تستخدم الجماعات التي تعرضت لكوارث جماعية مصطلحات خاصة للإشارة إلى مأساتها التاريخية؛ فاليهود يستخدمون تعبير الشوآه (Holocaust, 1941-1945)، والغجر البوراجموس (Porajmos, 1933-1945)، والأرمن ييغيرن (Yeghern, 1915-1917)، بينما ارتبطت المجازر ضد اليهود في روسيا القيصرية بمصطلح البوغروم(Pogrom, 1881-1921) . أمّا الفلسطينيون، فقد ارتبط وعيهم الجمعي بمفهوم “النكبة”، في إشارة إلى ما جرى سنة 1948 من اقتلاع جماعي وتدمير للمجتمع الفلسطيني، غير أن خصوصية الحالة الفلسطينية لا تكمن فقط في حجم الكارثة التأسيسية، بل أيضاً في كونها لم تتحول إلى حدث تاريخي مغلق، وإنما إلى بنية استعمارية مستمرة. فالنكبة، بخلاف كثير من الكوارث الجماعية الحديثة، لم تنتهِ بانتهاء لحظتها العسكرية، إنما استمرت عبر أنماط متواصلة من الإقصاء المكاني، والتطهير العرقي الزاحف، وتفكيك الحياة الاجتماعية الفلسطينية، وصولاً إلى الإبادة المفتوحة.

وعلى الرغم من الحضور الواسع لمفهوم “النكبة” في الأدبيات الفلسطينية، فإن مقاربة العنف الاستعماري الصهيوني بقيت في معظمها، أسيرة مفاهيم كـ “التطهير العرقي” أو “الاستعمار الاستيطاني”، بينما ظل مفهوم “الإبادة الجماعية” (Genocide) هامشياً أو إشكالياً في توصيف الحالة الفلسطينية، إلاّ بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وظل مفهوم الجينوسايد (Genocide) إشكالياً في توصيف الحالة الفلسطينية، وخصوصاً بسبب مركزية الهولوكوست داخل الوعي الغربي والإسرائيلي.

والحقيقة أن تجارب الاستعمار الاستيطاني انطوت في معظمها منذ بدايات القرن الـ16 على تدخل استعماري عنيف هدف إلى إبادة السكان الأصلانيين أو إزاحتهم من المجال الجغرافي المستهدف. وفي أغلب الحالات، لم تكن الإبادة مطلقة أو فورية، إنما جاءت ضمن مسار طويل من الطرد، والتجويع، والتدمير الاجتماعي والثقافي.[1] غير أن تجربة المشروع الصهيوني في فلسطين قُدّمت بصفتها استثناءً عن نماذج الإبادة الاستعمارية الكلاسيكية، انطلاقاً من أن عدد الضحايا الفلسطينيين خلال نكبة 1948 لا يتيح، وفق هذا الطرح، تصنيف ما جرى بصفته “إبادة جماعية” بالمعنى التقليدي للمفهوم.[2] وفي هذا السياق مثلاً، طرح ساري حنفي مفهوم “الإبادة المكانية” (Spacio-cide) معتبراً أن المشروع الاستعماري الصهيوني استهدف المكان الفلسطيني والحياة الاجتماعية للفلسطينيين أكثر مما استهدف الإبادة الجسدية المباشرة.[3] 

وفي صدد ذلك، فإن هذا التمييز بين الإبادة المكانية (Spacio-cide) والإبادة الجماعية (Genocide) يثير إشكالية نظرية وسياسية في آن واحد. فحصر العنف الاستعماري الصهيوني في إطار “إبادة المكان” لا يفسر وحده استمرارية الطرد، ومنع العودة، ومحو القرى، واستهداف الذاكرة الجماعية، وتدمير شروط الحياة الفلسطينية، كما لا يفسر التحولات المتسارعة في أنماط العنف الاستعماري في الحاضر، ولا سيما حرب الإبادة المفتوحة على غزة. كما استخدمت بعض الأدبيات مفهوم “الإبادة الحضرية” (Urbicide) للإشارة إلى التدمير الممنهج للمدينة الفلسطينية والبنية العمرانية والاجتماعية المرتبطة بها، وخصوصاً في سياقات الحصار والحروب على غزة[4]. ومن هنا، تنطلق هذه المقالة من فرضية أن النكبة الفلسطينية لم تكن حدثاً منتهياً أو مجرد حالة تطهير عرقي منفصلة عن سياق أوسع، بل شكلت أيضاً حلقة تأسيسية ضمن مسار استعماري مفتوح يحمل إمكانية الإبادة بصورة متواصلة ومتدرجة.

تحاجج هذه المقالة بأن العلاقة بين النكبة والإبادة ليست علاقة تعارض مفاهيمي، إنما علاقة تاريخية وبنيوية داخل منطق الاستعمار الاستيطاني الصهيوني نفسه. فالنكبة لم تكن نقيضاً للإبادة، بل هي أيضاً الصيغة التاريخية التي أدار بها المشروع الصهيوني تناقضه بين الحاجة إلى الأرض الفلسطينية واستحالة الإبادة الشاملة في لحظة ما بعد الحرب العالمية الثانية. بيد أن الأفق الإبادي ظل كامناً داخل البنية الاستعمارية ذاتها، ويظهر بصورة أكثر وضوحاً كلما تعمقت أزمة الاستعمار الاستيطاني وتآكلت حدود العنف التقليدي الذي حكم النكبة تاريخياً.

لا تسعى هذه المقالة إلى إثبات أن النكبة الفلسطينية تمثل حالة جينوسايد مكتملة بالمعنى القانوني الضيق فقط، بل أيضاً تنطلق من مقاربة علائقية (Relational Approach)، وتحاول تحليل العلاقة البنيوية بين النكبة والإبادة داخل السياق الاستعماري الاستيطاني الصهيوني. وعوضاً عن التعامل مع النكبة بصفتها حدثاً منفصلاً انتهى سنة 1948، تقترح المقالة أنها كانت الصيغة التاريخية التي أدار بها الاستعمار الصهيوني حدود العنف الممكن، بينما ظل أفق الإبادة كامناً داخل البنية نفسها.

ما بين التطهير العرقي والإبادة

تستفيد المقالة من الأدبيات المتعلقة بالاستعمار الاستيطاني، وخصوصاً الأطروحات التي ترى أن منطق “الإزالة” يشكل البنية الناظمة لهذا النمط من الاستعمار،[5] إلى جانب دراسات الإبادة الجماعية ونقد الحداثة، وخصوصاً أعمال زيغمونت باومان وحنة آرنت وكريستيفور براونينغ،[6] التي تعاملت مع الإبادة بصفتها نتاجاً ممكناً للحداثة البيروقراطية، لا انحرافاً استثنائياً عنها، والأهم أن الإبادة تأخذ الشكل المتدحرج كعملية متواصلة (Process).

انطوت تجارب الاستعمار الاستيطاني الحديثة على أنماط متنوعة من الإبادة والطرد والإحلال، هدفت إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصلانيين وتهيئتها لاستيطان الجماعات الأوروبية الوافدة. ولم تكن الإبادة في معظم هذه التجارب حدثاً فورياً أو مطلقاً، إنما جاءت ضمن مسار طويل من التهجير والتجويع والتفكيك الاجتماعي والثقافي[7]. 

قُدمت الحالة الفلسطينية في الأغلب بصفتها مختلفة عن هذه النماذج، وخصوصاً في الأدبيات التي سعت للتمييز بين التطهير العرقي الإبادة الجماعية (Genocide) أو حتى الإبادة المكانية (Spacio-cide). فهذا الفصل بين “إبادة المكان” و”إبادة السكان” يبقى إشكالياً، وخصوصاً إذا ما أُخذت تعريفات الإبادة الجماعية بمعناها الواسع. فقد اعتبر رفائيل لمكين، الذي صك مصطلح الـ”Genocide”، أن الإبادة لا تقتصر على القتل المباشر فحسب، بل أيضاً تشمل التدمير السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي لجماعة بشرية.[8] ووفقاً لهذا التصور، فإن الإبادة قد تتحقق عبر التجويع المنظم، أو تدمير البنية الاقتصادية والثقافية لجماعة معينة، أو فرض أوضاع معيشية تؤدي إلى تفككها المادي والاجتماعي.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية، لأن الممارسات الاستعمارية الصهيونية لم تقتصر على الطرد المباشر سنة 1948 فقط، بل شملت كذلك تدمير القرى، ومحو الأسماء والرموز، ومنع العودة، وتفكيك المجال الفلسطيني، وإعادة إنتاج الفلسطينيين بصفتهم جماعات معزولة ومجزأة جغرافياً وسياسياً.

وفي هذا السياق، يطرح عالم الاجتماع الإسرائيلي يائير أورون المتخصص في دراسات الإبادة تمييزاً واضحاً بين التطهير العرقي والإبادة الجماعية، معتبراً أن هدف الإبادة هو قتل السكان، بينما يهدف التطهير العرقي إلى طردهم. غير أن أورون نفسه يقرّ بأن مفهوم “التطهير العرقي” ليس محدداً قانونياً بصورة دقيقة، وأنه قد يشمل أفعالاً ترقى إلى الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية.[9] 

أمّا نيف غوردن، فيطرح أن الفارق بين التطهير العرقي والإبادة الجماعية يكمن في الهدف المقصود من العنف؛ فالتطهير العرقي يستهدف إفراغ الحيز الجغرافي من سكانه عبر الطرد والترهيب، بينما تستهدف الإبادة الجماعية تدمير الجماعة البشرية نفسها، بحيث يكون جسد الإنسان هو الغاية الأساسية للعنف، لا المكان.[10] 

ووفقاً لهذه الرؤية التي تعتمد على “القصدية” نرى سعياً حثيثاً لعدة باحثين “إسرائيليين” للتأكيد على أن الإبادة الجماعية لم تكن واقعاً أو أمراً متجسداً في أحداث سنة 1948؛ الأمر الذي يبدد عذابات وآلام الفلسطينيين ويشوه ذاكرتهم الجماعية. وترتبط مقاربة أورون بمحاولة إبقاء الحالة الفلسطينية خارج إطار الـ”Genocide”، إلاّ إن هذا الفصل يغفل أن تعريفات لمكين للإبادة تتجاوز القتل المباشر لكي تشمل التدمير السياسي والاجتماعي والثقافي لجماعة بشرية. كما يتجاهل أن النكبة الفلسطينية لم تتوقف عند حدود حرب 1948، بل تحولت أيضاً إلى بنية استعمارية مستمرة تقوم على الطرد المتدرج، ومحو المكان، وتفكيك الهوية الجماعية الفلسطينية.

النكبة: سيرورة استعمارية مستمرة

لا يقتصر مفهوم النكبة على ما جرى سنة 1948 من تهجير جماعي وتدمير للمجتمع الفلسطيني، بل يشير أيضاً إلى استمرارية البنية الاستعمارية التي قامت عليها الدولة الصهيونية. فالتطهير العرقي في فلسطين لم يكن حدثاً عابراً مرتبطاً بالحرب فقط، بل أيضاً كان مشروعاً متواصلاً هدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والذاكرة في آن واحد. وفي هذا السياق، يطرح الياس خوري فكرة “النكبة المستمرة”، معتبراً أن النكبة ليست مجرد ذكرى تاريخية أو حدث وقع سنة 1948، بل سيرورة استعمارية متواصلة تعيد إنتاج الاقتلاع والمحو بأشكال متنوعة. فالماضي، بالنسبة إلى خوري، لم ينقضِ، إنما يستمر حضوره في اللجوء، والمنفى، والحصار، وتدمير المكان الفلسطيني، وفي استمرارية العنف الاستعماري نفسه.[11] 

ويفضل بابيه الدفاع عن “نموذج التطهير العرقي” ( Paradigm of Ethnic Cleansing) وأن يستخدمه بدلاً من “نموذج الحرب” (Paradigm of war) لأحداث سنة 1948، لكنه في الوقت نفسه يشبه ما جرى مع إبادة الأرمن من جانب تركيا العثمانية.[12] كما يكشف بابيه -على خطى دراسات مهمة تتحدث عن التطهير العرقي منذ سنة 1948، منها دراسات لوليد الخالدي والمؤرخ نورالدين مصالحة-[13] تفاصيل “الخطة دالت” في 10 آذار/مارس 1948 والتي شملت طرد الفلسطينيين الأصلانيين بالقوة، وكانت النتيجة طرد نصف السكان الفلسطينيين، أي ما يقارب 800,000 بالإضافة الى هدم 531 قرية، وهذا ما يصنّف تطهير عرقي ويعتبر جريمة ضد الإنسانية في القانون الدولي. ويصر بابيه على أن الصهيونية حركة استعمارية استيطانية على غرار حركات أوروبية استعمرت الأميركيتين، وجنوب أفريقيا، وأستراليا، ونيوزيلندا، ومشيراً إلى أنها مدفوعة بمنطق الإقصاء بحسب وولف.[14] 

إن بابيه، على الرغم من مقاربته النقدية للنكبة، فإنه يفضل الابتعاد عن استخدام مفهوم “الجينوسايد”، على الرغم من إشارته إلى أوجه الشبه بين ما جرى في فلسطين وبين حالات استعمارية أُخرى شهدت إبادة للسكان الأصلانيين. وهنا تكمن إحدى الإشكاليات المركزية في النقاش بشأن النكبة؛ إذ يجري الاعتراف بالطرد والتدمير المنظم، مع الاستمرار في الفصل الحاد بين التطهير العرقي والإبادة الجماعية.

وفي هذا السياق، تكتسب مواقف بني موريس أهمية خاصة، ليس بهدف استحضار الرواية الإسرائيلية فقط، بل أيضاً من أجل تحليل التناقضات الكامنة داخل الوعي الصهيوني تجاه النكبة وحدود العنف المشروع، لأنها تكشف البُعد التبريري الكامن داخل أجزاء من الخطاب الصهيوني النقدي نفسه. فموريس، على الرغم من اعترافه بوقوع التطهير العرقي سنة 1948، فقد اعتبر أن “حرب الاستقلال” كان ينبغي أن تنتهي بـ “فصل سكاني مطلق”، مضيفاً إلى أن “هناك أحداثاً في التاريخ يكون فيها التطهير العرقي شرعياً.”[15] 

ولم تقتصر استمرارية النكبة على السيطرة المكانية فقط، بل شملت أيضاً محو الذاكرة الفلسطينية وإعادة إنتاج الرواية الاستعمارية. فقد عملت الدولة الصهيونية على إزالة القرى الفلسطينية المدمرة، وتغيير الأسماء العربية، وصوغ رواية تاريخية جديدة تنفي الوجود الفلسطيني أو تحوله إلى هامش عابر في التاريخ. وفي هذا السياق، يشير يهودا شنهاف إلى وجود “منظومة إنكار عنيفة” تشارك فيها المؤسسات التربوية والعسكرية والأكاديمية والإعلامية، معتبراً أن التطهير العرقي في فلسطين لم يتوقف منذ ثلاثينيات القرن الماضي[16]. 

كما تكشف الحرب على غزة عن استمرارية النكبة بصفتها بنية استعمارية مفتوحة؛ إذ لم يعد العنف مقتصراً على الطرد والسيطرة المكانية فقط، بل امتد أيضاً إلى تدمير شامل للأصلانيين. ومن هنا، تبدو النكبة حدثاً متواصلاً يقوم على إعادة إنتاج الإقصاء والمحو بأشكال أكثر تصعيداً.

من التطهير العرقي إلى الأفق الإبادي

إذا كانت النكبة قد دشّنت منطق الطرد والإحلال، فإن استمرارها يكشف أن التطهير العرقي لم يكن بديلاً نهائياً عن الإبادة، إنما هو صيغة تاريخية من صيغ الإزالة الاستعمارية، قابلة لأن تتطور إلى عنف أكثر شمولاً كلما توفرت الشروط السياسية والعسكرية والدولية المناسبة. ومن هنا، يمكن فهم النكبة باعتبارها الصيغة التاريخية التي أدار بها المشروع الصهيوني تناقضه المركزي: الحاجة إلى السيطرة على الأرض الفلسطينية، لقاء صعوبة تنفيذ إبادة شاملة في سياق دولي تشكل مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية والهولوكوست. ولذلك، لم تكن النكبة نقيضاً للإبادة، إنما كانت الشكل التاريخي الذي حقق أكبر قدر ممكن من الإزالة الديموغرافية ضمن الشروط السياسية والأخلاقية السائدة آنذاك.

وهنا، تكتسب ملاحظة يائير أورون أهمية خاصة؛ فالحرب، كما يقول، تمثل وقتاً مناسباً للقتل لأنها تخلق حالة طوارئ، وتعيد بناء الجدار بين “نحن” و”هم”، وتسهّل إخراج الضحية من “عالم الالتزامات” (Universe of Obligation). ففي الحرب، يصبح الآخر عدواً حقيقياً أو متخيلاً، وتُمارس ضده عمليات نزع الإنسانية، ويُصوَّر بصفته حيواناً أو كائناً حقيراً، وهو ما يجعل قتله أو إبادته أمراً أكثر قبولاً داخل الجماعة المنفذة.[17] 

وتنطبق هذه الآلية على الحالة الفلسطينية بوضوح، فقد قام المشروع الكولونيالي الصهيوني على رؤية استشراقية عنصرية زرعت، منذ بداياته، صوراً دونية للفلسطينيين والعرب داخل المخيال الجمعي لمجتمع المستوطنين. فبحسب أورون، “انتشرت سنة 1948 العديد من الأوصاف التحقيرية والاستعلائية تجاه الفلسطينيين: ‘عربوشيم‘ (عرب قذرون)، و’حَيوت‘ (حيوانات)، و’بِهيموت‘ (بهائم)، وما إلى ذلك.”[18] وهي تعبيرات تكشف حضور اللاأنسنة داخل الخطاب الاستعماري الصهيوني.

وقد أشار جاريد دايموند إلى أن منفذي الإبادات الحديثة في الأغلب ما يساوون ضحاياهم بالحيوانات من أجل شرعنة قتلهم؛ فالنازيون وصفوا اليهود بالقمل وما دون الإنسان، والمستوطنون الفرنسيون في الجزائر وصفوا المسلمين المحليين بالفئران. وإن هذا النمط من اللاأنسنة لا يسبق الإبادة فقط، بل يهيئ لها نفسياً وسياسياً[19]. 

وتظهر خطورة هذا المسار في الخطاب الإسرائيلي؛ إذ لم تعد الدعوات إلى “استكمال” الطرد أو “الحسم” مجرد خطاب هامشي. فقد عبّر بتسلئيل سموتريتش، في أكثر من مناسبة، عن رؤية تعتبر الوجود الفلسطيني موقتاً أو مشكلة ديموغرافية ينبغي معالجتها، كما وصف نفتالي بينيت معدلات الولادة لدى البدو في النقب بأنها “قنبلة موقوتة”.[20] وفي حرب الإبادة على غزة، استخدم وزير الحرب غالانت تعبير “حيوانات بشرية” عن الفلسطينيين في غزة، بينما قال هرتسوغ، رئيس الدولة الاستعمارية، إنه لا أحد بريئ في قطاع غزة، بما فسح المجال لاستهداف الأطفال والنساء.

وفي هذا السياق، يصبح من المهم استحضار أعمال هيلين فاين، التي عرّفت الإبادة بأنها سلسلة من الأعمال الهادفة إلى تدمير جماعة معينة، سواءً عبر القتل الجماعي أو الانتقائي، أو عبر قمع استمراريتها البيولوجية والاجتماعية. ووفق هذا التعريف، فإن الإبادة لا تبدأ بالضرورة بالمجزرة الشاملة، بل يمكن أن تبدأ بإضعاف قدرة الجماعة على الاستمرار، وتدمير شروط إعادة إنتاجها الاجتماعي والسياسي والثقافي[21]. 

ومن وجهة النظر الإسرائيلية الرسمية، يجري دائماً تقديم الحروب بصفتها حروباً عادلة أو حروب لا خيار؛ الأمر الذي يسمح بتحويل الضحية إلى مسؤولة عن مصيرها. وقد نبّهت آرنت إلى خطورة الدعاية التي تقول إن الحرب لم تبدأها الجهة المعتدية، وإن المسألة بالنسبة إليها قضية حياة أو موت، وإن إبادة الأعداء تصبح واجباً دفاعياً.[22] 

وبذلك، فإن الانتقال من التطهير العرقي إلى الأفق الإبادي لا يحدث بصورة مفاجئة أو عبر إعلان صريح، بل يتشكل بالتدريج عبر تراكم اللاأنسنة، والعزل، والطرد، وتدمير المكان، ومنع العودة، وصولاً إلى لحظة حرب تتيح توسيع العنف تحت ذرائع الضرورة والأمن. وتكشف الحرب على غزة كيف يمكن لهذا المسار الاستعماري المتراكم أن يتحول إلى تدمير واسع للحياة الفلسطينية ومقومات بقائها.

خاتمة

تكشف التجربة الفلسطينية أن النكبة لا يمكن اختزالها في حدث تاريخي وقع سنة 1948 وانتهى، كما لا يمكن حصرها في إطار التطهير العرقي بصفته مفهوماً منفصلاً عن البنية الأوسع للعنف الاستعماري الحديث. فالنكبة، بما انطوت عليه من طرد جماعي، ومحو للقرى، ومنع للعودة، وتفكيك للمجتمع الفلسطيني، تحولت إلى بنية استعمارية مستمرة تعيد إنتاج نفسها بأشكال متنوعة، من السيطرة المكانية والعزل، إلى استهداف الذاكرة والهوية وشروط الحياة ذاتها.

ومن هنا، فإن النكبة لا تبدو نقيضاً للإبادة، بل أحد أشكالها التاريخية المتواصلة ضمن سياق الاستعمار الاستيطاني الحديث. فالمشروع الصهيوني، كغيره من المشاريع الاستيطانية الحديثة، قام على منطق الإزالة والإحلال، حتى وإن اتخذت هذه الإزالة، في الحالة الفلسطينية، أشكالاً متدرجة ومتعددة المستويات.

وعليه، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت النكبة “إبادة جماعية” وفق التعريف القانوني الضيق، بل بكيفية فهمها ضمن سياق تاريخي طويل من العنف الاستعماري الحديث؛ بحيث لا تكون الإبادة حدثاً منفصلاً، إنما عملية متواصلة من الإزالة والتفكيك وإعادة تنظيم الحياة والموت. وبهذا المعنى، فإن النكبة الفلسطينية ليست مجرد ذكرى لكارثة ماضية، بل تعبير مستمر عن بنية استعمارية ما زالت تعمل حتى اليوم، وتحمل، بصورة دائمة، إمكانية التحول إلى أشكال أكثر شمولاً من العنف والإبادة.

 

[1] Patrick Wolfe, “Settler Colonialism and the Elimination of the Native“, Journal of Genocide, Research 8, no. 4 (2006), pp. 387–409.

[2] Yair Auron, The Banality of Denial: Israel and the Armenian Genocide (New Brunswick: Transaction Publishers, 2003); Ilan Pappé, The Ethnic Cleansing of Palestine (Oxford: One world, 2006).

[3] Sari Hanafi, “Spacio-cide: Colonial Politics, Invisibility and Rezoning in Palestinian Territory”, Contemporary Arab Affairs 2, no. 1 (2009), pp. 106–121.

[4] راسم محي الدين خمايسة،”الأرض و التخطيط والعمران” في: “دليل إسرائيل العام 2020” تحرير:منير فخر الدين (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2021)، ص 774. [وقد استخدم الباحث مصطلح تطهير حضري، وآثرنا استخدام “إبادة حضارية” كونها أكثر ملائمة للكلمة الإنكليزية (Urbicide).

[5] Wolfe, op.cit.

[6] زيغمونت باومان، “الحداثة والهولوكوست” ترجمة حجاج أبو جبر ودنيا رمضان (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2014)؛

حنّه أرندت، “ايخمان في القدس: تقرير حول تفاهة الشر” ترجمة نادرة السنوسي (الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع، 2014)؛

Christopher Robert Browning, Ordinary Men: Reserve Police Battalion 101 and the Final Solution in Poland (New York: Harper Collins, 1992).

[7] Wolfe, op. cit., pp. 388, 389.

[8] Raphael Lemkin, “Genocide – A Modern Crime” Free World, (April 1945), p. 4;

Raphael Lemkin, Axis Rule in Occupied Europe: Laws of Occupation, Analysis of Government, Proposals for Redress (New York: Haward Ferting, 1973), p. 79.

[9] يائير أورون، “المحرقة، ‘الانبعاث‘، النكبة” ترجمة أسعد زعبي (رام الله: مدار – المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2015)، ص 42 – 44.

[10] نيف غوردين ومورييل رام، “التطهير الإثني وتشكيل أنماط جغرافيا الاستعمار الاستيطاني” ترجمة ياسين السيد، “قضايا إسرائيلية”، العدد 62 (2016)، ص 70.

[11] الياس خوري، “النكبة المستمرة”، “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد 89 (شتاء 2012).

[12] إيلان بابيه، “التطهير العرقي في فلسطين” ترجمة أحمد خليفة (بيروت: مؤسسة الدراسة الفلسطينية، 2007)، ص 3.

[13] وليد الخالدي، “الصهيونية في مئة عام: من البكاء على الأطلال إلى الهيمنة على المشرق العربي 1879-1997” (بيروت: دار النهار للنشر، 1998)؛ نور الدين مصالحة، “أرض أكثر، عرب أقل: سياسة ‘الترانسفير‘ الإسرائيلية في التطبيق 1944-1969” (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002).

[14] آلان بابيه، “عشر خرافات عن إسرائيل” ترجمة سارة عبد الحليم (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012) ص 61, 62.

[15] عوفر أدرت، “أنا لا أرى كيف نخرج من هذه المعادلة – مقابلة مع المؤرخ بيني موريس”، “هآرتس” ملحق السبت، 11/1/2019، ص 20 – 28.

[16] يهودا شنهاف، “النكبة والسوداويّة اليهودية – العربية”، قضايا إسرائيلية، العدد 59، (2015)، ص 83.

[17] أورون، مصدر سبق ذكره، ص 49.

[18] المصدر نفسه، ص 61.

[19] جاريد دايموند، “الشامبنزي الثالث [بالعبرية]” ترجمة جابي بيليغ (تل أبيب: سفريت معاريف، 1994)، ص 266-270.

[20] Almog Ben Zikri, “Bedouin Birthrate in Israel Is ‘Bomb’ That Needs Defusing, Far-right Lawmaker Says” Haaretz, 11/6/2020, p. 1, 2.

[21] Helen Fein, Accounting for Genocide; National Responses and Jewish victimization during the Holocaust (New York: The Free Press, 1979).

[22] حنّه أرندت، مصدر سبق ذكره، ص 90، 91.


عن المؤلف: شادي الشرفا: باحث من القدس، وحائز درجة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية من جامعة أبو ديس.


المصدر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *