لقد آن الأوان للانتقال من السؤال: هل يسمح لنا العالم بطرح الدولة الديمقراطية الواحدة؟ إلى سؤال أكثر جوهرية: هل تملك الحركة الوطنية الفلسطينية الشجاعة لإعادة بناء مشروعها على أساس الحقوق؟

ع

بقلم | عوض عبد الفتاح

يستدعي تأخّر الفصائل الفلسطينية، والأحزاب السياسية الفلسطينية داخل الخط الأخضر عن تبنّي حل الدولة الواحدة، رغم مرور أكثر من عقدين على عودة ظهور الفكرة/ المشروع، تساؤلات جدية بشأن المفارقة الماثلة في إقدام حزب غربي، ومن داخل الدولة المولّدة للمشروع الاستعماري الصهيوني، على امتلاك الشجاعة السياسية لتبنّي هذا الحل رسميًّا.

لا شك أن هذا الحدث يثير الفضول لمعرفة رد فعل هذه الفصائل والأحزاب، والكثير من المثقفين الذين ما يزالون يتمسكون بحل الدولتين. فهل ينحصر استقبال قرارات حزب الخضر في الاحتفاء بها، أم تبدأ مراجعة وإعادة إطلاق المخيال السياسي ليستوعب ما يبدو أننا أمامه من تحوّل قضية فلسطين إلى قضية تحرر عالمي الأمر الذي يستوجب إعادة تصويب البوصلة الفلسطينية، وإعادة بناء الحركة الوطنية وبرنامجها استنادًا إلى هذا التحول؟

لم يكن قرار حزب الخضر البريطاني، في مؤتمره المنعقد في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2026، اعتمادَ موقف مناهض للصهيونية والدعوةَ إلى إقامة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية، منبثقًا من فراغ أو مجرد تطور حزبي تحكمه حسابات انتخابية، أو تؤثر فيه مشاعر النقمة على جريمة الإبادة في غزة، فقد عكس القرار تحوّلًا تراكميًّا مهمًّا في النقاش السياسي والأخلاقي، وفي الاصطفاف الشعبي حول فلسطين، وفي إمكان الانتقال من التعامل مع الصهيونية باعتبارها حقيقة سياسية نهائية إلى إخضاعها للنقد بوصفها مشروعًا قوميًّا إباديًّا أنتج واقعًا استعماريًّا قائمًا على محو شعب.

لقد عجّلت غزة في إحداث هذا التحول اللافت، وأسهمت في صقل جيش من النشطاء الفلسطينيين والعرب والمسلمين، الذين ينشطون منذ سنوات طويلة في الساحتين الأوروبية والغربية، واضطلعوا بمسؤولية استثمار ما جرى في غزة وفلسطين، في ظل تخلف السلطة والفصائل وعجزهما عن القيام بهذا الدور.

ويكتسب هذا التحول دلالة إضافية مع صدور كتاب بنجامين موزر، الكاتب اليهودي الأميركي الحائز على جائزة “بوليتزر”، Anti-Zionism: A Jewish History، وترجمته: “مناهضة الصهيونية: تاريخ يهودي”، الصادر في 22 أيلول/ سبتمبر الماضي. فالمؤلف، عبر استعادته تقاليد يهودية متعددة عارضت الصهيونية أو حذّرت من تبعاتها الأخلاقية والسياسية، ينسف إحدى الركائز التي استند إليها الخطاب الصهيوني طويلًا: الادعاء بأن الصهيونية هي التعبير الطبيعي عن الهوية اليهودية، وأن مناهضتها لا يمكن إلا أن تكون شكلًا من أشكال العداء لليهود.

إن هذا الكتاب يضاف إلى عدد من الكتب الصادرة عن يهود مناهضين للصهيونية، والتي تصادق على ما رواه المؤرخون الفلسطينيون مبكرًا عن جريمة التطهير العرقي وحقيقة الصهيونية، مما يسهم في التعجيل بتقويض أسس الدعاية الصهيونية ومشروعها الإبادي.

