بقلم: د. وليد عبد الحي
يجزم القارئ للمشهد الاستراتيجي أن الخطة الأمريكية الإسرائيلية، ومن خلفها قوى تعمل من وراء الستار، كانت ولا تزال تضع هدف “إسقاط النظام الإيراني” كأولوية قصوى لا تحيد عنها، فبالنسبة لهذه القوى، لا يعد البرنامج النووي الإيراني، أو بناء التحالفات والمحاور الإقليمية، أو حتى تعزيز النفوذ الروسي والصيني في المنطقة، سوى نتائج لمنظور استراتيجي يتبناه النظام نفسه؛ وهو ما يعني أن الهدف الجوهري ليس مجرد عرقلة هذه الأبعاد أو تقويضها، بل إسقاط “الشماعة” التي إن سقطت سقط كل ما هو معلق عليها من نفوذ وقوة، وهو الأمل الذي يسعى لتحقيقه الثنائي ترامب ونتنياهو بكل الوسائل المتاحة.
ويبدو أن هذه الخطة الغربية اعتمدت على ركائز محددة، بدأت بتأزيم الوضع الداخلي من خلال الحصار الاقتصادي وتأجيج الهويات الفرعية في مجتمع يقارب الـ 45% من غير الفرس، مع تعزيز المعارضة من بقايا نظام الشاه أو اليسار الإسلامي المتمركز في باريس.
كما انتقلت الخطة إلى مرحلة اغتيال القيادات السياسية والعسكرية والعلمية لشل قدرات النظام على التخطيط وخلق بيئة مواتية للتناحر الداخلي، بالتوازي مع تأجيج الإقليم عبر نبش الثنائيات التاريخية بين السنة والشيعة، أو عبر حملات إعلامية بلغت حداً من السذاجة لتصوير الصراع الاستراتيجي بين أمريكا وإيران على أنه مجرد “مسرحية”، إلا أن هذه الاستراتيجية لم تحقق غايتها الرئيسية، بل أدت لجعل فرضياتها موضع شك كبير، رغم الاختراقات الأمنية التي شكلت ثقباً في الجدار الإيراني لمرات متتالية.
إن فهم بنية النظام الإيراني واستراتيجياته الحالية يمر بالضرورة عبر مجلس الأمن القومي، الذي تشرحه المادة 176 من الدستور، ويتكون من 13 عضواً يمثلون الأجنحة الثلاثة للسلطة: القيادة السياسية (الرئيس ورئيس البرلمان ورئيس القضاء وممثل المرشد)، والقيادة العسكرية (رئيس هيئة الأركان وقائد الجيش وقائد الحرس الثوري)، والقيادة الأمنية (وزراء الاستخبارات والداخلية والخارجية)، بالإضافة للبعد الاقتصادي المتمثل في رئيس هيئة التخطيط والميزانية.
وهنا يجب التنبه إلى أن قرارات هذا المجلس لا تصبح نافذة إلا بعد موافقة المرشد الأعلى عليها، مما يعني أن مركز القرار يتمحور فعلياً حول المرشد والحرس الثوري وأمين المجلس.
وفي هذا السياق، يشير التعيين الجديد لمحمد باقر ذو القدر أميناً عاماً للمجلس إلى تحول جوهري؛ إذ لم يعد دوره مجرد التنسيق، بل المدير الفعلي لصناعة القرار وبدائله قبل عرضها على المرشد، مما يحول المجلس إلى “غرفة قيادة عسكرية أمنية” تعزز دور المرشد أكثر، وتؤدي لتراجع وزن النخب الدبلوماسية والتكنوقراط، بحيث يصبح دور وزير الخارجية مستقبلاً هو تنفيذ قرارات المجلس لا تقديم الاقتراحات.
وبناءً على هذه المعطيات، يتجه مستقبل مركز القرار نحو احتمالات ثلاثة؛ يبرز أولها وأقواها بنسبة تصل إلى 90% وهو “الهيمنة الأمنية”، حيث يتصاعد حضور الحرس الثوري في بنية السلطة والملفات الخارجية، وتتزايد القرارات الأمنية على حساب الدبلوماسية، أما الاحتمال الثاني بنسبة 65% فهو تراجع التوازن داخل المؤسسة لصالح القوى الخشنة مع بقاء استقلالية “يومية” للحكومة والبرلمان، بينما يظل احتمال “احتكار القرار بقدر استبدادي” ضعيفاً بنسبة لا تتجاوز 40%، حيث يضعف دور المؤسسات لصالح دائرة نفوذ المرشد الضيقة.
ومن الضروري الإشارة إلى أن اتخاذ القرار في هذا المجلس يتم عادة على قاعدة “التوافق” (Consensus) لا الأغلبية، وهو ما يشبه “التوافق النخبوي” في الحزب الشيوعي الصيني، بخلاف النموذج الأمريكي حيث ينفرد الرئيس بالقرار بعد صناعة البدائل، أو النموذج الإسرائيلي حيث يحسم رئيس الوزراء القرار عبر الكابينت الأمني.
وبناءً عليه، نرجح للفترة القادمة استمرار الهيمنة الأمنية التي يغذيها السلوك الأمريكي الإسرائيلي، وهو ما قد يدفع طهران في النهاية نحو “نموذج كوريا الشمالية” والانسحاب من تفاهمات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إذا اشتد الضغط.
إننا في المحصلة أمام فوضى يصنعها رئيس أمريكي لا يميز بين الوطن والعقار، ورئيس وزراء إسرائيلي مسكون بميتافيزيقيا الوعد الإلهي، تواجههما دولة تتغذى بدورها على فكرة “المهدي المنتظر” الممزوجة برومانسية الشهادة وشعور قومي بضرورة الحصول على مكانة أفضل في سلم القوى الحضاري.. فهل الاستقرار ممكن في بيئة كهذه؟





