عقدت السلطة الفلسطينية و”مجلس السلام” اجتماعًا رسميًا ثالثًا لمكتب التنسيق المشترك، على هامش اجتماع مجموعة المانحين في بروكسل، لبحث آليات “تسريع” إيصال الخدمات إلى قطاع غزة، في اعتراف ضمني بأن السلطة لم تعد المرجعية الإدارية الوحيدة في القطاع، بل أصبحت تتفاوض مع جهات خارج هيكلها المؤسسي كشريك ند، وليس كجهة مفوضة بصلاحياتها الطبيعية.
والمؤسف أن هذا الاجتماع الذي ضم رئيس الوزراء محمد مصطفى، والممثل الأعلى لـ”مجلس السلام” نيكولاي ملادينوف، ومفوضين عن “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” – التي تأسست بقرار دولي (القرار 2803 وخطة ترامب) وليس بقرار وطني – يؤكد أن السلطة تنازلت عن دورها كمرجعية سياسية وإدارية وحيدة، واكتفت بدور منسق بين أطراف متعددة، في سابقة تنبئ بتفتيت ممنهج للكيان الفلسطيني.
فبدلاً من أن تكون السلطة هي الجهة المعنية مباشرة بتسيير شؤون غزة، واستلام مهامها السيادية، نراها تشارك في “تنسيق” المبادرات مع لجنة لم تباشر مهامها بعد، ولم تدخل القطاع، وسط غموض من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي حول أسباب ذلك. وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: كيف تتفاوض السلطة على تسليم نفسها صلاحياتها؟
وكان أشد ما يُستنكر في البيان الصادر عن “اللجنة الوطنية” هو تأكيد مفوضها العام علي شعث أن اللجنة “جاهزة فوراً” لتولي المسؤوليات المدنية والأمن الداخلي، في تجاوز صريح لدور السلطة التي يفترض أن تكون صاحبة القرار الأول والأخير في الإدارة، وليس مجرد طرف في طاولة مفاوضات مع كيانات دولية ولجان موازية.
وفي السياق، أعلن المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة استقالة رئيس لجنة الطوارئ الحكومية، “تأكيداً لجدية الإجراءات، وتسهيلاً لانتقال إدارة القطاع إلى اللجنة الوطنية” – وهي خطوة تُقرّ عملياً بأن السلطة ليست هي المعنية باستلام المهام، بل جهة خارجية هي التي ستدير غزة، في حين تبقى السلطة في الضفة تكتفي بحضور الاجتماعات الدولية وتلقي التعهدات المالية.
إن تحويل العلاقة بين مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني إلى “علاقة تنسيقية” مع لجان لا تملك شرعية وطنية، هو تنازل عن جوهر الدولة الفلسطينية ووحدتها، وتفريغ لماهية السلطة كمرجعية إدارية عليا. فالمفترض أن تكون السلطة هي صاحبة الولاية على كل الأراضي الفلسطينية، وأن أي ترتيب لإدارة غزة يجب أن يمر عبر مؤسساتها، لا أن تكون شريكاً في تنسيق مع جهات تفوقها صلاحيات دولياً.
إن المجتمع الدولي، الذي يضخ مليارات الدولارات عبر مبادرات مثل “فريق غزة”، يمارس دوراً خطيراً في ترسيخ هذا التشرذم، حين يتعامل مع السلطة كجهة منافسة وليست مرجعية، ويُمول لجاناً موازية تحت عنوان “الإغاثة”، بينما الحل الوحيد المستدام هو إعادة الاعتبار للسلطة الفلسطينية كإطار شامل لإدارة غزة والضفة، لا كطرف في مفاوضات هشة على هامش المؤتمرات.
المصدر: بوابة الهدف الإخبارية





