ينشر موقع “فيفا فلسطين” هذا التحقيق الاستقصائي، نقلاً عن التحقيق الأصلي الذي نُشر في موقع “النقد السياسي” البولندي (Krytyka Polityczna)، للصحفي بافيل يندرال (Paweł Jędral)، مع ترجمة وتحرير يحافظان على وقائع التحقيق وقوته الاستقصائية.
يكشف التحقيق كيفية عمل منظمة ELNET CEE، التي تُوصف بأنها أخطر وأهم منظمة نفوذ إسرائيلية تعمل في منطقة أوروبا الوسطى والشرقية، ومقرها وارسو، وتظهر التحقيقات أن هذه الشبكة التي تعمل منذ أكثر من عقد، نسجت علاقات مع عشرات السياسيين البولنديين من جميع الأطياف، متجاوزة كل الانقسامات الحزبية، بينما تظل تفاصيل تمويلها ونشاطها الحقيقي غامضة ومختفية عمداً.
ELNET CEE مؤسسة مسجلة رسمياً في بولندا، لكنها ليست مجرد منظمة غير حكومية عادية، بل هي الذراع الإقليمي لشبكة ELNET الدولية التي تأسست على يد شخصيات محورية من “اللوبي الإسرائيلي” في أمريكا (AIPAC). وبينما بدأت وسائل الإعلام الأوروبية في كشف نشاط فروعها في ألمانيا وفرنسا، يظل المكتب المركزي في وارسو، الذي يغطي أوروبا الشرقية والوسطى بأكملها، غامضاً إلى حد كبير، وكأنه يعمل خلف جدار من الصمت.
كانت المنظمة تعمل في بولندا باسم “ELNET-Poland” منذ عام 2014، قبل أن تُسجل رسمياً في يناير 2020، ومنذ ذلك الحين نسجت شبكة معقدة من العلاقات مع عشرات السياسيين البولنديين. وعلى مدار أكثر من عقد، تفاعل مكتب وارسو مع هؤلاء السياسيين عبر رحلات دراسية إلى إسرائيل، ومؤتمرات، ولقاءات مغلقة، وهي ليست علاقات عابرة، بل استراتيجية ممنهجة لـ “لصق” أكبر عدد ممكن من صناع القرار بالمنظمة.
في معسكر “الائتلاف المدني” (KO) وحزب “المنصة المدنية” (PO)، شاركت كل من كاتارزينا بيكارسكا، وأليسيا ليبكوفسكا-غولاش، وكلوديا ياخيرا التابعة رسمياً للخضر، في رحلة دراسية إلى إسرائيل في مارس 2025، ركزت على أنظمة الدفاع المدني وإدارة الأزمات. واعترفت ياخيرا صراحةً لوكالة الأنباء البولندية (PAP) بأن ELNET تكفل بكل تفاصيل الرحلة، وأنها تعرف المنظمة منذ بداية عملها في البرلمان عام 2019. كما شارك ماسيي روتكا العضو السابق في اليسار والمنتمي حالياً إلى PO في رحلات ELNET، وينتمي إلى المجموعة ذاتها ميشال شتشيربا، النائب السابق عن PO وعضو البرلمان الأوروبي حالياً ورئيس المجموعة البرلمانية البولندية-الإسرائيلية، الذي شارك في تنظيم ورعاية لقاءات مع خبراء إسرائيليين بالتعاون مع ELNET ومكتب مجلس الشيوخ. ودعم توماش غرودزكي، رئيس مجلس الشيوخ السابق، وافتتح فعاليات مجلس الشيوخ المتعلقة بالعلاقات البولندية-الإسرائيلية بحضور ELNET كشريك رسمي. وتبرز بياتا مالييتسكا-ليبيرا، عضوة مجلس الشيوخ عن KO، كأبرز الشخصيات في العلاقات البرلمانية مع تل أبيب، إذ بحسب وسائل إعلام إسرائيلية قادت في 2023 برفقة نائب رئيس مجلس الشيوخ ميشال كامينسكي وفداً ضم 13 برلمانياً بولندياً إلى إسرائيل، التقوا خلاله بالرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ وأعضاء الكنيست، وزاروا مؤسسات إدارة الأزمات ومستشفى رمبام والحدود الشمالية لإسرائيل. كما حضرت أليسيا خيبيتسكا لقاءً حول الخبرة الإسرائيلية في التطعيم ضد كوفيد-19، نظمته ELNET بالتعاون مع المجموعة البرلمانية.
في معسكر “حزب القانون والعدالة” (PiS)، شارك ياروسواف سيلين، النائب السابق ووزير الثقافة السابق، في رحلة ELNET إلى إسرائيل في مارس 2025، وظهر ميشال سيفيرينسكي، عضو مجلس الشيوخ عن PiS، في تقرير ELNET عن لقاء في مجلس الشيوخ مع عضوة الكنيست شيلي تال ميرون في يناير 2024. بينما حضر فالديمار كراسكا، عضو مجلس الشيوخ عن PiS ووزير الصحة السابق، وتوماش لاتوس، النائب السابق ورئيس لجنة الصحة البرلمانية السابق، لقاءً مع الخبير الإسرائيلي لكوفيد البروفيسور ران باليسر بالتعاون مع ELNET. هناك حالة خاصة هي يان كريستوف أردانوفسكي، وهو حالياً نائب في دائرة “الديمقراطية المباشرة” وكان سابقاً وزيراً للزراعة في حكومة PiS، وعلاقته بـ ELNET متعددة المسارات، إذ شارك في رحلة استطلاعية إلى إسرائيل عام 2025 وتحدث لوسائل الإعلام عن حلول الدفاع المدني الإسرائيلية، وقبل ذلك بصفته وزيراً افتتح مؤتمراً كان ELNET شريكاً فيه، مؤكداً على ضرورة التعاون مع إسرائيل في مجالات إدارة المياه والتجارة.
في معسكر اليسار (Lewica)، شاركت آنا ماريا جوكوفسكا، رئيسة كتلة اليسار البرلمانية، في رحلة ELNET CEE إلى إسرائيل في مارس 2025، إلى جانب فويتشيخ كونيتشني. وفي معسكر “الطريق الثالث” (Trzecia Droga)، قاد ميشال كامينسكي، نائب رئيس مجلس الشيوخ، وفد ELNET إلى إسرائيل عام 2023، وفي 2024 استضاف في مجلس الشيوخ لقاءً مع عضوة الكنيست تال ميرون بالتعاون مع ELNET.
في 24 يونيو، أرسل المحقق أسئلة إلى 26 سياسياً حول مشاركتهم في مشاريع ELNET ومصادر التمويل وتفاصيل الرحلات، لكن الأغلبية الساحقة ومن بينهم جميع المذكورين أعلاه تجاهلوا الأسئلة تماماً رغم تأكيدات استلامهم للرسائل. وكان الاستثناء الوحيد هو رادوسواف سيكورسكي، وزير الخارجية الحالي، حيث رد متحدث باسمه نافياً مشاركته في أي فعاليات لـ ELNET، لكن المفاجئ أن ELNET نفسها كانت تدرج سيكورسكي علناً كشخص مشارك في “حملة النرجس” التي تنظمها سنوياً، مما يشير إلى أن المنظمة كانت تستخدم اسم الوزير دون علمه فقط لربط نفسها بالشخصيات اللامعة في محاولة لتوسيع دائرة نفوذها. ونموذج تواصل ELNET يعتمد على إلصاق نشاطها بأكبر عدد ممكن من المؤسسات والأسماء المعروفة حتى لو كان هؤلاء السياسيون لا يدركون حجم التورط، ومثال آخر هو الوزير السابق زبيغنيو راو الذي شارك في حملة النرجس بناءً على دعوة من ELNET، لكن موقفه الناقد لإسرائيل في غزة يوضح أنه كان يظن أنها مجرد مبادرة من متحف بولين وليس فعالية لوبي إسرائيلي.
منذ عام 2023، تحولت ELNET CEE من مكتب محلي إلى مركز إقليمي يشمل تشيكيا وسلوفاكيا ودول البلطيق ورومانيا، وتنظم المنظمة وفوداً رفيعة المستوى باستمرار، وتتعاون مع منتدى وارسو للأمن ومكتب الأمن الوطني البولندي. ففي يونيو 2022 نظمت رحلة إلى إسرائيل لمدة ثلاثة أيام لمسؤولين وبرلمانيين وخبراء من بولندا ودول البلطيق ركزت على أمن الحدود والإدارة الإلكترونية والدفاع السيبراني، وزار المشاركون قيادة الجيش الإسرائيلي والحدود مع لبنان وأنفاق حزب الله ومقر شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية. وفي فبراير 2024 استضافت المنظمة في إسرائيل وفداً من ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا لبناء علاقات عمل مباشرة مع الكنيست والجيش الإسرائيلي.
أحد أكثر مجالات نشاط ELNET خبثاً هو ملف “الأمن والصمود المدني”، ففي 2022 جلبت المنظمة خبراء إسرائيليين في علاج الصدمات الحربية واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) لتدريب بولنديين وأوكرانيين يعملون مع اللاجئين، مدعية تدريب 150 شخصاً ثم تحدثت عن برنامج يشمل 2000 مختص. وفي يوليو 2023 نظمت بالتعاون مع مدرسة رمبام للصدمات ومستشفيات بوميرانيا تدريباً في مستشفى ويخيروفو حول “إدارة المستشفيات في الأزمات” قاده خبراء إسرائيليون في التعامل مع الحوادث الجماعية. أما الحدث الأكثر إثارة للجدل فكان مؤتمر “NexTech Warsaw 2026” في 27-28 مايو 2026 بفندق وارسو بريسيدنتال، حيث شاركت ELNET كشريك رسمي في مؤتمر مخصص لتقنيات الدفاع والأنظمة غير المأهولة والأمن السيبراني مع التركيز على الجناح الشرقي لحلف الناتو. وضمت قائمة المشاركين سفارات إسرائيلية ووزارات إسرائيلية للدفاع والاقتصاد وضباطاً كباراً من الجيش الإسرائيلي، مما أثار احتجاجات حاشدة في وسط وارسو، ووصف المتظاهرون بعض المشاركين بأنهم “مجرمي حرب إسرائيليين”، خاصة جوناثان باركات، ضابط الاحتياط الإسرائيلي السابق وقائد برنامج الطائرات بدون طيار في القوات الخاصة، والذي تم الترويج لخبرته القتالية في غزة، واتهم المحتجون المؤتمر بـ”شرعنة الإبادة الجماعية” في قطاع غزة.
عندما بدأ المحقق بالبحث، اكتشف أن ELNET CEE تنتهك القانون البولندي الذي يلزم المؤسسات بنشر تقاريرها السنوية علناً، فتقدم بطلب رسمي إلى وزارة الخارجية البولندية للحصول على هذه التقارير، فجاء الرد صادماً بأنه باستثناء تقارير 2020 و2021، لم تقدم المؤسسة أي تقارير عن سنوات نشاطها اللاحقة. وعندما اتصلت الوزارة بالمؤسسة، رفضت ELNET تقديم التقارير للصحفي وأحالته مرة أخرى إلى الوزارة مدعية أنها تلتزم بالقانون، لكن الحقيقة أن المنظمة التي تنظم مئات الفعاليات وترعى عشرات السياسيين تتجاهل واجباتها القانونية الأساسية بشفافية التمويل. والأكثر إثارة للريبة أنه بمجرد أن بدأ المحقق تحقيقاته العلنية ونشر أول مقال عن ELNET في منتصف يونيو، اختفى الموقع الإلكتروني للفرع البولندي فجأة وتحول إلى صفحة “قيد الإنشاء”، مما أدى إلى محو آلاف المواد والأدلة على نشاطاتهم السابقة. ويُذكر أن وزارة الخارجية البولندية اعترفت بأن ELNET تلقت تمويلاً عاماً بقيمة أكثر من 100 ألف زلوتي في 2022 لإعداد دراسة حول “استراتيجية الاتحاد الأوروبي لمكافحة معاداة السامية”، لكنها رفضت كشف التفاصيل بحجة حماية حقوق النشر.
يصنف المحقق ELNET CEE رسمياً كـ “منظمة نفوذ سياسي إسرائيلية” هدفها الرئيسي بناء شبكة علاقات سياسية ومؤسسية دائمة، والترويج للرواية الإسرائيلية في الإعلام البولندي والفضاء العام، وتشجيع التعاون الاقتصادي والدفاعي مع إسرائيل، وتطييب جرائم الحرب الإسرائيلية وتبرير السياسات التوسعية عبر تغليفها بلغة الخبرة الأمنية ومكافحة الإرهاب. وتستغل المنظمة الذاكرة المؤلمة للمحرقة والخوف الروسي من الحرب وتهديد الطائرات الإيرانية لتسويق التقارب الاستراتيجي مع إسرائيل كضرورة وجودية لبولندا. من الناحية النظرية تسمح الدول الديمقراطية بوجود منظمات نفوذ للحلفاء شرط أن تكون شفافة وعلنية، لكن المشكلة هنا أن هذا “الحليف” يرتكب جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة بحسب تقارير الأمم المتحدة، ويمارس نشاطاً تضليلياً معادياً في الفضاء الإعلامي البولندي لدرجة أن المؤسسات الأمنية البولندية اضطرت للتحذير من ذلك. ولا يمكن إطلاق حملة مطاردة لكل من تعاون مع ELNET خاصة قبل أكتوبر 2023، لكن السياسيين اليوم يتحملون مسؤولية أخلاقية وقانونية؛ فعليهم الكشف عن علاقاتهم مع هذه المنظمة.
في ختام هذا التحقيق، لا يسعنا إلا التأكيد على أن ما كشفه موقع النقد السياسي البولندي ليس حالة معزولة، بل هو نموذج لما تقوم به آلة “الهاسبرا” الإسرائيلية والنشاط الصهيوني الممنهج عالمياً، حيث تسير كل هذه المؤسسات على النمط ذاته الذي أرسته آيباك في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن فظاعة الإبادة الجماعية في قطاع غزة فجرت غضباً شعبياً غير مسبوق عالمياً، وامتدت المقاومة الشعبية إلى الفضاء الرقمي والمسارات الدبلوماسية والشعبية لكسر الحصار، مما أدى إلى محاصرة وكشف هذه المؤسسات الصهيونية التي طالما عملت في الظل. المعركة معركة وعي وتحرر، وعلى المؤسسات المتضامنة مع الشعب الفلسطيني مواصلة العمل لفضح هذا النشاط، وعدم السماح لإسرائيل بتبييض وجهها عبر حملات العلاقات العامة المزيفة.
رابط المقال الأصلي على موقع “النقد السياسي” البولندي (Krytyka Polityczna):
نُشر في موقع فيفا فلسطين (Viva Palestyna)
عمر فارس





