بقلم: حمدان الضميري
من متابعتي للكثير من النقاشات التي تدور حول الانتخابات الفلسطينية القادمة، والتي ما زالت في حالة من الارتباك وعدم وضوح الرؤية، سواء حول جدية تاريخ عقدها أو حول عدد الأعضاء المنتخبين، ناهيك عن تعيينات لآخرين كما جاء في أحد المراسيم الرئاسية.
أمام هذا المشهد غير الواضح، والذي يزيد الارتباك ارتباكاً ويفتح الأبواب لزيادة الخلافات الفلسطينية الداخلية، جاءت مبادرة “الجبهة الشعبية” التي تعاطت معها أطراف كثيرة، سواء كانت فصائلية أو من مكونات المجتمع المدني. هذا التعاطي كان وفق حسابات ذاتية تقوم عند الكثيرين ممن تعاطوا معها على مقولة “ولا تقربوا الصلاة”، ويغلب على هؤلاء لعبة تصفية حسابات مع فصيل الشعبية لأسباب عديدة؛ منها ما هو مرتبط بتاريخها ومواقفها في العقود الماضية، ومنها ما هو مرتبط بهدف إضعاف دورها الوطني في ساحة فلسطينية مأزومة.
وبعيداً عن مسببات هذا التعاطي وبأي شكل جرى، جاءت هذه المبادرة -وهي الوحيدة في الساحة الفلسطينية- بهدف بناء حوار سياسي وطني فلسطيني جامع، لتكون الانتخابات أحد بنوده وليست البند الوحيد؛ فبناء مشروع وطني يحتاج إلى قراءة جديدة تأخذ بعين الاعتبار أننا كقضية وطنية وكمنظومة مؤسساتية تمثيلية لشعبنا مستهدفون من طابور طويل من اللاعبين في الساحة المحلية والدولية.
المبادرة في مكوناتها قدمت خارطة طريق لمكونات المشهد السياسي الفلسطيني المأزوم، ونجاحها يعتمد على تنفيذ كافة بنودها، وإلا ستفشل كما فشلت كل المحاولات التي سبقتها، والتي كان هدفها الخروج من حالة الأزمة المستعصية التي تعيشها الساحة الفلسطينية منذ عقود.
المهم في المبادرة هي أنها تقترح خارطة طريق تنتقل من تنفيذ بند إلى تنفيذ بند آخر؛ فالمرحلة الانتقالية التي اقترحتها لفترة قصيرة يتم خلالها تنفيذ مجموعة من البنود المطروحة. وخلال هذه الفترة الانتقالية التي تسبق الانتخابات، هناك مرحلة حوار وطني شامل -ومصطلح شامل يعني فصائل ومكونات مجتمع مدني ونخباً سياسية ووطنية… إلخ-. ينتج عن هذه الحوارات المتعددة توافقٌ يشمل إعادة تركيبة المجلس الوطني ليضم في صفوفه كل مكونات الحركة الوطنية، ولكي نكون صريحين، المقصود هو دخول كل من حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي إلى داخل المجلس الوطني خلال المرحلة الانتقالية التي تسبق موعد الانتخابات القادمة. بعد ذلك، ينتج عن هذه الحوارات تصحيحٌ لما جاء في مكونات المراسيم، مثل الأعداد الممثلة للداخل وكذلك الممثلة للخارج، يُضاف إلى ذلك أن تكون الانتخابات مدخلاً للدخول في مرحلة سياسية ومؤسساتية جديدة تختلف كلياً عن العقلية التي تحكمت بالقرار السياسي واستفردت به منذ عقود.
تلقت المبادرة دعماً من بعض الفصائل منذ انطلاقها، وخاصة من قيادة حماس وكذلك من قيادة الجهاد الإسلامي بحسب ما صدر من مواقف عنهما. والآن، وبعد لقاءات جرت في القاهرة خلال الأسبوع الماضي بلقاءات ثنائية شملت ممثلين لأربعة فصائل -وهي بالتحديد فتح الرسمية، وحماس، والجهاد، والشعبية-، تم التوافق على اقتراح تأجيل موعد الانتخابات التشريعية وملازمتها للانتخابات الرئاسية في الوقت نفسه، وهذا يمثل خطوة ضرورية لكي تستقيم الأمور.
كذلك ستشهد القاهرة في الفترة القريبة القادمة جولة من الحوارات الجماعية تشمل ممثلين لعدة أطراف فصائلية فلسطينية. قد يقول البعض -وهو محق في ذلك- إن هذا الحوار الوطني يجب أن يشمل طيفاً أوسع من ممثلي الفصائل، لأن التغييرات التي عرفتها الساحة الوطنية الفلسطينية جعلت تمثيلية الفصائل أقل من المراحل التاريخية السابقة والتي أُطلق عليها مرحلة “الشرعية الثورية”. ويبقى السؤال: من سيشمل هذا التوسيع؟ وهنا لا أحد يملك جواباً، وأي جوابٍ يُعطى يمثل أصحابه وحساباتهم الذاتية، وهذه معضلة لا يملك أحد جواباً شافياً عليها، وإن كان بمقدورنا تخيل اقتراحات تُقدَّم عسى أن نجد حلاً بحدوده الأدنى على الأقل.
تبقى مشكلة أخرى وليست بالبسيطة إذا رغبنا في الوصول إلى تمثيل حقيقي ينتج عن انتخابات للكل الفلسطيني، وأقصد انتخابات الشتات الفلسطيني. هنا، ومنذ أشهر ومن خلال اهتمامي وما أقوم به من دور متواضع، أرى أننا أمام المعركة الكبرى والجوهرية؛ لأننا نتحدث هنا عن المجلس الوطني الفلسطيني: كيف سيختار ملايين الفلسطينيين ممثليهم؟ وكيف سينظَّم هذا الموضوع؟ ومن سينظمه؟ وما هي الأعداد في مختلف الدول؟ كثرةٌ من الأسئلة المشروعة لا أجوبة حقيقية عليها لحد الآن، لأن هذا الموضوع لم يصبح حتى اللحظة عنوان حوار فلسطيني شامل.
الشتات يمثل نصف أبناء شعبنا، وعدده يتجاوز كما هو معروف عدد الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية وقطاع غزة، لذلك ومنطقياً يجب إعادة تحديد عدد تمثيلهم كما كان الاتفاق عام 2021 بين الفصائل الفلسطينية آنذاك، والذي حدد 200 مقعد للخارج و150 للضفة والقطاع.
أعتقد وأقترح أن فترة العام التي تفصلنا عن موعد الانتخابات الجديد (أي 11/9/2027)، بإمكاننا عبر حراكات متعددة هنا وهناك، داخل وخارج فلسطين، يشارك فيها أوساط متعددة بغض النظر عن مواقفها، الاستفادة منها. هذا يحتاج إلى جو سليم يخلو من الحسابات الذاتية الضيقة وتوجيه التهم المسبقة وتصفية الحسابات المرتبطة بمراحل سابقة. أمامنا فرصة لنكون أطرافاً مؤثرة على المشاركين في الحوارات الوطنية الشاملة القادمة، وعلينا طرح أفكار ومقترحات بشكل مسؤول، ولا يكَبِّر أحدٌ حجمه أو يدّعي أن لا أحجام لقوى أخرى وكأن الشعب الفلسطيني ينتظر منه وحده شبكة الخلاص.
ما زلت أُصر على أن لا أحد كان جاهزاً لدخول انتخابات قبل نهاية هذا العام، وما زلت أعتقد أن الكثير من اللوائح التي طرحها أصحابها كانت أوراقاً تفاوضية بأيديهم لا أكثر ولا أقل لتحسين مواقعهم في إطار تحالفات يتم العمل على تشكيلها.
وأنهي هذه الورقة بالقول إن الشتات الفلسطيني يمتلك من الطاقات والكوادر ما يجعله يمتلك القدرات للدفاع عن حقوقه، والدليل أن الكثير من ردات الفعل على المهازل التي جرت لاختيار تمثيله في الغرف المغلقة قد أثمرت، ودفعت أصحاب سياسة التفرد بالقرار إلى تغيير مسار التعيينات. نعم، إنه قادر على تصحيح ما جرى للسير على الطريق الصحيح وتوفير شروط مشاركته، كما هو حال باقي أبناء شعبنا، في مسار انتخابي ديمقراطي. فلنستثمر في ما تبقى من وقت لبناء ميزان قوى نفرض من خلاله إجراء انتخابات شاملة وحرة وديمقراطية، بعيداً عن لعبة التعيينات والمحاصصة غير الديمقراطية.
حمدان الضميري
ناشط فلسطيني في أوروبا





