لايبزيغ – “جمهورية فلسطين”

​في خطوة وُصفت بأنها اختراق تاريخي غير مسبوق في المشهد السياسي والطلابي الألماني، صوّت قرابة 700 طالب في جامعة لايبزيغ العريقة في يوم 19 مايو 2026، وبأغلبية ساحقة تقترب من الإجماع، لصالح قرار ثوري يطالب إدارة الجامعة بقطع جميع علاقاتها الأكاديمية والمؤسسية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي. وجاء هذا القرار كاستجابة مباشرة لحرب الإبادة الجماعية والمجازر المستمرة التي ترتكبها الآلة العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، ليُمثّل أول تصويت علني من نوعه داخل حرم جامعي ألماني، متحدياً المحظورات السياسية الصارمة والقيود الممنهجة التي تفرضها السلطات الألمانية على حركات التضامن والمقاطعة.

​وتكتسب هذه الخطوة دلالة سياسية بالغة الأهمية بالنظر إلى السياق الجغرافي والسياسي لمدينة وجامعة لايبزيغ؛ فمنذ عقود، تُعتبر الجامعة واحدة من أقوى معاقل تيار “مناهضي الألمان” (Antideutsche) داخل اليسار الراديكالي الألماني، وهو تيار يتميز بنزعة تجمع بين مناهضة القومية الألمانية والدعم الأعمى والمطلق للصهيونية ولإسرائيل تحت شعار محاربة معاداة السامية. وإن نجاح القوى الطلابية التقدمية في تمرير هذا القرار في هذا المعقل تحديداً، يشير إلى تصدع حقيقي داخل بنية اليسار التقليدي الألماني، وظهور جيل شبابي جديد يرفض توظيف عقدة الذنب التاريخية لتبرير الجرائم الاستعمارية.

​ولم يقف القرار الذي اعتمده الطلاب عند حدود التضامن الرمزي، بل جاء محملاً بمطالب حازمة ومصطلحات سياسية وقانونية دقيقة، حيث دعا الطلاب إدارة الجامعة إلى الاعتراف العلني بالطبيعة الإبادية للحرب الإسرائيلية على غزة، وإدانة ما يُعرف بـ “إبادة التعليم” (Scholasticide)، وهو المصطلح الذي يصف التدمير الممنهج والمتعمد الذي مارسه الاحتلال ضد المدارس والجامعات واغتيال الأكاديميين والعلماء والطلاب في القطاع، كما طالب النص بوقف فوري وشامل لكافة أشكال التعاون، ورفض المشاركة في أو الترويج لأي أنشطة تنظمها أو تستضيفها جامعات إسرائيلية.

​وقد استند الحراك الطلابي في بناء شرعيته إلى تقرير استقصائي مفصل أعده مجموعة من الطلاب والموظفين في الجامعة مع بداية العام الأكاديمي، كشف بالوثائق والأدلة كيف أن اتفاقيات التعاون الحالية لجامعة لايبزيغ – والتي تشمل برامج تبادل طلابي واسعة ومشاريع بحثية مباشرة – تساهم بشكل غير مباشر في دعم البنية التحتية العسكرية والاستيطانية للاحتلال. وأكد القائمون على التقرير أن بعض المؤسسات الإسرائيلية الشريكة متورطة بشكل مباشر في تطوير تكنولوجيا الأسلحة، وصناعة القنابل، وتقديم الدعم المعرفي والأيديولوجي لسياسات الفصل العنصري وقمع الشعب الفلسطيني.

​وفي تصريحات صحفية، أوضح أحد الطلاب المساهمين في إعداد التقرير أن هناك ثلاثة أركان أساسية تفرض إنهاء هذه العلاقات فوراً، تبدأ بالجانب الأخلاقي باعتبار أن مناهضة الإبادة الجماعية هي قضية كونية عادلة، مروراً بالجانب القيمي الذي يوجب أن تكون الجامعة منبراً للمعرفة الإنسانية التي تحترم الحياة وترفض انتهاكات حقوق الإنسان، ووصولاً إلى الجانب القانوني مستشهداً بالرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية، والذي يؤكد عدم قانونية تقديم أي عون أو مساعدة للممارسات الإسرائيلية التي تنتهك القوانين الدولية الملزمة للجميع (Erga Omnes)، بما في ذلك العلاقات الأكاديمية والتعليمية.

​وأمام هذا الزخم المتصاعد، سارعت إدارة الجامعة، بقيادة رئيسة الجامعة البروفيسورة “إيفا إينيس أوبرغفيل”، إلى محاولة إجهاض التحرك الطلابي، حيث قررت الإدارة قبل يوم واحد من الموعد المحدد سحب ترخيص القاعة المخصصة لعقد الجمعية العمومية، زاعمة في بيان رسمي أن الحدث خرج عن سياق “النقاش الأكاديمي” وتحول إلى “موقف حزبي وانحيازي يسعى لتقييد الحرية الأكاديمية”. ولم تكتفِ الإدارة بذلك، بل حاولت لاحقاً التشكيك في شرعية التصويت والتقليل من وزنه السياسي عبر الادعاء بأن المشاركين يمثلون نحو واحد بالمئة فقط من إجمالي طلاب الجامعة.

​إلا أن القمع الإداري واجه صلابة طلابية غير متوقعة، حيث رفض اتحاد الطلاب (Student Council) اتهامات الإدارة جملة وتفصيلاً. وأكدت “ألاسكا كراكور” (Alaska Krakor)، العضوة في اتحاد الطلاب، في تصريحاتها أن الجمعية العمومية عُقدت وفقاً للوائح والقوانين الداخلية بعد جمع أكثر من 1300 توقيع من الطلاب، ما يتجاوز النسبة القانونية المطلوبة والبالغة 3%. ورداً على إغلاق الأبواب، نقل المنظمون في حركة “طلاب من أجل فلسطين” (SFP) الاجتماع إلى ساحة الجامعة الخارجية المفتوحة، حيث احتشد مئات الطلاب تحت أشعة الشمس ليوجهوا رسالة واضحة بضرورة تفكيك تواطؤ جامعتهم مع آلة الحرب، ومطالبة الإدارة بااحترام الإرادة الديمقراطية لجسدها الطلابي.

​ويأتي هذا الانتصار الطلابي في وقت تبذل فيه المؤسسات الرسمية في ألمانيا جهوداً حثيثة لحماية الاحتلال من أي ضغط دولي، حيث أصدر “مؤتمر رؤساء الجامعات الألمانية” في وقت سابق وتحديداً في يونيو 2025 بياناً رسمياً يدعو إلى تعزيز العلاقات البحثية والأكاديمية مع إسرائيل، في محاولة صريحة لقطع الطريق على الدعوات الأوروبية لتعليق “اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل”. ورغم محاولات المنظومة الرسمية الألمانية صبغ الجامعات الإسرائيلية بصفات الليبرالية والديمقراطية لعزلها عن واقع الاحتلال، فإن ما حدث في لايبزيغ يثبت أن الوعي الشبابي الأممي بدأ يفرض معادلة جديدة شعارها فكر عالمياً، وتحرك محلياً.

المصدر: ميدل إيست آي

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *