​مقال – خاص «جمهورية فلسطين»

​لم يكن إعلان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة في التاسع والعشرين من نوفمبر المقبل مجرد إجراء تكتيكي لتجاوز مأزق نيابي طارئ، بل جاء ليعلن رسمياً وصول تجربة اليسار الحكومي في مدريد إلى لحظة الحقيقة بعد أن مُنيت بنكسة برلمانية حاسمة في الثاني من أكتوبر الجاري، إثر إسقاط حزمة الإجراءات العاجلة لمعالجة أزمة السكن عبر تحالف جمع اليمين المحافظ والمتطرف مع قوى رأس المال الإقليمي، وهو السقوط الذي كشف أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف على مادة تشريعية أو صياغة قانونية بقدر ما أضحت ساحة صراع طبقي كاشفة تتواجه فيها مصالح كبار المالكين وصناديق الاستثمار مع احتياجات ملايين العمال والمستأجرين الذين يواجهون يومياً سؤال القدرة على البقاء في مدن يستنزف فيها المسكن معظم دخلهم ويهدد استقرارهم الاجتماعي.

​وتكتسب قضية السكن في هذه المواجهة أهمية استثنائية لكونها لم تعد قضية معيشية عابرة أو خياراً خدمياً، بل أصبحت مرآة صريحة تكشف عن التفاوت الطبقي البنيوي وتسليع الحقوق الأساسية في ظل النظام الرأسمالي، حيث تتحول المدن الكبرى إلى مسرح لإخلاء الطبقات الشعبية ولتطهير طبقي ناعم يطرد السكان الأصليين لصالح الكارتيلات العقارية، مما يجعل محاولات اليسار الإصلاحي لمعالجة هذه الأزمة عبر موازنات نيابية وتسويات مائعة مع أرباب السوق تبدو قاصرة عن إحداث التغيير الملموس، وتدفع آلاف المواطنين والمستأجرين إلى الخروج للميادين ليس دفاعاً عن بقاء السلطة أو انتصاراً لحزب الاشتراكيين، بل دفاعاً عن حقهم الأصيل في المأوى وعن المعنى الحقيقي للاستقرار في مجتمع بات فيه الاستقلال الذاتي مرتبطةً بحجم الثروة ومستوى الدخل.

​وفي مقابل هذه الاستحقاقات الاجتماعية الملحة، يسعى اليمين الإسباني الممثل بحزب الشعب وحزب فوكس إلى نقل ساحة المعركة السياسية نحو قضايا الهوية والأمن، مستغلاً أحداثاً ممتدة كأزمة التدفقات العمالية في سبتة لإعادة توجيه النقاش العام وتصنيع فزاعات أمنية تجعل من المهاجرين شماعة جاهزة لتفسير أزمات بنيوية صنعها غياب العدالة الاقتصادية، وهو توظيف أيديولوجي يهدف بالأساس إلى صرف أنظار الطبقة العاملة عن مسألة توزيع الثروة وإبعادها عن مساجلة المتنفذين وكبار المالكين، مما يضع القوى التقدمية أمام مسؤولية تقديم تفكيك شجاع يربط بين الدفاع عن حقوق المهاجرين والنضال الاجتماعي للمستأجرين، بدلاً من الاكتفاء بالردود الدفاعية أو الانسياق وراء منطق الاستقطاب الذي يحول المجتمع إلى معسكرات مغلقة.

​وعلى الصعيد الدولي، تكتسب السياسة الخارجية للحكومة الإسبانية حضوراً خاصاً من خلال مواقفها المتقدمة نسبياً تجاه الحرب على غزة واعترافها بالدولة الفلسطينية في مايو الماضي، وهي مواقف منحت مدريد تميزاً داخل المشهد الأوروبي لكنها تظل غير كافية وحدها لضمان الشرعية السياسية أو حسم المعركة الداخلية، إذ إن الناخب الذي يكتوي بغلاء المعيشة وارتفاع الإيجارات سيظل يزن أداء السلطة بميزان تجريبه اليومي، مما يفرض على الخطاب التقدمي الربط العضوي بين مناهضة الاستعمار والإمبريالية في الخارج وبين خوض معركة العدالة الاجتماعية في الداخل، باعتبار أن نضال الشعب الفلسطيني ضد التهجير والاستلاب ينتمي إلى ذات شجرة النضال الإنساني ضد سياسات الاقتراع والتهميش الطبقي.

​إن الرهان السياسي الذي يخوضه الاشتراكيون في استحقاق نوفمبر المقبل يتجاوز مجرد الحفاظ على المقاعد النيابية إلى اختبار قدرة الفكرة التقدمية برمتها على الصمود أمام مد يميني يتصاعد في أوروبا، وهو رهان يتوقف نجاحه على مدى القدرة على تحويل الانتخابات إلى استفتاء شعبي حول الحق في السكن والأجور والخدمات العامة، بدلاً من تركها أسيرة لملفات الفساد والمناورات القضائية، لأن الحقيقة الصلبة التي تفرض نفسها اليوم في الشارع الإسباني تتلخص في أن العدالة الاجتماعية ليست شعاراً يُستدعى في المواسم الانتخابية، بل هي معيار عميق يُقاس بمدى قدرة الدولة على حماية الإنسان من تقلبات السوق وصون حقه في حياة كريمة لا تتحدد بما يملكه من مال.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *