مقال أحمد فراسيني: اعلامي وباحث في الشؤون الأوروبية
بروكسل 10 Oct .2026
القدس مهدُ الديانات السماوية، وسُرّةُ الأرض، وقلبُ التاريخ، وعاصمةُ فلسطين. إليها شُخِصَت الأبصار، ومن أزقّتها فاح عبقُ التاريخ، وسارت إليها قوافل الحجاج والأنبياء والفنانين والأدباء والمؤرخين والفلاسفة من المستشرقين ومن العرب والمسلمين، وسيقت لها مواكب القادة وأساطيل الجيوش المستعمرة.
كلُّ ذلك دفع العديد من الدول إلى أن تحفظ لنفسها بقعةً في القدس: كنيسةً أو كنيساً أو مسجداً، أو اسماً نُقِش على حجر من أسوار البلدة القديمة أو جدرانها، أو مركزًا ثقافيًا، أو حتى مستشفى أو مدرسة أو مسرحًا أو سفارة.
وبفعل ذلك، اهتمّت الكنيسة بأن يبقى للوجود المسيحي في القدس حضورٌ مع تبدّل حاكمي المدينة، وأن تبقى هذه المؤسسات، التي تطوّرت لتصبح تمثيلياتٍ لدول العالم تحت اسم «قنصليات». والملاحظ أنها كانت أمريكية وبريطانية ويونانية وإيطالية وفاتيكانية (الكرسي الرسولي) وفرنسية وبلجيكية وبوليفية.
أُغلقت القنصلية الأمريكية التي ظلت مفتوحة منذ عام 1870 حتى 2019، بعد اعتراف ترامب بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وأُغلقت القنصلية البوليفية بفعل تغيّر العلاقة مع دولة الاحتلال، وأُغلقت القنصلية الروسية عام 1914 غير أن روسيا أبقت كنيستها ومؤسساتها. في المقابل، ظلت القنصليات الفرنسية والبلجيكية واليونانية والإيطالية والفاتيكانية والبريطانية مفتوحة، إلى أن أُغلقت البريطانية منها في السابع من أكتوبر الحالي.
»من قنصلية إلى «بعثة دبلوماسية
صحيح أن إغلاق القنصلية جاء بقرار إسرائيلي، وأنه خُفّف بعد مفاوضات مع البريطانيين، إلا أن هذا الإغلاق يُعدّ إنجازاً لدولة الاحتلال.
فهذه القنصلية وُجدت قبل الاحتلال، وارتبطت بلندن وبالقدس كمدينةً فلسطينية محتلة، بكل ما تمثّله من قدسية لدى البريطانيين.
فالعادة أنه حين توجد قنصلية فإن ارتباطها يكون بالسفارة، وتتقاسم الاثنتان الأدوار بين الدبلوماسية والخدمات المدنية والتأشيرات. لكن في حالة القدس الخاصة، ظلت العلاقة مباشرة بين القنصلية والخارجية البريطانية.
ولم يُعتمد الطاقم الدبلوماسي للقنصلية من الرئيس الإسرائيلي، كما هي العادة والبروتوكول الدبلوماسي. وهذا ما يجعلنا نتوقف عند جملة ردّدها وزير الخارجية البريطاني في بيان نُشر على موقع وزارة الخارجية في الثامن من أكتوبر، حين قال: إننا لن نسمح لأن تكون لإسرائيل القدرة القانونية على إغلاق القنصلية.
هذه الجملة هي مفتاح هذا المقال وكان من الصعب تجاوزها بصمت؛ فعلينا التمعّن فيها: كيف ولماذا لا يحق لإسرائيل، كدولة مستضيفة، أن تغلق قنصلية في منطقة محتلة؟
عمليًا، المسألة مبنية على أن القدس لا تقع تحت السيادة الإسرائيلية العادية، وأن القدس مدينة محتلة — أو أحيانًا يستخدم البريطانيون مصطلح «مدينة متنازع عليها» — وهو ما يثبّت وضع القنصلية ويعتبر الاحتلال مؤقتًا.
