بقلم: مايكل هدسون _ إقتصادي أميركي بارز

​يجزم المراقبون المتعمقون أن الحرب الحالية التي تشنها الولايات المتحدة لا تتعلّق في جوهرها بسعي إيران لامتلاك “سلاح دمار شامل”، بل إن هذه الرواية لم تكن سوى غطاء دعائي وصرف للانتباه عن الخطة الأميركية طويلة الأمد التي شكّلت أساس سياستها الخارجية طوال القرن الماضي، فالهدف الحقيقي يكمن في السيطرة المطلقة على إيران وعلى تجارة النفط المرتبطة بها؛ ليس فقط من حيث الإنتاج، بل من حيث تحديد من يملك حق الشراء ومن يُحرم منه، والأهم من ذلك كله هو التحكم في وجهة عائدات التصدير، حيث تسعى واشنطن للاستيلاء على الموارد الإيرانية وتسليمها إما لنظام تابع لها أو لشركات أميركية كبرى، ومن ثم استغلال حالة الفوضى في دول “أوبك” العربية لفرض ذات السيطرة عليها.​

“إن المشهد الحالي ينبئ بأننا قد تجاوزنا مرحلة مناورات التهديد والتراجع التي كانت تُربك الأسواق المالية؛ حيث يحلل هدسون تلك اللعبة المتكررة التي تشهدها الأسواق، خاصة في أيام الجمعة التي تشتعل فيها التهديدات، لتتبعها تصريحات متفائلة عن السلام تؤدي لارتفاع مؤشر ‘داو جونز’ بأكثر من ألف نقطة بحلول يوم الاثنين، حيث يرى هدسون أننا أمام مرحلة جديدة لم تعد تحتمل هذه المناورات، فنحن الآن أمام حقيقة الهجوم البري الوشيك المصحوب بضربات جوية تستهدف موارد الطاقة الإيرانية، وفي المقابل، لن تقف طهران مكتوفة الأيدي، بل سترد بضرب البنى التحتية للطاقة في الدول العربية التي دعمت هذا الغزو وفتحت قواعدها للجيش الأميركي في مشيخاتها، وهو سيناريو جرى التخطيط له منذ وقت طويل، حتى قبل عام 2003 عندما شرح ذلك الجنرال ويسلي كلارك.​

والمطلوب من إيران لكي تنال الرضا الأميركي هو “تغيير النظام” وتنصيب شخصية إيرانية على شاكلة “يلتسين” تسمح لشركات النفط الأميركية بالعودة والسيطرة على الموارد الوطنية؛ فالهدف الأميركي هو جعل العالم يعتمد كلياً على النفط الخاضع لسيطرتها المباشرة، ليس فقط المنشآت النفطية، بل حكومات الدول المصدّرة للنفط أيضاً، والغاية هي تمكين الاستراتيجيين الأميركيين من التحكم المطلق بالطاقة، من كهرباء وغاز وأسمدة وإنارة وتدفئة، للدول التي ترفض سياساتهم، وذلك عبر التحكم في “نقطة خنق” وصولها إلى الطاقة لضمان الانصياع التام.​

وما هو أبعد من النفط نفسه، تسعى واشنطن لأن تُعاد عائدات تصدير النفط إلى الولايات المتحدة حصراً في شكل سندات حكومية أو أسهم شركات، وليس عبر تملك مباشر في شركات أخرى.

ويدرك المخططون الأميركيون أن ذلك سيؤدي إلى كساد عالمي نتيجة الرد الإيراني المتوقع بضرب القواعد الأميركية وربما القضاء على العائلات الحاكمة في المشيخات، إلا أن حجم الدمار الذي سيلحق بدول “أوبك” يخدم في النهاية هدف الاستيلاء الأميركي على هذه الموارد تحت ذريعة التدخل لحمايتها، مما يمنح واشنطن التحكم في معظم موارد تصدير النفط العالمية خارج روسيا،​بعد ذلك، يمكن للولايات المتحدة الادعاء بأنها أنقذت الاقتصاد العالمي من إيران، بينما تستخدم سيطرتها على النفط كسلاح اقتصادي فتاك ضد الدول التي ترفض سياساتها الخارجية، خاصة فيما يتعلق بفرض العقوبات على روسيا والصين.

ورغم أن دولاً أوروبية وآسيوية تقول إن هذه ليست حربها، إلا أنها في الواقع حربها بامتياز؛ فالولايات المتحدة تنوي عزل جميع منشآت النفط في العالم التي لا تستطيع السيطرة عليها، في مشهد يشبه أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، حين لم يتمكن العالم من تخيّل بشاعة خطة هتلر التوسعية قبل وقوعها.​

وفي خاتمة تحذيرية، يستذكر هدسون لقاءاته في منتصف السبعينيات بجنرالات عارضوا الحرب بقوة، وهو ما يغيب تماماً اليوم؛ حيث نلاحظ حالة من الخدر المريب تمتد من وول ستريت وصولاً إلى الجيش وبقية الدول، وكأن الجميع في غيبوبة أمام حرب ستبتلع اقتصاداتهم ومجتمعاتهم، إن كل شيء واضح في كيفية تطوّر الأمور، ولكن بالنسبة لمعظم الحكومات، فإن وضوح الصورة مرعب إلى درجة باتت فيه عاجزة عن التفكير أو المواجهة، مفضلة الانتظار السلبي أمام كارثة وشيكة.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *