مقال رأي: عمر فارس
ليس مجرد مقعد في مجلس الشيوخ. فوز عبد الرحمن السيد في ميشيغان يتجاوز بكثير حدود الولاية المتأرجحة. إنه اختبار مباشر لثلاث قوى كانت تُعتبر لفترة طويلة غير قابلة للتحدي في السياسة الأمريكية: خطاب الكراهية، وترامب، وأموال أيباك. النتيجة: الأول انهار، والثاني تلقى ضربة، والثالث لم يشترِ المقعد.
أولاً، “الغريب” الذي فاز رغم كل شيء
في حملة انتخابية مليئة بالهجمات، واجه السيد هجوماً لم يتوقف على هويته. ترامب نفسه أطلق عليه في التجمعات الانتخابية وصف “الجهادي”، وادعى أنه “يقف إلى جانب الإرهابيين”، بل سخر من اسمه مراراً . خصمه الجمهوري مايك روجرز حاول ربطه بتنظيم الإخوان المسلمين، رغم عدم وجود أي دليل على ذلك .
لكن يوم الانتخابات، لم يشترِ الناخب في ميشيغان هذه القصة. في خطاب الفوز، سخر السيد من ترامب: “دونالد، أعرف أنك واجهت صعوبة في نطق اسمي. بعد أن يؤدي جيه دي القسم في يناير، يمكنك ببساطة أن تناديني ‘سيناتور'” .
ثانياً، 30 مليون دولار لم تشترِ المقعد
هذا هو الجزء الأكثر أهمية في هذه الانتخابات. خلال الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، أنفقت أيباك (AIPAC) ولجانها التابعة أكثر من 30 مليون دولار لدعم خصمه هايلي ستيفنز، في محاولة لإقصاء السيد . إجمالي الإنفاق الخارجي في تلك الانتخابات التمهيدية تجاوز 60 مليون دولار، ليسجل رقماً قياسياً في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية .
ما يعني أن أيباك لم تخسر عادة “الإنفاق الكبير يفوز” فحسب، بل خسرت قدرتها على “تحديد من لا يحق له الفوز”. رسالة السيد واضحة: المال يمكنه شراء الإعلانات، لكنه لا يستطيع شراء أصوات الناخبين.
ثالثاً، الشقوق في الحزب الديمقراطي انكشفت بالكامل
قبل يومين من الانتخابات العامة، حدث ما لم يتوقعه الكثيرون: ستيفنز، التي خسرت في الانتخابات التمهيدية، أعلنت دعمها للجمهوري روجرز، بسبب معارضة السيد للمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل ووصفه العمليات الإسرائيلية في غزة بأنها “إبادة جماعية” . هذا الانقلاب كشف أن الانقسام داخل الحزب الديمقراطي حول قضية إسرائيل-فلسطين لم يعد يمكن احتوائه.
لكن الأهم هو ما حدث بعد ذلك: رغم هذا الانقلاب، فاز السيد. هذا يعني أن الناخبين في ميشيغان — بما في ذلك الجالية العربية الأمريكية الكبيرة — لم يهتموا كثيراً بهذا “الطرد من الحزب”. في ديربورن، قال رئيس البلدية عبد الله حمود إن الناس صوتوا له “ليس بسبب هويته، بل بسبب سياساته” .
رابعاً، ما يعنيه هذا
عندما يُنتخب أول عضو مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي في ولاية متأرجحة صوتت لترامب في 2024 ، وعندما يفوز رغم هجمات ترامب الشخصية ورغم إغراق أيباك لعشرات الملايين من الدولارات، فهذا ليس “معجزة”، بل إشارة.
الإشارة تقول: الأمريكيون العرب والمسلمون لم يعودوا مجرد “أصوات يجب سماعها”. لديهم الآن ممثل في أعلى هيئة تشريعية في الولايات المتحدة. في ظل التغيرات في السياسة الأمريكية تجاه فلسطين، هذه النقطة تستحق التوقف عندها.
بالطبع، فوز واحد لا يعني نهاية العنصرية أو ترامب أو أيباك. لكنه يثبت شيئاً واحداً على الأقل: في ميشيغان عام 2026، المال والكراهية لم ينجحا.
عمر فارس | كاتب، رئيس الجمعية الاجتماعية الثقافية لفلسطيني بولندا





