أوروبا – “جمهورية فلسطين”

من يتابع بدقة ما تعيشه الساحة الاوروبية من حراك تضامني واسع مع فلسطين لم تعرفه سابقا ومنذ بداية الصراع، في اطار هذا الحراك وللتعبير عن التضامن مع الشعب والقضية الفلسطينية، نرى الانتشار الواسع لرموز فلسطينية في الساحة الأوروبية وفي اوساط قطاع واسعة في مكونات الرأي العام وخاصة القطاعات الشعبية الناشطة والمبادرة في تنظيم الفعاليات، الحطة الفلسطينية،خارطة فلسطين ،رمز البطيخة بمختلف ألوانها ،وخاصة العلم الفلسطيني المنتشر في الفعاليات واحياناً الغير متعلقة بفلسطين مثل المظاهرات المطلبية أو الاحتجاجية .

هذه المظاهر الإيجابية هي تتويج لتحولات استراتيجية تجاه فلسطين وما أصبحت تعنيه فلسطين ، فلسطين اصبحت رمزا لنضال عالمي احتجاجي رافض لسياسات غير مقبولة ومرفوضة ، من خلال فلسطين ورموزها ، يقول الشارع الاوروبي لم نعد نقبل بهكذا اوضاع وبهكذا سياسات، يرفع العلم الفلسطيني ورموز أخرى فلسطينية للقول حان وقت التغيير ، العلاقات الدولية أثبتت فشلها وعجزها لذلك هي مدانة ومطلوب تغييرها ، باختصار ما نتج من منظومة دولية نتيجة الحرب العالمية الثانية وما نتج عنها من نتائج رابح وخاسر ، هذه المنظومة غير فعالة وهي مجرد نصوص غير قابلة للتعقيد ، فلا مؤسسات دولية قادرة على تنفيذ قراراتها وفي كثير من الأحيان والأمثلة كثيرة ، تعجز المؤسسات الدولية المطلوب منها الحفاظ على السلم والأمن العالمي هي في حالة عجز بسبب تدخلات وضغوط تمارسها قوى تعمل على الحفاظ على هيمنتها ورؤيتها في عالم يتغير .

السردية الفلسطينية المدعومة بحالة من المظلومية التاريخية ومنذ بداية تحقيق المشروع الصهيوني المدعوم على تراب فلسطين والذي وهو لا يخفي ذلك يعمل على تطهير عرقي لشعب فلسطين من تراب وطنه التاريخي، هذه السردية بدأت تنتشر وتدخل في إدراك الملايين من ابناء الشعوب الاوروبية، هذه السردية تلقى قبولا متزايدا وفي قطاعات واسعة وفي اوساط لم تكن تتعاطف مع الشعب والقضية الفلسطينية سابقا، بالمقابل نجد تراجع للسردية الصهيونية التاريخية والتي استغلت ما جرى مع اليهود في آوروبا من سياسات عنصرية وصلت ذروتها في العهد النازي والذي مارس سياسة الابادة للملايين من اليهود الاوروبيين، هذه السردية التي بنيت على عدة مرتكزات وأهمها المظلومية التاريخية لليهود في اوروبا والذين رأى أصحابها استحالة إندماج اليهود داخل الشعوب الاوروبية لذلك يجب إبعادهم عن حياة هذه الشعوب ولما لا أن يكون لهم وطن خاص بهم ، هذا هو صلب وجوهر الأيديولوجية الصهيونية، كذلك استطاعت القائمين على تطبيق المشروع الصهيوني في فلسطين ، ألاستفادة من الدعم الاوروبي لإظهار إسرائيل بصفتها حالة استثنائية في منطقة يسودها التأخر الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، إسرائيل هي النموذج في بناء منظومة ديمقراطية وبناء مجتمع متطور ويغلب عليه التطور التكنولوجي، هذا الاستثناء يضاف له استثناء آخر وهو قدرة إسرائيل على افشال مخططات اعدائها، هذا ما جرى خلال حرب 1967 , حيث استطاعت الفوز على ثلاثة دول عربية وهي مصر والأردن وسوريا ، حتى أن الكثير أعجبوا بهذه القدرة وقدموا الدعم لكي تبقى إسرائيل قوية وقادرة على الانتصار على اعدائها، كذلك واخيراً في اطار الاستثناء، قدّم لإسرائيل كل ما تحتاج له لكي تكون المتطورة تكنولوجيا وعلميا في وسط بيئة عربية وإسلامية متأخرة .

هذه السردية عرفت تحولا نوعيا واستراتيجيا في السنتين الاخيرتين، إسرائيل اصبحت رمز للقتل والتدمير والتوحش وانتهاك للقواعد وللمعاهدات وللقانون الدولية ، إسرائيل اصبحت تركز للابادة ولقتل الاطفال وتدمير المستشفيات والمدارس ولكل مقومات الحياة لمجموعات بشرية كالشعب الفلسطيني بقطاع غزة أو كشعب الجنوب اللبناني، ناهيك عن كونها تجسد منظومة عدوانية تتدمر بالاضافة لفلسطين ولبنان ، تقصف قطر واليمن وايران ،اما جهاز مخابراتها فهو ناشط في العديد من دول العالم خاصة في الدول الاوروبية وفي الولايات المتحدة الأمريكية، هذه هي صورة إسرائيل الان وهذه الصورة ترسخت في عقول الكثيرين خاصة الملايين الذين شاهدوا ما تفعله إسرائيل بالصوت والصورة في غزة وفي لبنان ، تغيير هذه الصورة تجاه إسرائيل يحتاج لأجيال اخرى وتوفير امكانيات ضخمة في مختلف وسائل الإعلام وفي صفوف المدارس وفي ميدان الكتابة ووسائل التأثير الجماعي الأخرى .

هذا التحول المهم يساهم مع عوامل أخرى في بناء تحولات عالمية أخرى , لذلك مكانة فلسطين هي في صلب مطالب تغيير منظومة العلاقات الدولية الناتجة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، العالم يسير نحو عالم متعدد الاقطاب، حيث. تزول فيه سياسة الهيمنة والغطرسة والتفرد من قبل الولايات المتحدة ، ما يجري حاليا من حرب تعيشها منطقة الشرق الأوسط بين ايران وحلفائها وبين أمريكا وإسرائيل ومن يقف معهم ، هذه الحرب بنتائجها على ارض الواقع تعجل في تشييد عالم آخر وفلسطين ستكون رابحة فيه .

بقلم: حمدان الضميري
ناشط فلسطيني في أوروبا

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *