غزة – خاص “جمهورية فلسطين”
تحت ركام عمارة “السعادة” في شارع الثلاثيني، لم تكن الحجارة هي المنهارة وحدها، بل كانت تتهاوى هناك أحلام أسرٍ بأكملها ظنت أن ما بقي من أسقفٍ متصدعة قد يستر رمق الحياة. في تمام الساعة الثانية فجراً، حين كان الأطفال يلوذون بعباءات أمهاتهم طلباً لأمانٍ مفقود، استسلم الـ “باطون” المجهد لقسوة الجراح القديمة، ليطبق على أنفاس أربعٍ وعشرين شقة، ويتوقف الزمن فجأة تحت أطنان من الأسمنت والغيوم الغبارية الخانقة مخلّفاً نحو أحد عشر شهيداً وخمسة عشر جريحاً، بينما يصارع أكثر من ستين مفقوداً الموت تحت الركام.
إن هذا الانهيار لم يكن مجرد حادثٍ عابر، بل هو موتٌ مؤجلٌ كُتب على أسرٍ أفقرها الحصار وضاقت بها سبل الأمان؛ حيث تتحول الأسقف المتصدعة بفعل القصف القديم إلى مصائد صامتة تتربص بالبسطاء والنازحين. إنها الجريمة التي لا تتوقف عند لحظة الانفجار، بل تمتد لتطارد الناس في منازلهم المتهالكة، وتجعل حتى حقهم في البحث عن سقفٍ آمن مجرد حلمٍ يسحق تحت وطأة العجز والقهر.
هناك، عند أطراف الركام، تعجز الكلمات ويقف الدفاع المدني بأيدٍ مدماة وأدوات يدوية بدائية يُحفر بها الصخر، نادوا بحشرجة أرواحهم: “نحن نسمع أصواتهم من تحت الأرض.. نسمع صراخ أطفال يرجون قطرة ماء، ولكن كيف نصل إليهم بلا جرافات؟ كيف ننشلهم والآلات ثقيلة ومحروقات الإنقاذ مقطوعة بفعل الحصار؟”. أطقم الإنقاذ تقف أمام جبال الإسمنت بلا إمكانيات، تتنفس القهر وهي تسمع أنفاساً تحت الركام تخبو شيئاً فشيئاً، تحول بينها وبين الحياة أمتار من الركام وقسوة واقع يمنع حتى إدخال المعدات لانتشال الأحياء.
وعلى جبهة هذا القهر، يبرز وجه الرائد محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني، لا كمسؤولٍ يمارس بروتوكول الإعلان، بل كإنسانٍ يتهاوى قلبه قبل قدميه وهو يحمل بين يديه جثامين الأطفال الغضة. يقف أمام الكاميرات المجهدة، بملامحه المغبرة وصوته المبحوح الذي يختنق بالعبرة، ليصرخ بقلبٍ مكلوم: “أما آن لهذه الأجساد الطرية أن تستريح؟ ألا يكفي غزة هذا الموت؟”. صرخةٌ اختصرت مأساة رجلٍ يرى أطفاله يُنتشلون أشلاءً من تحت الركام، ويقف بين أيدي أطقمٍ تُصارع الموت بصدورها العارية.
ومن بين الركام، كانت تُسمع شهادة أحدهم وهو يصرخ بين دموعه: “كان عبد الله نائماً بجواري، لمس يدي قبل السقوط بثوانٍ وقال لي: يابا أنا خائف.. انشق السقف وهوى كل شيء، يده أفلتت يدي، والآن لا أسمع إلا صوت الصمت!”. وأمٌ أخرى تلطخ وجهها بالرماد، تبحث بين الحطام عن دفتر رسم لابنتها أو قطعة من ثوبها، تصرخ للسماء: “أخرجوا لي جثتها حتى أودعها.. لا تتركوها في العتمة!”.
إن ما يجري تحت أنقاض “السعادة” يضع الضمير العالمي كلياً تحت المجهر، ويكشف عورة منظومة تُشرعن خنق الشعوب وتتغاضى عن الضحايا وهم يُحرمون حتى من حق الإنقاذ! ألم يأن لهذا العالم أن يستفيق من غيبوبة الضمير؟ ألم تتخثر الدماء بما يكفي في شوارع غزة ليدرك هذا العالم أن الإنسان هنا يُقتل مرتين: مرة بالقصف المباشر، ومرة بالحصار الذي يحرمه حتى من حقه في أن يُنتشل من تحت الأنقاض؟ كفى لهذا الموت الممتد، وكفى لهذا الحصار الخانق؛ افتحوا المعابر ودعوا طواقم الإنقاذ والمعدات تدخل، فغزة لم تعد تبكي رجالها وأطفالها فحسب، بل إن حجارتها وأزقتها باتت تصرخ بوجه هذا الصمت العالمي: دعوا غزة تتنفس.. دعوا هذا الشعب يعيش.