وإن الجمع بين هذين التطورين، إضافةً إلى التطورات الأخرى المرتبطة بهذا التحول المناهض للصهيونية التي سبقت طوفان الأقصى والإبادة، يفتح أمامنا سؤالين مترابطين: كيف يمكن استعادة مناهضة الصهيونية باعتبارها موقفًا تحرريًّا وأخلاقيًّا، لا عداءً لهوية دينية أو جماعية؟ وما البديل السياسي الذي يستطيع تحويل هذا النقد إلى مشروع لإنهاء الاستعمار وتحقيق التحرر والعدالة والمساواة؟ هنا تبرز الدولة الديمقراطية الواحدة، لا بوصفها مجرد صيغة دستورية، بل مشروعًا لتحرير فلسطين، وتحرير الشعب من الاستعمار، واليهود من الأيديولوجيا العنصرية القائمة على المحو، وبناء العلاقة بين سكانها ولاجئيها على أساس الحقوق المتساوية.

أولًا: مناهضة الصهيونية واستعادة المعنى التاريخي

تكمن إحدى أهم مساهمات كتاب موزر في تذكير القارئ بأن التاريخ اليهودي لم يكن يومًا كتلة فكرية وسياسية متجانسة، وأن الصهيونية لم تكن التعبير عن تطلعات اليهود أو تعريفهم لذواتهم ومستقبلهم. فقد وُجدت في أوساط يهودية دينية وعلمانية، وتيارات يسارية وليبرالية تقاليد فكرية وسياسية عارضت المشروع الصهيوني لأسباب اختلفت باختلاف السياقات، لكنها التقت في التشكيك في تحويل الهوية اليهودية إلى مشروع قومي سيادي يقوم على امتياز جماعة متخيلة على حساب جماعة أصلانية، هي صاحبة الوطن المستهدف.

ويعيد موزر من خلال تتبعه شخصيات وتجارب من بلدان وتيارات متنوعة، فتح سجل تاريخي جرى تهميش أجزاء منه في ظل صعود الصهيونية، وتحولها إلى أيديولوجيا مهيمنة على تعريف العلاقة بين اليهود وفلسطين. وتكمن أهمية هذا الاستحضار في أنه يفكك الادعاء القائل إن الصهيونية ومناهضتها تمثلان طرفين متقابلين، أحدهما يهودي بالضرورة والآخر معادٍ لليهود بالضرورة.

لكن أهمية هذا التاريخ لا تقتصر على الدفاع عن حق اليهود في الاختلاف داخل مجتمعاتهم، فإنه يتيح أيضًا نقد الصهيونية من داخل التاريخ الفكري اليهودي نفسه، ويعيد طرح السؤال الذي حاولت الصهيونية احتكاره: هل تتطلب حماية اليهود إقامة دولة تمنحهم امتيازًا قوميًّا على السكان الأصليين، أم يمكن تحقيق الأمن والحرية والكرامة من خلال نظام سياسي يضمن المساواة للجميع؟ ويقول موزر في مقابلة مع الإعلامي البريطاني، بيرس مورغان، إن الصهيونية منذ البدء نشأت بوصفها حركة استعمارية أوروبية، وقامت على أنقاض شعب آخر. وكما جاء في العبارة: “إسرائيل اليوم ليست لديها مشكلات، بل هي المشكلة”.

وتكتسب هذه القراءة أهمية إضافية في التذكير، من خلال ما طرحه موزر في مقابلته، بشأن الجذور المسيحية الإنجيلية لفكرة الصهيونية. فبحسب هذه القراءة، لم تنشأ الفكرة الصهيونية في أحد مساراتها التاريخية من داخل التقاليد اليهودية وحدها، بل تأثرت بتصورات مسيحية أخروية ربطت عودة اليهود إلى فلسطين بنبوءات نهاية العالم والمجيء الثاني للمسيح. وهذه القراءة تطرح سؤالًا جوهريًّا عن طبيعة المشروع الصهيوني، وعن مدى ارتباطه فعلًا بحماية اليهودية واستمرارها، أو توظيفه في خدمة تصورات دينية وسياسية نشأت خارج تقاليدها.

إن هذا التناقض يتيح طرح نقد أكثر جذرية: إن الصهيونية، في تصوراتها وتحالفاتها التاريخية الرجعية والاستعمارية، ليست مشروعًا لإنقاذ اليهودية، بل مشروعًا لإعادة صياغتها بما يخدم أيديولوجيا قومية حديثة شديدة الانغلاق والنزعة الإقصائية. فاليهودية أقدم من الصهيونية وأوسع منها بكثير، ولا يمكن اختزال تاريخها الديني والثقافي والأخلاقي في أيديولوجيا سياسية ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر، وحين تُختزل اليهودية في دولة قومية أو في مشروع استيطاني، فإن ذلك لا ينتقص من حقوق الفلسطينيين وحدهم، بل ينتقص أيضًا من تنوع التاريخ اليهودي واستقلاله عن أي أيديولوجيا سياسية بعينها.

ومن هنا يمكن فهم كيف قد تتقاطع بعض أشكال الصهيونية، في سياقات وتحالفات معينة، مع تصورات معادية لليهودية التقليدية، أو كيف توظّف اليهود ومصيرهم في خدمة نبوءات دينية وسياسية. وهذا يفتح بابًا لنقد المفارقة التي تجعل مشروعًا يدّعي حماية اليهودية مرتبطًا أحيانًا بتصورات لا تنطلق من مصالح اليهود أو تقاليدهم، بل من أهداف أيديولوجية خارجية.

من نقد السياسات إلى نقد المشروع، ومن “شرعية” التقسيم إلى شرعية الحقوق

في الرابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2026، اعتمد حزب الخضر البريطاني في مؤتمره سياسةً مناهضةً للصهيونية بأغلبية 1022 صوتًا مقابل 813، مؤكدًا دعمه لتحرير فلسطين وحق العودة ووقف تسليح إسرائيل وإقامة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية. وقد أثار القرار، كما كان متوقعًا، فزعًا وغضبًا شديدين في إسرائيل، حيث تكررت الادعاءات نفسها بمعاداة السامية، مع أن رئيس الحزب، زاك بولنسكي، يهودي وفضلًا عن تصويت كثير من الأعضاء اليهود لصالح القرار.

ولا ينبغي المبالغة في دلالة هذا القرار؛ فحزب الخضر ليس الحكومة البريطانية، ولا يعني اعتماده هذا الموقف أن بريطانيا أو المجتمع الدولي قد تبنياه، غير أن أهميته السياسية تكمن في انتقال النقاش من المطالبة بتغيير سياسات حكومة إسرائيل إلى مساءلة الأساس الأيديولوجي الذي يُبرَّر من خلاله النظام القائم، ويشرعن الإبادة والمحو.

وهنا يلتقي القرار، من الزاويتين السياسية والفكرية، مع السؤال الذي يطرحه كتاب موزر: هل يمكن تحقيق العدالة الفلسطينية مع إبقاء الصهيونية، بصفتها مشروعًا يمنح جماعة “قومية” امتيازًا سياديًّا على حساب السكان الأصليين، خارج دائرة النقد والمساءلة؟

إن الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة، مع تجنّب مساءلة البنية الكولونيالية التي تواصل الاستيطان والضم والتمييز والعنف، ونفي حق اللاجئين في العودة، وممارسة الاستعمار الداخلي ضد فلسطينيي الـ48، لا يكفي لتحقيق العدالة. فقد اتسع نطاق الاعتراف الدولي بفلسطين، في حين استمرت إسرائيل في توسيع سيطرتها على الأرض وتقويض إمكان قيام دولة فلسطينية متصلة وذات سيادة حقيقية.

ومن المهم هنا توضيح طبيعة المكسب الذي يمثله الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، وكذلك قصوره أو حتى مخاطره. فهذا الاعتراف ليس مجرد خطوة دبلوماسية رمزية، بل يحمل دلالة سياسية وقانونية أساسية: إنه إقرار بوجود الشعب الفلسطيني وبحقه في تقرير المصير، ورفض لاختزال الفلسطينيين إلى سكان خاضعين لسلطة استعمارية أو إلى قضية إنسانية تنتظر إدارة المجتمع الدولي، وهو مكسب ينبغي التمسك به والبناء عليه، لا التقليل من قيمته أو التعامل معه باعتباره خطأً سياسيًّا لمجرد أن مشروع الدولة الواحدة يطرح أفقًا مختلفًا.

غير أن الاعتراف بحق تقرير المصير لا يعني أن التقسيم بات الصيغة الممكنة لممارسة هذا الحق، ولا أن الحدود والدول تتحول إلى غايات مقدسة تتقدم على حقوق الشعوب. ونحن نرى أن التقسيم مشروع ظالم في الأصل، ومصدرٌ للكارثة الفلسطينية المتواصلة. فالقانون الدولي لا يقدّس الدول لمجرد وجودها، ولا يجعل الحدود السياسية أعلى قيمة من العدالة والمساواة؛ بل يوفر إطارًا لحماية حقوق الشعوب، وفي مقدمتها تقرير المصير، إلى جانب المساواة وعدم التمييز وحماية الحقوق الفردية والجماعية.

ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى دولة ديمقراطية واحدة لا تنطلق من رفض القانون الدولي أو التنكر لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، بل من المطالبة بتطبيق مبادئه تطبيقًا شاملًا ومتساويًا. فلا يجوز أن يصبح الاعتراف بدولة مبررًا لاستمرار حرمان شعب آخر من حقوقه، ولا أن تتحول صيغة سياسية تاريخية إلى سقف يمنع البحث عن حل أكثر عدالة.

فالمطلوب إذن هو الانتقال من شرعية التقسيم باعتبارها صيغة سياسية موروثة ومفروضة من الخارج، إلى شرعية الحقوق باعتبارها معيارًا للحكم على أي حل. فالقانون الدولي يحمي تقرير المصير والمساواة وحقوق اللاجئين، لكنه لا يحوّل تقسيم الأرض إلى غاية تتقدم على هذه الحقوق أو تقيّدها. وينبغي أن يكون الاعتراف بفلسطين نقطة انطلاق لتعزيز الحقوق الوطنية الفلسطينية، لا ذريعة لحصرها في صيغة سياسية تتآكل إمكاناتها، فيما تستمر السيطرة الاستعمارية على الأرض والشعب.

ثانيًا: الدولة الديمقراطية الواحدة بوصفها البديل الإنساني

إذا كانت مناهضة الصهيونية تفتح باب نقد المشروع القائم، فإن السؤال الحاسم هو: ما البديل؟ لا يكفي إعلان رفض الاستعمار أو إدانة التمييز؛ إذ لا بد من مشروع سياسي يحدّد طبيعة النظام الذي ينبغي أن يحل محله.

هنا تبرز الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية، من النهر إلى البحر، باعتبارها بديلًا عن منطق التقسيم والإقصاء والمحو. وهي ليست فكرة طارئة فرضها فشل حل الدولتين، ولا اكتشافًا غربيًّا حديثًا. فقد طرحت حركة فتح عام 1968 تصورًا لدولة ديمقراطية يعيش فيها الفلسطينيون واليهود بحقوق متساوية، كما طرحت فصائل اليسار تصورات في هذا الاتجاه. وتبنّى المجلس الوطني الفلسطيني عام 1971 قرارًا رسميًّا يدعو إلى دولة ديمقراطية خالية من التمييز الديني والاجتماعي، قبل أن تتجه منظمة التحرير تدريجيًّا نحو برنامج الدولة الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967.

وبعد أن تكشّفت التوجهات السياسية الحقيقية لإسرائيل من خلال مضيّها في تكريس الهيمنة الكولونيالية في كل فلسطين، بدأت العودة مجددًا إلى جذور الصراع بوصفه صراعًا كولونياليًّا إحلاليًّا، من خلال مبادرات شعبية ومؤتمرات فلسطينية في الخارج تستعيد حل الدولة الواحدة.

إن استعادة هذا التاريخ ليست حنينًا إلى الماضي، بل تصحيحٌ لمسار سياسي جرى فيه الانتقال من مشروع يسعى إلى التحرر من الاستعمار، وتحقيق العدالة والمحاسبة والمساواة إلى مشروع ركز على إقامة دولة فلسطينية في جزء من الوطن، من دون أن ينجح في إنهاء السيطرة الاستعمارية، أو معالجة قضية اللاجئين، أو ضمان الحقوق الوطنية للفلسطينيين أينما وُجدوا.

ولقد أظهر الواقع أن تقسيم الأرض لا يعني بالضرورة تقسيم السيطرة، فإسرائيل لم تكتفِ بالسيطرة على الأراضي المحتلة عام 1967، بل واصلت الاستيطان والضم وفرض الوقائع التي تجعل قيام دولة فلسطينية مستقلة أمرًا بالغ الصعوبة، فضلًا عن أن هذا الحل ظالم. وفي الوقت نفسه، ظل الفلسطينيون داخل إسرائيل يواجهون بنية من التمييز والامتياز القومي، ويخضعون للاستعمار الداخلي، فيما بقي ملايين اللاجئين خارج وطنهم، محرومين من ممارسة حق العودة.

وليست هذه قضايا منفصلة يمكن حل كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى؛ إنها وجوه مختلفة لمنظومة تاريخية واحدة لا يمكن تجاوزها من دون مشروع يعيد وصل الشعب الفلسطيني بعضه ببعض، في الجليل والمثلث والنقب والقدس والضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، ضمن أفق سياسي مشترك.

وليست الدولة الواحدة التي ندعو إليها مجرد جمع دولتين في إطار دستوري واحد، ولا صيغة للتعايش مع الاستعمار تحت اسم جديد؛ إنها تحوّل جذري في طبيعة النظام السياسي يقوم على هزيمة البنية الاستعمارية وتفكيكها، وإنهاء الاحتلال والاستيطان والضم، وإلغاء الامتيازات القانونية والسياسية القائمة على الانتماء الديني.

وهي دولة مدنية ديمقراطية تضمن المساواة الكاملة أمام القانون، والحقوق الفردية والثقافية، وتؤسس نظامًا دستوريًّا يحمي الفلسطينيين واليهود على قدم المساواة. كما تضع قضية اللاجئين وحق العودة والتعويض في صلب الحل، بدل التعامل معها بوصفها ملفًا مؤجلًا يمكن التضحية به في سبيل تسوية سياسية.

إن البعد الإنساني لهذا المشروع لا ينبع من افتراض أن الصراع يمكن حله بالدعوة المجردة إلى المحبة أو التعايش، بل من إدراك أن العدالة لا تتحقق بإخضاع شعب لشعب آخر، ولا بإقامة دولة فلسطينية محدودة السيادة إلى جانب دولة وصفها عالم السياسة الأميركي، جون ميرشايمر، بأنها من أكثر الدول إجرامًا ووحشية. والبديل الإنساني هو نظام ينهي العلاقة الاستعمارية نفسها، ويتيح للجميع العيش بحرية وأمان وكرامة، من دون أن تكون حرية طرف قائمة على حرمان الطرف الآخر.

وبهذا المعنى، لا تمثل الدولة الديمقراطية الواحدة نفيًا للوجود اليهودي، بل نفيًا للنظام وأيديولوجيته الفاشية. ولا تعني التخلي عن التحرر الوطني الفلسطيني، بل تحريره من المعادلة التي تجعل تحقيق الحقوق الفلسطينية رهينًا بقبول إسرائيل التخلي عن جزء من الأرض، فيما تواصل الاحتفاظ بأدوات السيطرة والعنف على الشعب والأرض.

الحركة الوطنية الفلسطينية: التأخر عن استعادة المشروع

تطرح هذه التحولات سؤالًا محرجًا على الحركة الوطنية الفلسطينية: لماذا يبدو أن بعض الحركات المدنية واليسارية والنقابية في الغرب بدأت تعيد النظر في مسلّمات حل الدولتين، في حين لا تزال الفصائل الفلسطينية تتردد في استعادة الدولة الديمقراطية الواحدة بوصفها مشروعًا تحرريًّا جديًّا؟ إذ لم يعد هناك مبرر لهذا التأخر أو التردد. فهل يُعقل أن تظل معظم الحركة الوطنية ونخبها متخلفة عن التطور الجاري في أوساط شعبية وشبابية فلسطينية واسعة داخل فلسطين وخارجها بشأن حل الدولة الواحدة، بل رافضةً طرح هذه المسألة للنقاش الجدي؟

إن المطلوب ليس إنكار المكاسب التي حققها الاعتراف الدولي بفلسطين، ولا التقليل من أهمية النضال من أجل وقف الاحتلال والاستيطان؛ إنما الخطأ هو تحويل الصيغة السياسية إلى سقف للحقوق، والتمسك بها حتى عندما تصبح عاجزة عن تحقيق الغايات التي وُضعت من أجلها. فالمطلوب ليس التخلي عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو التقليل من قيمته، بل الانطلاق منه لتعزيز حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وتوسيع أفق هذا الحق بدل اختزاله في صيغة سياسية لم تنجح في إنهاء الاستعمار. وليس الخوف من إضاعة “المكاسب” هو الأساس، بل الخوف من أن تستمر هذه المكاسب الرمزية لحل الدولتين في توفير الغطاء لاستمرار الواقع الاستعماري وتجذّره، فحين تصبح الصيغة عاجزة عن حماية الحقوق التي قامت باسمها، يصبح من المشروع، بل من الضروري، إعادة التفكير فيها مع الحفاظ على جوهر الحقوق القانونية التي ناضل الفلسطينيون من أجلها.

وبهذا المعنى، لا نقدّم حل الدولة الواحدة بديلًا عن القانون الدولي، وإنما نطرحه بوصفه محاولة أو مبادرة لتحرير القانون الدولي من هيمنة الدول الكبرى، وترجمته إلى نظام سياسي فعلي يقوم على المساواة والحرية والعدالة بين جميع الناس في فلسطين التاريخية.

لقد دفعت الحركة الوطنية الفلسطينية ثمنًا سياسيًّا باهظًا نتيجة تجزئة القضية إلى ملفات منفصلة، ومع تآكل المشروع الوطني الجامع أصبح الفلسطينيون أكثر عرضة لإدارة قضيتهم ضمن شروط يفرضها ميزان القوى، بدل العمل على تغييره من خلال رؤية تحررية موحدة.

وإن التأخر في استعادة مشروع الدولة الواحدة ليس مجرد خلل في الخطاب، بل تعبير عن أزمة أعمق في الخيال السياسي الفلسطيني، وفي القدرة على تجاوز حدود التسويات التي فرضها الواقع الدولي. والمفارقة أن فكرة كانت جزءًا من البرنامج الوطني الفلسطيني في مرحلة سابقة باتت تحتاج اليوم إلى إعادة اكتشافها والدفاع عنها، فيما يفتح النقاش الدولي أبوابًا جديدة أمامها.

والمطلوب ليس إعلان شعار جديد، بل إطلاق عملية سياسية وفكرية واسعة تعيد بناء المشروع الوطني على أساس وحدة الشعب والأرض والحقوق، وتناقش شكل الدولة ودستورها، وموقع الفلسطينيين داخل “إسرائيل”، ودور اللاجئين والشتات، وسبل تحقيق العودة، وضمان الحقوق الجماعية والفردية للفلسطينيين واليهود في نظام ديمقراطي مشترك.

