متابعة خاصة – “جمهورية فلسطين”
حين يسقط التغزل المزيف بـ “أمة الشركات الناشئة” والابتكار التقني، لا يبقى سوى الوجه العاري لكيان استعماري يحول كل إنجاز رقمي إلى سلاح لقتل البشر، هذا ما تضعه بين أيدينا دراسة أكاديمية استقصائية موسعة، أصدرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية وأعدتها الباحثة أريس بشارة كفصل رئيسي في كتاب “دليل إسرائيل العام 2025”.
الدراسة التي حملت عنوان “الصناعات التكنولوجية في إسرائيل: النشأة والبنية والبعد الاستعماري”، لا تكتفي بتفكيك هذا القطاع، بل تعري كيف جرى تسخير التطور الرقمي لخدمة مشروع الإبادة والسيطرة، وتحويل أرضنا المحتلة إلى مختبر حي لتجريب أدوات القمع والقتل المباشر في غزة ولبنان.
أسطورة “الابتكار الحر”.. حين يتزاوج الجنون العسكري بالأكاديميا ورأس المال
تعلمنا التجربة أن شيئاً هنا لم يولد صدفةً؛ فالصعود التكنولوجي للاحتلال لم يكن ثمرة “سوق حرة” ولا عبقرية أفراد كما يحلو للخطاب النيوليبرالي أن يصور لنا، بل وُلد ونما منذ خمسينيات القرن الماضي في حضن المؤسسة العسكرية وتحت رعايتها وتمويلها المباشر؛ ما تكشفه الباحثة أريس بشارة هو هذا المثلث البنيوي المحكم الذي يربط الجيش والاستخبارات — وعلى راسها وحدة “8200” كحاضنة رئيسية للنخب التقنية — بالمؤسسات الأكاديمية والجامعات كالتخنيون ومعهد وايزمان، وصولاً إلى شركات القطاع الخاص، إنه نموذج الاستخدام المزدوج الذي يتدرب فيه الشاب على هندسة الموت والسيبران في الثكنات، ليعود وينقلها إلى شركات كـ “إلبيت سيستمز” و”رافائيل”، مطبقاً الفاصل المُمحى أصلاً بين ما هو عسكري وما هو مدني.
فلسطين حقل تجارب.. الأبارتهايد الآلي والرقابة المطلقة
ما جرى ويجري في الضفة الغربية والقدس وغزة ليس إلا تطبيقاً عملياً لاستراتيجية “الاحتلال عن بُعد”، حيث تتحول أجساد أبناء شعبنا إلى فئران تجارب لتقنيات المراقبة والأسلحة غير المأهولة لتقليل الخسائر البشرية في صفوف جيش الاحتلال، حيث توثق الدراسة كيف فُرضت منظومة كاملة من “الأبارتهايد الرقمي” عبر أنظمة التعرف على الوجوه مثل “الذئب الأحمر” الحاضر دائماً على حواجز الخليل، و”الذئب الأزرق” المنتشر في كل ركن بالضفة؛ وهي قواعد بيانات بيومترية تقيد حياة الناس وتطارد تحركاتهم، ولا يتوقف الأمر هنا، بل يمتد إلى برمجيات التجسس كـ “بيغاسوس” لملاحقة النشطاء والمؤسسات، وصولاً إلى ضغط “الوحدة السيبرانية” في النيابة العامة على منصات التواصل الكبرى لإسكات الصوت الفلسطيني وحجب الحقيقة.
غزة.. حين تتحول أتمتة القتل إلى خوارزميات صماء
أما في حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة، فالأمر يتجاوز حدود الجريمة التقليدية ليدخل في دنس “أتمتة القتل”. هنا، جرى تجريد الضحية من إنسانيتها لتصبح مجرد رقم في معادلة رياضية.
تبرز الدراسة تفاصيل هذه المحرقة الخوارزمية عبر أنظمة مثل “لافندر” الذي مسح بيانات أكثر من مليوني إنسان لإنتاج أهداف بشرية بالجملة بلا مراجعة، ونظام “ذا غوسبل” لتوليد إحداثيات قصف المباني ونسف الأحياء بلمح البصر، فضلاً عن أداة “أين بابا؟” لرصد المستهدفين داخل بيوتهم فوق أطفالهم. وهو قتل جماعي يتكامل مع طائرات الاستطلاع والهجوم المسيرة، وصولاً إلى اختراق سلاسل التوريد كما رأينا في تفجيرات أجهزة الاتصال في لبنان.
مشروع “نيمبوس”.. تواطؤ عمالقة التكنولوجيا في واشنطن وتل أبيب
لا يتحرك هذا الوحش التقني بمعزل عن العالم؛ فالتواطؤ العضوي بين المنظومة العسكرية الإسرائيلية وكبرى شركات التقنية الأمريكية يوفر الغطاء والبنية التحتية المطلوبة لاستمرار المذبحة.
تشير الدراسة إلى اتفاقية “نيمبوس” المشؤومة بقيمة 1.2 مليار دولار مع “غوغل” و”أمازون”، إضافة إلى حوسبة “مايكروسوفت” (Azure)، والتي تمنح جيش الاحتلال قدرات غير محدودة في تخزين بيانات المراقبة والقتل المباشر، وتؤكد الباحثة أن هذا التعاون استمر بوقاحة رغم صرخات الاحتجاج الواسعة التي أطلقها موظفون ضمن حملة “لا تكنولوجيا لدولة الأبارتهايد”، والذين قوبلوا بالقمع والفصل، ناهيك عن تسخير شركة “ميتا” لخدمات إعلاناتها في جمع التبرعات وتجنيد الدعم لكتائب القتل.
هشاشة الكيان.. عندما يتهاوى اقتصاد الهايتك تحت ضربات الصمود
لكن الصورة ليست مطلقة القوة؛ فدراسة الهايتك تقدم قراءة في هشاشة هذا القطاع الذي يُعتبر العمود الفقري لاقتصاد الكيان (استحواذه على 20% من الناتج المحلي وأكثر من 53% من الصادرات). الحرب الحالية كشفت عورات هذا الاقتصاد؛ فأكثر من 49% من الشركات أبلغت عن إلغاء استثمارات كبرى، وشهدت الشركات في الشمال شللاً تشغيلياً ذريعاً، ناهيك عن هروب بعض الأذرع الاستثمارية الدولية وإغلاق مكاتبها في تل أبيب، مما دفع دولة الاحتلال للاستماتة في البحث عن أموال الصناديق الخليجية عبر بوابات التطبيع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وختاماً تؤكد منصة “جمهورية فلسطين” أن أهمية هذه الدراسة الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية تكمن في أنها تنزع القناع عن التكنولوجيا، وتبين لنا حقيقتها: ليست رفاهية محايدة ولا ابتكاراً بريئاً، بل هي أداة مركزية لشرعنة الإبادة وسلعة سياسية تُسوق بدمائنا في أسواق العالم.
وتتيح منصة “جمهورية فلسطين” لقراء ومتابعي الموقع إمكانية الاطلاع المباشر وتحميل الفصل الكامل من الدراسة البحثية (PDF) باللغتين العربية والإنجليزية عبر الروابط المرفقة أدناه، والصادرة رسمياً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية:
🔗 اضغط هنا لقراءة وتحميل الدراسة كاملة باللغة العربية (PDF)
🔗 Click here to read and download the full study in English (PDF)





