمرار لوهم قديم أثبت الواقع إفلاسه. ثم أين هو ذلك “تيار السلام” الذي يُطلب من الفلسطينيين أن يراهنوا عليه؟ إذا كان موجوداً، فأين كان خلال هذه الحرب؟ أين كان عندما تحولت غزة إلى مساحة للموت الجماعي؟ أين كانت قدرته على وقف القصف، أو منع التجويع، أو رفض التهجير، أو حتى إسقاط حكومة واحدة أو تغيير سياسة واحدة؟ وأين كان عندما تسارعت وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية، وتحولت مصادرة الأرض إلى سياسة يومية؟ 

تشير الوقائع، كما تعكسها استطلاعات الرأي الإسرائيلية نفسها، إلى أن المشكلة لم تكن يوما نقصا في المعرفة بالرواية الفلسطينية، بل فائضا في القناعة الأيديولوجية التي تحكم نظرة المجتمع الإسرائيلي إلى الصراع.  ففي الأشهر الأولى من الحرب لم يؤيد وقفها سوى نحو 10% من اليهود الإسرائيليين، وحين ارتفعت نسبة المؤيدين لإنهائها عام 2025 إلى نحو 66%، لم يكن ذلك نتيجة مراجعة أخلاقية للحرب أو رفضا لا سمح الله لما خلّفته من دمار هائل في غزة، بل لأن الأولوية أصبحت استعادة الرهائن، كما أن الحرب استنفدت أهدافها العسكرية وعلينا أن نذهب إلى أبعد من غزة وهو ” العدو الرئيسي والأخطر” إيران وجنوب لبنان.

تلك التحولات ليست معارضة جوهرية للاحتلال أو الاستيطان، بل هي في أولويات النظرية الأمنية للكيان الصهيوني ومجتمعه الذي تشكّل وعيه داخل المشروع الصهيوني بيساره ويمينه بتياره العلماني أو الديني، بمن يعملون في الهياكل المدنية أو من يخدمون بالبني العسكرية.  لقد بُني هذا الوعي على دمج السردية الدينية بالقومية الحديثة، وعلى تحويل الاستيطان إلى فعل خلاص، وإعادة تعريف الفلسطيني بوصفه عقبة ديموغرافية وتهديداً أمنيا ً يجب التخلص منه بالقتل والتهجير.    

الحقيقة التي يصعب على أنصار التسوية الاعتراف بها هي أن ما يسمى “معسكر السلام” فقد موقعه المركزي داخل المجتمع الإسرائيلي منذ سنوات طويلة. انتقلت مراكز القوة إلى اليمين القومي والديني، ولم يعد الحديث يدور حول إنهاء الاحتلال، بل حول إدارة الفلسطينيين أو إقصائهم أو إعادة تشكيل وجودهم بما يخدم المشروع الاستيطاني. لهذا فإن مخاطبة “الجمهور الإسرائيلي” بوصفه كتلة تنتظر من يشرح لها القضية الفلسطينية لا تختلف كثيراً عن الاعتقاد بأن الاستعمار كان ينتظر فقط صياغة أفضل للشكوى.

 كان إدوارد سعيد يرى أن الخطيئة الكبرى لأوسلو لم تكن فقط في التنازل عن الحقوق، بل في إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني نفسه. فقد أُعيد تعريف القضية من قضية تحرر وطني إلى نزاع إداري، ومن صراع ضد استعمار استيطاني إلى خلاف بين طرفين متكافئين يحتاجان إلى بناء الثقة.

وهكذا تحولت السلطة من أداة يفترض أن تقود التحرر إلى غاية قائمة بذاتها، وتحول استمرارها إلى أولوية تتقدم أحياناً على استمرار المشروع الوطني.  لم يكن ذلك مجرد خطأ تفاوضي، بل تحولاً معرفياً كاملاً. فقد جرى استبدال مفردات التحرر بمفردات الإدارة، والحقوق التاريخية بملفات تفاوضية، والاستقلال بالتنسيق، والسيادة ببناء المؤسسات تحت سيادة المحتل.

 ما نشهده اليوم وعلى مدار ثلاثين عاما ليس انهيار عملية سلام، بل انهيار منظومة فكرية كاملة قامت على افتراض خاطئ: هو ” أن الاستعمار يمكن أن يتخلى طوعاً عن امتيازاته إذا أحسن المستعمَر مخاطبته”. ولا أعرف من اين وصلت تلك النظرية فالاستعمار لا يفقد امتيازاته الا إذا أجبر على ذلك سياسيا وقانونيا وتاريخيا. 

لقد ابتلع الاستيطان الجغرافيا التي وعدت بها أوسلو، وأخرج القدس من أي مسار تفاوضي، وحول الضفة الغربية إلى أرخبيل من الجيوب المعزولة، بينما تعرضت غزة لإبادة جماعية ودمار غير مسبوق.  وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الحديث عن “حل الدولتين” توصيفاً لمشروع سياسي قائم، بل تكراراً لخطاب دبلوماسي فقد صلته بالوقائع.

لا يحتاج الفلسطينيون إلى رسائل جديدة تُكتب بالعبرية أو بالإنجليزية لمخاطبة الجمهور الإسرائيلي أو الممول الغربي وحكوماته الأوروبية، بل يحتاجون إلى مراجعة فلسطينية جذرية تُكتب بلغة التحرر. مراجعة تعترف بأن خطورة هذا النهج ليس فيما منحه للاحتلال، بل فيما انتزعه من الوعي الوطني الفلسطيني، واقنع به النخب والمثقفين والقيادات بأن الاستعمار يمكن إدارته، والحرية يمكن التفاوض عليها، والمستعمِر قد يتخلى يوماً عن مشروعه إذا وجد الرسالة المناسبة.

والتاريخ، في فلسطين كما في كل تجارب الاستعمار الاستيطاني، يقول العكس تماماً.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *