بقلم | “جمهورية فلسطين”

 في اللحظة التي اعتقد فيها العالم أن “توقيت واشنطن” هو من يضبط إيقاع الأرض، جاء الصمود الإيراني ليؤكد أن للجغرافيا منطقها الخاص، الذي لا يخطئه إلا من يراهن على أوهام السيطرة. لم تعد المواجهة الراهنة مجرد انكسار لاتفاق أو اغتيال لقائد، بل تحولت إلى انزياح تكتوني عميق في بنية النظام الدولي؛ حيث يصطدم التعنت الأمريكي بـ “صخرة الواقع” الميدانية التي لا يمكن تجاوزها.

​نحن لا نشهد جولة تصعيد عسكرية عابرة، بل لحظة كاشفة للفجوة بين “الترسانة التكنولوجية الصماء” وبين “الإرادة الجيوسياسية الحية”. فبينما أدارت واشنطن المنطقة لعقود عبر أدوات غير مباشرة ووعود دبلوماسية هشة، أعادت المواجهة الاعتبار لحقائق الأرض: فلا سيادة دون حضور فعلي، ولا أمن دون السيطرة على المفاصل الجغرافية الحيوية.

​هنا، ينطلق “قلم الجمهورية” ليفكك شيفرة الصمود الذي تحول من مجرد دفاع عن النفس إلى هجوم استراتيجي، يعيد صياغة موازين العدالة والقوة في عالم يرفض البقاء تحت مظلة القطب الواحد.

دروس الميدان.. تآكل أسطورة الردع

بدأت المواجهة باعتداء غادر استهدف قمة الهرم القيادي، ظناً من المعتد “قطع الرأس” ينهي الجسد. لكن الميدان سرعان ما كشف محدودية هذا الرهان. أكثر من 35 يومًا من العمليات المستمرة في عمق الكيان وقواعد الهيمنة الأمريكي ضد أهداف حساسة، كانت كافية لتمزيق شعارات “التفوق المطلق“. وفرضت واقعًا مغايرًا للحسابات الأولية.

في جنوب لبنان، حيث تتداخل العقيدة بالصخر ومع الجغرافيا، سقطت تصورات “الحرب النظيفة” أمام نمط قتال مختلف، يعيد تعريف الكلفة والمعادلة. لم يعد الأمر مجرد توازن تقليدي، بل انتقال تدريجي نحو أنماط مواجهة أكثر تعقيدًا.

ما يجري اليوم يتجاوز مفهوم “الحرب بالوكالة” نحو شكل أقرب إلى “الأصالة في المواجهة“. استمرارية العمليات بكفاءة، رغم الاستهداف المكثف، تعكس تحولًا في بنية القيادة والسيطرة نحو نماذج أكثر مرونة. هذا التحول قلّص من فعالية التفوق الجوي، وفرض على الخصم نمط استنزاف مركب، لا يقتصر على العتاد بل يمتد إلى الهيبة والردع.

الجغرافيا كـ “قدر”.. خناجر هرمز وحدود القوة

لم تكن الجغرافيا يومًا مجرد إطار صامت، بل كانت دائمًا عاملًا حاسمًا في تحديد مسارات القوة. وفي قلب هذه المعادلة، يقف مضيق هرمز بوصفه نقطة ارتكاز استراتيجية. فالتردد الأمريكي في الذهاب نحو مواجهة برية لا يرتبط فقط بحسابات عسكرية، بل بتكلفة جيوسياسية مرتفعة في بيئة معقدة جغرافيًا. وتاريخيًا. أيضا هو اعتراف بضريبة “الانتحار الاستراتيجي” فوق جبال لا ترحم وتاريخ لا يغفر للغزاة.

فيما تمثل “عقيدة المضائق” أحد أهم عناصر القوة غير المباشرة. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر للطاقة، بل أداة تأثير في توازنات الاقتصاد العالمي. بل أبعد من ذلك فهو “عصب الجهاز العصبي للاقتصاد الرأسمالي“، القدرة على تهديد تدفق ملايين البراميل يوميًا تمنح طهران هامش ضغط يتجاوز الإطار الإقليمي.

هذا الواقع يفسر سلوك “حافة الهاوية” دون الانزلاق إليها؛ إذ أن أي تصعيد غير محسوب قد ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية بشكل يصعب احتواؤه. هنا، تتحول الجغرافيا الإيرانية إلى عنصر ضبط للتصعيد بقدر ما هي عنصر ضغط.

البحر الأحمر.. امتداد المعادلة

​في موازاة ذلك، برزت ساحة البحر الأحمر كامتداد للمعادلة الجيوسياسية. لم يعد الأمر مجرد اضطراب في الملاحة، بل مؤشر على ظهور أنماط جديدة من التأثير البحري غير التقليدي. فإذا كان مضيق هرمز هو “عصب الاقتصاد”، فإن مضيق باب المندب قد تحول إلى “قفل السيادة” الذي تتحكم فيه صنعاء بتنسيق استراتيجي عالٍ مع طهران، إن ما يشهده البحر الأحمر اليوم ليس مجرد اعتراض للسفن، بل هو إعلان عن ولادة “قوة بحرية غير تقليدية” قادرة على كسر التفوق الغربي بأدوات محلية وتقنيات صاروخية متطورة، فيما أثبت الصمود اليمني أن محاولات واشنطن تأمين الملاحة بالقوة العسكرية لم تزد المشهد إلا تعقيداً، حيث تحول المضيق إلى “كمين جيوسياسي” يهدد بشل حركة التجارة العالمية وإطالة أمد الرحلات البحرية.

هذا التطور يعكس أن أمن الممرات لم يعد حكرًا على القوى الكبرى، بل بات مرتبطًا بتوازنات أوسع تتداخل فيها الجغرافيا مع الإرادة السياسية. مما يضع هذه القوى أمام خيار وحيد: أن الاعتراف بأمن البحار لا يمر عبر الأساطيل، بل عبر احترام إرادة الشعوب وواقعية التوازنات الجديدة على الأرض.”

التشظي الغربي.. تآكل الانسجام

​بالتوازي مع التصعيد، تظهر مؤشرات على تباينات داخل دول الاتحاد الاوربي. فبعض العواصم الأوروبية بدأت تعيد تقييم كلفة الانخراط غير المشروط في السياسات الأمريكية، خاصة في ظل المخاوف المرتبطة بالطاقة والاستقرار الداخلي.

هذا التململ لا يعني قطيعة، لكنه يعكس إدراكًا متزايدًا لتعقيد المرحلة. كما يفتح المجال أمام نقاشات حول الاستقلال الاستراتيجي، وحدود الالتزام ضمن الأطر التقليدية مثل حلف الناتو.

وعلى المستوى الإقليمي، تتجلى هذه الحالة في التباينات داخل المنظومة الخليجية. غياب الموقف الموحد تجاه التصعيد يعكس اختلافًا في تقدير المخاطر، خصوصًا ما يتعلق بأمن الطاقة والاستقرار. هذا الواقع يمنح إيران مساحة أوسع للتحرك، ويعزز موقعها كلاعب رئيسي في المعادلة.

ولادة عالم متعدد الأقطاب

​في هذا السياق، يكتسب الصمود الإيراني بعدًا يتجاوز الإقليم. فالقوى الكبرى، كالصين وروسيا ودول الجنوب العالمي، تراقب هذا النموذج باعتباره مؤشرًا على تحولات أعمق في النظام الدولي.

إيران، بحكم موقعها، تمثل عقدة وصل بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. هذا الموقع يمنحها وزنًا استراتيجيًا في مشاريع الربط التجاري والطاقة. ومع استمرار التحدي، تتعزز فكرة أن النظام الدولي يتجه تدريجيًا نحو تعددية أكبر، حيث لم يعد من السهل فرض معادلة أحادية.

الواقع العربي والإسلامي.. بين التردد والتحول

​في هذا المشهد، يظهر الواقع العربي والإسلامي بحالة من التباين الواضح. فبينما تركز بعض الأنظمة على حسابات الاستقرار، يشهد الشارع حالة تفاعل مختلفة، تعيد طرح أسئلة حول مفهوم القوة والاعتماد على الذات. هذا التفاعل لا يزال في طور التشكل، لكنه يعكس تحولًا في الوعي الجمعي، خاصة مع ارتباطه بالقضية الفلسطينية التي تبقى عنصرًا محوريًا في تشكيل المزاج العام.

ميزان جديد للعدالة والقوة

​قد يدفع التعنت الأمريكي والإسرائيلي نحو مستويات خطيرة من التصعيد، لكن ما فرضه الميدان حتى الآن يشير إلى أن أي مسار تفاوضي قادم لن يشبه ما سبقه. فالمعادلات التي كانت تُصاغ في الغرف المغلقة، أصبحت اليوم مرتبطة بوقائع ميدانية لا يمكن تجاهلها.

إن ميزان العدالة، الذي اختل طويلًا، يواجه اليوم محاولة لإعادة ضبطه، ليس عبر الخطاب، بل عبر توازنات القوة. وفي هذا السياق، لا تبدو المرحلة القادمة مجرد نهاية مواجهة، بل بداية لإعادة تعريف الحقوق والمصالح ضمن نظام دولي أكثر تعقيدًا.

اليوم، الرسالة الأوضح ليست في التصريحات، بل في الوقائع:ومن يملك القدرة على الصمود، يملك القدرة على رسم ملامح المرحلة القادمة. لذا، فإن المعادلة القادمة لن تكون مجرد “توقف للحرب”، بل هي “إعادة صياغة للحقوق“، حيث لا مكان للمظلومين إلا في ظل قوة تحميهم وتفرض احترام إرادتهم. 

قراءة استراتيجية: هيئة التحرير – موقع جمهورية فلسطين | ربيع 2026

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *