بقلم: د. علاء أبو عامر
لطالما عُرفت جورجيا ميلوني، منذ وصولها إلى السلطة، بأنها واحدة من أصلب حلفاء الكيان الصهيوني في القارة الأوروبية، حيث تبنت خطاباً يرتكز على حق “إسرائيل” في الدفاع عن نفسها، إلا أن التطورات الدراماتيكية التي شهدتها الساعات والأيام الأخيرة، وصولاً إلى تصريحها الحازم بأن إسرائيل “تجاوزت الخط الأحمر”، كشفت عن تحول كبير في السياسة الخارجية لروما، هذا الموقف لم يعد مجرد عتاب ديبلوماسي، بل ترجمته أفعال على الأرض أعادت رسم علاقة إيطاليا بمنطقة الشرق الأوسط وبحلفائها التقليديين في واشنطن، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول الأسباب التي دفعت ميلوني لتغيير نبرتها في هذا التوقيت بالذات.
ويمكن تحليل هذا التحول من خلال ثلاث ركائز أساسية ظهرت في الأزمة الأخيرة، أولاها استهداف قوات “اليونيفيل” في لبنان، حيث اعتبرت ميلوني تعرض الجنود الإيطاليين للنيران بمثابة مساس مباشر بالسيادة الوطنية، وهو ما دفعها للتصريح بأن هذه الهجمات “غير مقبولة” وتخالف القانون الدولي؛ أما الركيزة الثانية فتتمثل في أزمة قاعدة “سيغونيلا” الجوية، حيث جاء القرار الإيطالي بمنع الطائرات الأمريكية المحملة بالأسلحة والمتجهة للكيان من استخدام القواعد الإيطالية بمثابة رسالة استقلال استراتيجي؛ فميلوني ترفض أن تكون بلادها مجرد “ممر” لحرب ترى أنها خرجت عن السيطرة وأصبحت تهدد المصالح الأوروبية المباشرة وتكرس تبعية مطلقة لواشنطن، ولم يقتصر موقف ميلوني على الجانب العسكري والسيادي فحسب، بل امتد ليشمل أبعاداً إنسانية ودينية، تمثلت في تنديدها الصريح بالتضييق الإسرائيلي على الشخصيات الدينية في القدس، وتحديداً منع بطريرك اللاتين من ممارسة طقوسه، مما أضفى صبغة أخلاقية على موقفها تلامس مشاعر قاعدتها الانتخابية المحافظة.
إن هذه المواقف مجتمعة تؤكد أن “الشيك على بياض” الذي منحته روما للكيان في بداية العدوان قد انتهى مفعوله، وأن التحول نحو دعم العقوبات الأوروبية والتلويح بالاعتراف بالدولة الفلسطينية يضع إيطاليا اليوم في قلب “معسكر الواقعية” الجديد الذي يرى في التصعيد الصهيوني زعزعة لاستقرار المتوسط برمته.
ويبقى السؤال الأهم في خضم هذا المشهد المتغير هو ما إذا كان هذا الحزم يمثل رد فعل مؤقت لامتصاص الغضب الشعبي والدولي، أم أنه يمثل إعادة تموضع استراتيجي شامل لإيطاليا كقوة وسيطة في منطقة المتوسط، الأكيد أن ميلوني أثبتت براغماتية عالية في إدراكها بأن التحالف مع القوي لا يعني التضحية بالمبادئ أو بالمصالح الوطنية العليا عندما تتعارض مع سياسات الحليف، لترسم بذلك حدوداً جديدة للعلاقة بين روما وتل أبيب في مرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة.





