بقلم: أحمد الطناني | كاتب ومحلل سياسي من غزة
شكلت المؤسسات الدولية أحد أعمدة النظام الدولي الحديث، إذ صُمِمت لتكون إطاراً ناظماً يهدف إلى ضبط استخدام القوة ومنع انزلاق النزاعات نحو تهديد السلم والأمن الدوليين، تعزَّز الرهان على هذه المؤسسات مع نهاية الحرب الباردة، ليس في إدارة الأزمات بعد وقوعها فحسب، بل أيضاً في استباقها عبر أدوات سياسية ودبلوماسية وقانونية، كان من أبرزها ما يُعرف بـ”الدبلوماسية الوقائية”.
غير أن هذا الرهان سرعان ما اصطدم بتحديات عملية، مع تزايد النزاعات المعقَّدة، وتراجُع قدرة النظام الدولي على تفعيل أدوات المنع المبكر حين تتقاطع الأزمات مع حسابات القوة والمصلحة. وفي هذا السياق، ظهرت الدبلوماسية الوقائية كأحد أبرز المفاهيم التي تختبر فعالية التنظيم الدولي، ولا سيما في الأزمات التي تنطوي على خروقات جسيمة لقواعد السيادة واستخدام القوة.
تأتي الحالة الفنزويلية متزامنة مع العجز الدولي المزمن عن وقف حرب الإبادة في قطاع غزة، كمثالَين كاشفَين لحدود الفعل الدولي في هذا السياق، وللفجوة المتسعة بين إنتاج القواعد القانونية، والقدرة على تفعيلها، ويتيح هذا السياق طرح تساؤلات أعمق بشأن مستقبل الدبلوماسية الوقائية، ووظيفة المؤسسات الدولية، وحدود قدرتها على منع تحوّل القوة إلى أداة ناظمة للعلاقات الدولية.
المؤسسات الدولية وحدود الفعل في نظام دولي انتقائي
نشأت المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، بصفتها استجابة تاريخية للفوضى التي خلَّفتها الحروب الكبرى، ومحاولة لبناء نظام دولي يقيِّد استخدام القوة، ويؤسِّس لمرجعية قانونية مشتركة تحكم العلاقات بين الدول. وقد استند هذا التصور إلى افتراض جوهري فحواه أن التنظيم المؤسسي قادر، ولو نسبياً، على كبح تغوُّل القوة ومنع تحوُّلها إلى أداة دائمة لفرض الإرادة السياسية خارج أي إطار جماعي.
ومع نهاية الحرب الباردة، تعزَّز هذا الرهان بطريقة لافتة؛ إذ بدا أن تراجُع الاستقطاب الثنائي يفتح المجال أمام دور أوسَع للمؤسسات الدولية، ليس على صعيد إدارة النزاعات فحسب، بل أيضاً في استباقها عبر الإنذار المبكر، والوساطة، والردع القانوني. بيد أن هذا البناء النظري سرعان ما اصطدم بحدوده البنيوية؛ إذ لم تُنشأ هذه المؤسسات خارج توازنات القوة، بل صُمِّمَت في قلبها، بما في ذلك تكريس امتيازات للدول الكبرى داخل هياكل اتخاذ القرار.
ويُعدّ مجلس الأمن الدولي النموذج الأوضح على هذا الاختلال؛ إذ تحوَّل حق النقض من أداة استثنائية لضبط التوازن إلى آلية تعطيل شبه دائمة تُستخدم لحماية الحلفاء ومنع أي مسار جدي للمساءلة، حتى في القضايا التي تمسّ السلم والأمن الدوليين مساساً مباشراً. وبذلك، بات إنتاج الشرعية الدولية منفصلاً عن تفعيلها، ومشروطاً بحسابات القوة لا بمقتضيات القانون.
ويتجلى هذا القصور البنيوي بوضوح في العجز الدولي عن وقف حرب الإبادة في قطاع غزة؛ إذ لم تُترجم القرارات والإجراءات القضائية، بما في ذلك أوامر محكمة العدل الدولية ومذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق قادة الاحتلال الإسرائيلي إلى أي مسار ردعي فعلي، وهو ما كشف الفجوة العميقة بين الاعتراف القانوني بالانتهاك والقدرة السياسية على فرض كلفته.
في قلب هذا النمط الانتقائي تبرز الولايات المتحدة بصفتها الفاعل الأكثر تأثيراً في تحديد سقف الفعل الدولي، سواءً أكان ذلك عبر النفوذ السياسي المباشر، أم عبر تعطيل آليات المحاسبة، أم حتى عبر استهداف المؤسسات القضائية الدولية نفسها. وقد تعمَّق هذا المسار مع التوجهات التي عبَّر عنها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بما في ذلك فرض عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة هدفت إلى تحصين إسرائيل من المساءلة وتقويض استقلال القضاء الدولي.
ولا تبدو الأزمة الفنزويلية ضمن هذا السياق المختل استثناءً عن القاعدة، إنما هي امتداد منطقي لمسار طويل من تآكُل وظيفة المؤسسات الدولية. فإن اختطاف رئيس دولة ذات سيادة من دون أي تفويض دولي، وردات الفعل الدولية المحدودة حياله، يعكسان إدراكاً مسبقاً لدى الفاعلين الأقوياء بأن كلفة التجاوز ستبقى محدودة، وأن النظام الدولي بات عاجزاً –أو مقيَّداً– عن تحويل الانتهاك إلى سابقة مدانة.
الدبلوماسية الوقائية: من أداة استباق النزاع إلى اختبار العجز البنيوي
تُطرَح الدبلوماسية الوقائية في الأدبيات الدولية بصفتها إحدى أكثر أدوات إدارة النزاعات نضجاً وأقلها كلفة؛ إذ يُفترض بها العمل قبل لحظة الانفجار، والتعامل مع الأزمات وهي لا تزال في طور المؤشرات والإنذارات المبكرة. وقد ارتبط صعود هذا المفهوم، منذ تسعينيات القرن الماضي، بتعاظُم دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، في سياق بدا فيه العالَم متجهاً نحو تقليص منطق الرد العسكري لصالح أدوات سياسية ودبلوماسية وقانونية أكثر استدامة.
تقوم الدبلوماسية الوقائية من حيث المبدأ على ركيزتين أساسيتين:
الأولى: النباهة التقديرية وتتمثل بالقدرة على التقاط المؤشرات السياسية والأمنية التي تنذر بتصعيد وشيك أو انتهاكات محتملة.
أمّا الثانية: فهي التدخل المبكر عبر الضغط السياسي والوساطة وتفعيل القنوات متعددة الأطراف، بما يمنع تحوُّل هذه المؤشرات إلى وقائع مفروضة.
وبهذا المعنى، لا تُقاس فاعلية الدبلوماسية الوقائية عند اندلاع الأزمات، بل بقدرتها على منع نشوئها أصلاً.
غير أن هذا التصور يصطدم، في التطبيق، بقيود بنيوية عميقة؛ إذ لا تعمل الدبلوماسية الوقائية في فراغ معياري مستقل، إنما داخل نظام دولي غير متكافئ تتحكم فيه توازنات القوة، وتُحدَّد فيه أسقف الفعل الممكن وفق مصالح الدول الكبرى. ففي الحالات التي يكون فيها الفاعل المحتمل للخرق دولة ضعيفة أو معزولة تُفعَّل أدوات الوقاية بسرعة نسبية، بينما حين يكون الفاعل دولة كبرى أو قوة مهيمنة، فإن هذه الأدوات تُعطَّل، أو تُفرَّغ من مضمونها، أو يُستعاض عنها بخطاب “إدارة الأزمة” بدل منعها.
وفي هذا السياق، لا يعود فشل الدبلوماسية الوقائية ناتجاً من نقص المعلومات أو غياب الإنذار المبكر، فالإشارات التحذيرية في الأغلب ما تكون واضحة، غير أن الإرادة الدولية لتفعيل الوقاية تغيَّب أو تُكبَّل خشية الاصطدام بمصالح القوى الكبرى أو تفادي تفجير التناقضات داخل المؤسسات الدولية نفسها. وهنا تتجلى المفارقة الأساسية بكون الأدوات متوفرة، والمعرفة قائمة، لكن القرار السياسي بتفعيلها عادة ما يُؤجَّل أو يُلغى.
الفشل القَبلي والبَعدي للدبلوماسية الوقائية في الحالة الفنزويلية
تشكِّل الحالة الفنزويلية اختباراً عملياً مكثفاً لفشل الدبلوماسية الوقائية في مستويَيها معاً: مستوى المنع والاستباق قبل وقوع الخرق، ومستوى الاحتواء ونزع الشرعية بعده. فالحدث لم يكن مفاجئاً أو معزولاً، إنما جاء في سياق سياسي وقانوني واستراتيجي متدرِّج، توافرت فيه مؤشرات واضحة كان من الممكن –نظرياً– التعامل معها عبر أدوات وقائية تحول دون الانزلاق إلى انتهاك فجٍّ لقواعد السيادة والحصانة.
أولاً: الفشل القبلي – تسييس المسار القانوني وتجاهل البدائل الدولية:
سبق اختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، مسار –قانوني أمريكي- معلَن منذ سنة 2020، تمثّل في لائحة اتهام صادرة عن محكمة أميركية، وهو تطوُّر كان يفترض أن يُفتَح حوله نقاش دولي جاد ضمن الأطر القضائية المتعددة الأطراف، لا أن يُستخدم ذريعة لفرض وقائع بالقوة. فالمنظومة الدولية تتيح، من حيث المبدأ، مسارات قانونية واضحة لمعالجة حالات كهذه، سواءً عبر آليات قضائية دولية، أم عبر ترتيبات قانونية متوافق عليها، من دون المساس بمبدأ السيادة أو الحصانة.
بيد أن هذه البدائل لم تُطرَح أصلاً بصفتها خيارات حقيقية؛ إذ جرى تجاوز المسار القانوني الدولي بالكامل لصالح فعل أحادي، وهو ما يعكس فشلاً وقائياً مزدوجاً: الفشل في تدويل النزاع قانونياً قبل انفجاره، والفشل في استخدام القانون الدولي بصفته أداة كبح مبكر للسلوك القسري. وبذلك، لم يكن الخرق نتيجة غياب الآليات، بل نتيجة تجاهل متعمَّد لها.
ويتعزَّز هذا الفشل القبلي عند وضعه في سياقه الأوسع، المرتبط بإعادة تفعيل “مبدأ مونرو” في الاستراتيجيا الأميركية، ولا سيما عبر ما عُرِف بـ”ملحق ترامب”، الذي أعاد تعريف أميركا اللاتينية بصفتها مجال نفوذ مفتوح تُدار فيه الخلافات بمنطق الهيمنة لا بمنطق القانون. وقد شكَّلت هذه التوجهات إشارات تحذيرية واضحة، على مستوى الخطاب السياسي والتصعيد الاستراتيجي، من دون أن تُقابَل بأي جهد وقائي جدي داخل المؤسسات الدولية.
ثانياً: الفشل البَعدي – ردات فعل خجولة وتطبيع الانتهاك
إذا كان الفشل القَبلي قد تجلَّى في غياب المنع، فإن الفشل البَعدي تجلَّى في ضعف الاستجابة الدولية وعجزها عن تحويل الحدث إلى سابقة مدانة، فقد اتسمت ردات الفعل الإقليمية والدولية بالحذر والتردد، وهو ما عكس حدود الإرادة السياسية في مواجهة الولايات المتحدة، واكتفت في معظمها ببيانات إدانة عامة من دون إجراءات عملية.
وعلى الرغم من صدور مواقف قانونية واضحة على مستوى الأمم المتحدة، من خبراء حقوق الإنسان الذين عدَّوا ما جرى استخداماً محظوراً للقوة وعدواناً مسلحاً غير قانوني، فإن هذه المواقف لم تُترجَم إلى مسارات مساءلة ملزِمة أو خطوات ردعية فعَّالة، وهو ما حوَّل هذه التصريحات إلى توثيق قانوني للانتهاك أكثر منها أدوات لمنع تكراره.
وبناءً على ذلك، فإن الفشل البَعدي لا يقتصر على ضعف الردود فقط، بل يتمثل كذلك بتطبيع الخرق والتعامل معه على أنه أمر واقع قابل للاحتواء، لا بصفته تهديداً يستوجب تحركاً جماعياً حاسماً، وهو ما يفرغ الدبلوماسية الوقائية من بُعدها اللاحق، ويحوِّلها من أداة لنزع الشرعية ومنع التكرار إلى خطاب أخلاقي محدود الأثر.
وبهذا، تكشف الحالة الفنزويلية أن فشل الدبلوماسية الوقائية ليس عارضاً أو ظرفياً، إنما هو نتيجة مباشرة لاختلال بنيوي يسمح بمرور الانتهاك حين يكون الفاعل قوة مهيمنة، ويُراكِم سوابق خطِرة تهدِّد استقرار القواعد التي يُفترض أن تحكم النظام الدولي.
من الفشل المركَّب إلى خطر الفوضى الدولية
لا يمكن قراءة فشل الدبلوماسية الوقائية في الحالة الفنزويلية، ولا العجز الدولي المزمن عن وقف حرب الإبادة في قطاع غزة، على أنهما إخفاقين منفصلين أو عابرين، بل بصفتهما تعبيراً عن فشل مركَّب يطال بنية النظام الدولي ذاتها. ففي كلتا الحالتين لم يكن الخلل في غياب القواعد أو نقص الأدوات، إنما في تعطيلها المنهجي حين تتقاطع مع مصالح القوى الكبرى، وفي تحويل الاستثناء إلى ممارسة مقبولة.
إن التساهل مع خروقات فاضحة لمبدأ السيادة، واستخدام القوة خارج أي تفويض جماعي، والتطبيع مع الإفلات من العقاب، لا يعني عجزاً ظرفياً عن الردع فحسب، بل أيضاً يؤسِّس لمسار أخطر يتمثل في تآكل القاعدة القانونية نفسها. فمع كل انتهاك غير مُحاسَب عليه تتراجع السيادة من مبدأ حاكم إلى مفهوم تفاوضي، يُمنح أو يُسحب وفق ميزان القوة لا وفق قواعد القانون الدولي.
وفي هذا السياق، لا يعود فشل الدبلوماسية الوقائية مسألة تقنية قابلة للإصلاح الإجرائي، بل مؤشراً على أزمة أعمق في وظيفة المؤسسات الدولية، وجدوى أدواتها، وحدود قدرتها على كبح القوة حين تكون هذه القوة هي نفسها من يُفترض أن تخضع للضبط. وذلك يطرح أسئلة جوهرية بشأن مصير مفاهيم مركزية في النظام الدولي، من قَبيل مسؤولية الحماية، واستقلال القضاء الدولي، وفعالية القانون الدولي العرفي في غياب آليات إلزام حقيقية.
والأخطر من ذلك أن التهشيم المستمر لدور المؤسسات الدولية لا يضعفها فحسب، ولا يقتصر على تقويض الثقة بفكرة التنظيم الدولي ذاتها، ففي عالم تتراكم فيه الأزمات المفتوحة، من غزة ولبنان وإيران إلى أوكرانيا وغرينلاند، وتتوسع فيه طموحات الهيمنة بالقوة في فضاءات جديدة، لم تَعُد السوابق حوادث معزولة فقط، بل تحولت أيضاً إلى لبنات تأسيسية لمسار ينذر بالانتقال من نظام دولي مختل إلى حالة أقرب للفوضى المنظمة، باتت لها أطر ومشاريع مؤسسية تسعى لإحلال نظام دولي جديد، يتجلى أحد تعبيراته فيما عُرف بـ”مجلس السلام” الذي شكَّله الرئيس الأميركي.
وعليه، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في فشل الدبلوماسية الوقائية في منع خرق بعينه بمقدار ما يكمن في القبول الضمني بتداعيات هذا الفشل، والتكيُّف مع عالم تُعلَّق فيه القواعد عند الحاجة. فليس السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ما إذا كانت الأدوات الدولية قد أخفقت، إنما السؤال ما إذا كان النظام الدولي، بصيغته الراهنة، يعيش حالة احتضار فعلية، ويمهِّد جدياً لإعادة هيكلته ضمن أطر جديدة تقوم على منطق الهيمنة الفجَّة والصريحة، في ظل العجز الدولي عن منع تحوّل القوة إلى القانون الوحيد الناظم للعلاقات الدولية.
نشر المقال في مجلة مؤسسة الدراسات الفلسطينية بتاريخ 2 أبريل 2026