خسارة فلسطينية مضاعفة
ما يفاجئنا هو قبول البريطانيين بتغيير صفة القنصلية إلى «بعثة دبلوماسية». وعند البحث في الموضوع نجد أن الخسارة الفلسطينية مضاعفة: الفاعلان كانا الإسرائيلي والبريطاني، إذ أغلقا القنصلية وأوقفا العمل الذي يخدم الفلسطينيين في مدينة القدس بوصفها مدينة مركزية لهم وارتباط الفلسطيني بعاصمته؛ ثم وافق البريطانيون على تحويل صفة القنصلية إلى بعثة دبلوماسية. وبذلك تكون بريطانيا قد تخلّت، أو خفّضت مستوى، إقرارها القديم بأن القدس مدينة فلسطينية محتلة، وبأن ما طرأ على المدينة بعد عام 1967 غير شرعي ولا تعترف به بريطانيا التي اعترفت منذ اشهر بالدولة الفلسطينية (المحتلة).
فقد ظلت مركزية القدس شأنًا فلسطينيًا مهمًا حتى اتفاق أوسلو، الذي بدأ يحدّ من الوجود الفلسطيني الديموغرافي والثقافي والسياسي والخدماتي في القدس، استمرارًا لقرار ضمّ القدس عام 1980. فشاهدنا تغيير المناهج المدرسية، وتغيير أسماء الشوارع، والتحكم بالمؤسسات الفلسطينية — بل والدولية — وإغلاق الكثير منها، كما حدث مع بيت الشرق ومسرح الحكواتي ومكاتب الأونروا، والضغط على مستشفى المطلع ومستشفى المقاصد اللذين عجزت السلطة عن سداد ديونها لهما مقابل التحويلات الطبية، الأمر الذي أضعفهما كثيرًا، فخفّ الارتباط بالقدس العاصمة إداريا واقتصاديا وسياسيا ، بل وبالمدينة المقدسة، بعد الاعتداء على المسجد الأقصى والكنائس والمصلين والحجاج، ومحاولة تقسيم المسجد الأقصى أو السيطرة عليه كليًا. وقد كانت السلطة الفلسطينية ومفاوضو أوسلو سببًا رئيسيًا في إخلاء هذه الساحة أمام الاحتلال حينما راهنوا على الالتزام الإسرائيلي بترحيل قضية القدس الى المرحلة الثانية من الحكم الذاتي. ولا ننسى عملية السلام مع الأردن والتطبيع مع المغرب، اللذين أزالا حالة العداء والاعتراض بكل السبل أمام أي عمليات تهويد للقدس؛ ككونهما راعين للقدس والشؤون الدينية فيها، هي القدس التي يهدم الإسرائيليون بيوتها أو يسرقونها بلا رحمة، ويصعّبون بناء بيوت جديدة أو ترميم القديمة أو تناقل الملكية، في ظل تصاعد البناء الاستيطاني داخل المدينة، الأمر الذي دفع بالكثير من المقادسة الفلسطينيين إلى الخروج منها والسكن خارجها في الوقت الذي يتم استجلاب المستوطنين اليها.
وعد بلفور جديد

بالعودة إلى القنصلية، فإن القرار الإسرائيلي لم يأتِ عقابًا لبريطانيا، إنما للفلسطينيين.
والتنازل البريطاني عن الصفة الدبلوماسية للقنصلية ليس مجرد تنازل بريطاني عن عقار بريطاني، إنما هو وعد بلفور جديد، إذ إن التنازل يمسّ الفلسطينيين ومدينتهم المقدسة من جديد.
هذا الأسلوب الإسرائيلي الفاشي الخبيث يذكرنا بخطاب سموتريتش حينما قال بأنه سيبني 1000 وحدة سكنية مقابل كل اعتراف بالدولة الفلسطينية. هذا ليس ليمنع الاعتراف فقط، بل ليبرر الاستيطان وكما في قضية القنصليات فان الاحتلال سيحمل مسؤولية ضم القدس الكامل وتهويدها للذين يرفضون الاستيطان و(أصحاب القانون الدولي والمثل والاخلاقيات).
مفهوم «البعثة الدبلوماسية» يرتبط بعمل مؤقت للبعثة وبمهمة محددة، ويرتبط بقرار الدولة المضيفة: كأن تكون البعثة جهة بحثية أو رقابية، أو جهة متابعة شؤون من تبقى من سكان القدس الفلسطينيين الحاملين للجنسية البريطانية، أو ربما مجرد حافظ لعقار تابع للقنصلية أو لمركز ثقافي أو لمشروع تنموي وهذا مختلف الى حد كبير عن صفة القنصلية المغلقة الاعتبارية والعملياتية.
لماذا لم تَردّ لندن بالمثل؟
أما لماذا قالت الخارجية البريطانية في بيانها إنها لا تنوي التعامل مع إسرائيل بالمثل؟
يمكن فهم ذلك بأن التعامل بالمثل يعني إغلاق السفارة الإسرائيلية في بريطانيا، لكن لا علاقة بين القنصلية في القدس والسفارة في تل أبيب أو لندن. وأنه إذا ردت دولة الاحتلال على أي استهداف للسفارة في لندن عبر إغلاق السفارة في تل أبيب، فسننتقل إلى ملف آخر، هو العلاقة الدبلوماسية البريطانية الإسرائيلية التي تعزلها بريطانيا عن كون الدولة (الإسرائيلية) هي ذاتها قوة الاحتلال في فلسطين ومرتكبة الإبادة الجماعية.
لا نغفل السبب الذي تذرّعت به دولة الاحتلال لتبدي غضبها واستفزازها من الحكومة البريطانية، التي أطلقت بيانًا مع عشر دول أخرى — من بينها كندا وفرنسا — يرفض الاستيطان ونموه ولا يشرعنه، بل ذهب معدّو البيان إلى التلويح بتدابير وعقوبات على المستوطنات وبعض مؤسسات الاستيطان وداعميها.
بدأ الحديث منذ أيام عن إمكانية أن تطال العقوبات البنوك الإسرائيلية التي تدعم الاستيطان واستثمرت فيه، والمؤسسات في هذه الدول التي يمكن أن تصل إلى خمسين دولة، في حال الشروع بإقرار العقوبات ومنع استيراد منتجات المستوطنات.
في واقع الحال، ليس ما استفزّ الاحتلال هو مقاطعة منتجات المستوطنات؛ فدولة الاستيطان تُحسن الالتفاف على هذه العقوبات بتغيير مكان منشأ المنتجات، أو لأن التصنيع في المستوطنات لا يشكّل حجمًا مؤثرًا في الاقتصاد الإسرائيلي. ما استفزّ دولة الاحتلال هو بدء محاصرة الداعمين والمستثمرين في الاستيطان والمتبرعين وتحويلات المشترين في المستوطنات، ومن بينهم بنوك أجنبية وإسرائيلية. وهذا يُعدّ خطرًا ماديًا ومعنويًا بالنسبة للمحتلين.
إلى أين؟
أتوقع أن تقدم قوات الاحتلال الإسرائيلي في القدس لفعل الشيء نفسه مع ما تبقى من قنصليات أجنبية تحمل صفة مشابهة لصفة القنصلية البريطانية، إذا اتخذت أيٌّ من دول هذه القنصليات إجراءات عقابية أو ضاغطة على الإسرائيليين، بل وستختلق المبررات ان لم تكن موجودة.
من ناحية أخرى، تقدمت الحكومة البريطانية بخطوة باتجاه من صوت لها بالانتخابات، والمتضامنين مع الشعب الفلسطيني ونحو القانون الدولي ومحكمة العدل والجنايات الدولتين، – لكن بحذر-: دون الاعتراف بالإبادة الجماعية، مع انها اعتبرت ما يجري في الضفة الغربية تطهيرًا عرقيًا، وفي الوقت نفسه مع الحفاظ على استمرار العلاقة التجارية والتبادل العسكري مع دولة الإبادة الجماعية، واستمرار محاكمة نشطاء «بالستاين أكشن» والفصل بين الملفات والجرائم، متناسية أن المجرم في فلسطين واحد والضحية واحدة، على الأرض الفلسطينية نفسها التي تحتقن بفعل إرهاب الدولة المنظم.