والآن بعد تأجيل الانتخابات، وقبول مبادرة الجبهة الشعبية لفتح حوار داخلي بديلًا عن الانتخابات، ألا ينبغي أن تكون هذه فرصة لفتح حوار حقيقي حول هذا المشروع التحرري، الذي باتت فيه شعوب الغرب المنتفضة والمنتصرة للعدالة والسلام الحقيقي حليفًا قويًّا لفلسطين؟

وهذا، بطبيعة الحال، يستلزم إعادة بناء منظمة التحرير واستعادة مشروعها التحرري الأصلي وتطويره، بوصفها صاحبة هذا المشروع؛ أو، إذا تعذّر ذلك، السعي إلى بناء حركة شعبية موازية، لا بديلة، تضم مؤيدي الفكرة، وتكون قادرة على تحويل الرؤية إلى قوة سياسية، وربط النضال ضد الاستيطان والتمييز والتهجير بمطلب تفكيك البنية الاستعمارية، وبناء تحالفات مع القوى اليهودية المناهضة للصهيونية، ومع الحركات الدولية التي تجعل المساواة والعدالة أساسًا لموقفها من فلسطين.

وهذا، بطبيعة الحال، يتطلب إستراتيجية تحرر، والاتفاق على أدوات النضال الفعالة، بحيث تُعطى الأولوية للمقاومة الشعبية والمدنية في الداخل والخارج.

نقول ذلك لأن كتاب موزر وقرار حزب الخضر البريطاني لا يقدّمان بديلًا جاهزًا للفلسطينيين، ولا يعفيهم هذا التطور من مسؤولية صياغة مشروعهم بأنفسهم، ولكنهما يكشفان أن المسلّمات التي حكمت النقاش طويلًا لم تعد محصّنة من النقد، وأن استعادة الدولة الواحدة لم تعد محصورة في ذاكرة بعض التيارات الفلسطينية، أو في أرشيفها، أو في أوساط محدودة من التضامن الدولي، كما أن النقد التاريخي للصهيونية، بما في ذلك مساءلة ادعائها تمثيل اليهودية واحتكار تعريف الهوية اليهودية، يفتح مجالًا لبناء تحالفات تقوم على التحرر والقيم الإنسانية.

لقد آن الأوان للانتقال من السؤال: هل يسمح لنا العالم بطرح الدولة الديمقراطية الواحدة؟ إلى سؤال أكثر جوهرية: هل تملك الحركة الوطنية الفلسطينية الشجاعة لإعادة بناء مشروعها على أساس الحقوق، بدلًا من الاستمرار في الدفاع عن صيغة سياسية تتآكل إمكاناتها، ويُختزل هذا الحل الظالم أصلًا إلى كيان ناقص السيادة على جزء من الضفة الغربية؟ وهل هي مستعدة للالتحام بهذه القيم الكونية، التي لا تشكّل الأساس الإنساني للدولة الواحدة في فلسطين فحسب، بل يجب أن يقوم عليها النظام العالمي الجديد؟

إن مناهضة الصهيونية إذا لم تقترن ببديل ديمقراطي تحرري، تبقى نقدًا ناقصًا. والدولة الواحدة إذا لم تقم على تفكيك الاستعمار وضمان المساواة وحق العودة ومحاسبة مرتكبي جرائم الإبادة والتطهير العرقي، قد تتحول إلى غطاء جديد للهيمنة. أما الجمع بينهما فيفتح أفقًا سياسيًّا وأخلاقيًّا مختلفًا: تحرير فلسطين من البنية الاستعمارية، وبناء وطن مشترك لا يُقصي أحدًا ولا يمنح أحدًا امتيازًا على حساب الآخر.

الحقوق هي الأصل، والصيغ السياسية أدوات، ومن شرعية “التقسيم” إلى شرعية الحقوق لا نتخلى عن المشروع الوطني الفلسطيني، بل نستعيده بوصفه مشروعًا للتحرر والعدالة والمساواة.

المصدر | عرب 48

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *