بقلم: د. مناضل حرز الله | “جمهورية فلسطين”

​لم تكن نكسة عام 1967 مجرد احتلال لأراضٍ وهزيمة لجيوش عربية فحسب، بل كانت ولا تزال مخططاً استكمالياً لنكبات لم تنته بعد. في السابعة من العمر، حين اقتحمت النكسة شاشة التلفاز، وكنت قد أنهيت للتو الصف الثاني الابتدائي، لم أكن في ذلك العمر أملك أو أستوعب مفردات مثل الاحتلال، والاستعمار الاستيطاني، والتطهير العرقي، إذ كانت كلها جديدة على طفل في عمري، لكن الذاكرة كانت تحتفظ جيداً بحكايات أجدادي عن الرحيل القسري عام 1948، والمفتاح الحديدي لبيت في بئر السبع، والذين وافتهم المنية مع الآلاف من جيلهم وهم ينتظرون العودة إلى ديارهم، بيقين راسخ كالإيمان بأنهم سيعودون خلال أسبوع، غير أن الأسبوع مضى، ومضت معه ثمانية وسبعون سنة.

​إن أول ما يجب فهمه عن النكسة هو أنها لم تأت أبداً من فراغ، ولم تنته عام 1967، بل كانت الفصل الثاني من كارثة بدأت عام 1948 ولم تتوقف، بل تتسارع وتيرتها. واليوم، ونحن نحيي الذكرى التاسعة والخمسين لحرب حزيران، نشهد فصلها الأحدث يتكشف أمام أعيننا، ليس عبر لقطات إخبارية ضبابية، بل في بث مباشر، وأرقام وإحصاءات، وعدد قتلى تعلّم العالم التمرير عليه بلا توقف.

خسارة الأرض الفلسطينية من عام 1947 حتى اليوم

​لقد منحت ما تسمى حرب الأيام الستة إسرائيل السيطرة على شبه جزيرة سيناء، وقطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس الشرقية، وهضبة الجولان، وهي مساحة تقدر بنحو 20 ألف كيلومتر مربع، أي ثلاثة أضعاف ما كانت تسيطر عليه بعد عام 1948. وبالنسبة للدولة الصهيونية، كان ذلك يسمى انتصاراً عسكرياً، بينما في الواقع لم يكن سوى احتلال لما تبقى من أرض فلسطين التاريخية. ويقدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الخسائر العربية بين 15000 و 25000 قتيل، و45000 جريح، و 300,000 فلسطيني مهجر دُفع معظمهم نحو الأردن، في حين بلغت الخسائر الإسرائيلية بين 650 و 800 قتيل، و2000 جريح، وهذا التفاوت ليس هامشاً على هوامش النص، بل هو استكمال للسردية ذاتها بين طرف يملك جيشاً حديثاً ومشروعاً توسعياً، وطرف آخر هو شعب ينشل من أرضه[1].

​وفي السياق ذاته، احتلت القدس الشرقية وضُمت بكل معنى الكلمة إلا رسمياً، ولأول مرة باتت إسرائيل تسيطر على ما تسميه القدس الكبرى، ومن تلك اللحظة انطلق مشروع الاستيطان أولاً في الضفة الغربية وغزة ثم في كل مكان، ليلتهم الأرض والمياه وكل إمكانية لحياة فلسطينية متواصلة، ولذلك لا يجب تسميتها نكسة بل تسميتها بما كانت عليه فعلياً وهو تعميق للنكبة نُفذ في ستة أيام ولا يزال متواصلاً حتى اليوم، فالاحتلال لم يتجمد بل تراكم وتضاعف.

​إن الجدول الزمني لـمسيرات السلام التي أعقبت النكسة هو في الحقيقة جدول زمني للخسائر الفلسطينية في زي الدبلوماسية، فالانسحاب من سيناء عام 1979 لم يحدث لأن إسرائيل طورت ضميراً، بل لأن قوة مصر العسكرية جعلت استمرار الاحتلال مكلفاً، ومعاهدة وادي عربة عام 1994 طبعت العلاقات دون أن تحل شيئاً للفلسطينيين، كما أن الانسحاب من غزة عام 2005 أبقى كل حدودها ومجالها الجوي وممراتها البحرية تحت السيطرة الإسرائيلية، ولم يكن ذلك تحريراً بل كان تحويلاً للاحتلال إلى حصار.

​وتتكلم الأرقام هنا دون لف أو دوران، فبحلول نهاية عام 2020 كان في الضفة الغربية 471 موقعاً استعمارياً وقاعدة عسكرية إسرائيلية، تتوزع بين 151 مستوطنة، و150 بؤرة استيطانية، و170 منشأة أخرى، وتضم 712,815 مستوطناً يتزايدون بمعدل 3.6% سنوياً، بحيث يصبح مقابل كل مئة فلسطيني في الضفة الغربية ثلاثة وعشرون مستوطناً، وفي القدس 71 مستوطناً لكل 100 فلسطيني[2]. وتسيطر إسرائيل مباشرة على 76% من المنطقة المصنفة (ج)، وتحتل القواعد العسكرية 18% من مساحة الضفة الغربية، بينما عزل جدار الفصل ما يزيد على 10% منها، ومنذ عام 1967 جرى الاستيلاء على 353,000 دونم من الأراضي الفلسطينية وإعادة تصنيفها كمحميات طبيعية كذريعة بيروقراطية لتهجير بطيء المفعول[3].

​وامتداداً لسياسة السيطرة، اعتُقل ما يقارب مليون فلسطيني منذ عام 1967، وهذا ليس إجراءً أمنياً بل هو تجريم لشعب بأكمله بجريمة الوجود على أرضه، حيث أمضى 26 أسيراً ما يزيد على ربع قرن خلف القضبان الإسرائيلية بتهمة المقاومة لا بتهمة الإرهاب[4]. واليوم، يبلغ عدد الفلسطينيين 13.8 مليون نسمة، منهم 5.3 مليون في فلسطين التاريخية بالضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، و1.6 مليون داخل الخط الأخضر، وأكثر من 6 ملايين لاجئ موزعين في الدول العربية وخارجها، ليكون حق العودة ليس مجرد تعلق عاطفي بالماضي، بل مطلباً سياسياً كانت النكبة والنكسة مصممتين معاً لتغليقه إلى الأبد[5].

59 عاماً على النكسة – بالأرقام

​وفي الأوقات التي يُبلغ فيها عن الإبادة كتقرير تقدم فيه صديقي هاني المدهون، نائب رئيس قسم الخيرية في الأونروا-أمريكا، وصف ما استيقظ عليه مؤخراً حين وقف بنيامين نتنياهو، مجرم الحرب الموجهة إليه لائحة اتهام وصاحب أمر اعتقال نشط صادر عن المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر 2024 بتهمة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة[6]. وقف أمام مؤتمر في الضفة الغربية المحتلة وأعلن أن جيشه يسيطر الآن على ستين بالمئة من قطاع غزة، ثم أصدر أوامره بالدفع نحو سبعين بالمئة، وعندما صاح أحد الحضور بأن إسرائيل يجب أن تأخذ غزة كلها، لم يعترض نتنياهو بل قال إن البداية من السبعين ونبدأ من هنا. لقد قالها كأنها هدف ربع سنوي لشركة، وكأن الأرض والأرواح والمستقبل الفلسطيني بنود في جدول حسابات يجري تحسينه، والعالم برؤساء دوله وموردي أسلحته وممكنيه الدبلوماسيين أجازه إلى حد بعيد[7].

​ولا يعد هذا التوصيف مبالغة، بل هو اعتراف صريح مُدلى به على الملأ أمام الكاميرات ووسط التصفيق، لتطهير عرقي معاد تسميته تحت عنوان التقدم العسكري، وإبادة تُقاس بالنسب المئوية، حيث يعيش مليونا فلسطيني مضغوطين في شريط ساحلي يتقلص، فيما يصف الرجل المشرف على العملية التقدم بالأرقام من خمسين وستين وسبعين كأنه يعتزم بلوغ المئة، ولقد شبع الناس من الرعب حتى لم يعد الرعب يُسجل كرعب، وهذا الخدر ليس مصادفة بل هو مُصنّع ويعتبر من أشد أسلحة الاحتلال فتكاً.

​إن هذا الإجهاد حقيقي لكنه ليس النقطة الأساسية، فالكثيرون بلغوا حافة الإنهاك بعد أن خرجوا في مسيرات في نيويورك وسان فرانسيسكو ولندن وصنعاء وجوهانسبرغ وفي مئة مدينة أخرى، ونشروا واتصلوا بممثليهم حتى حفظوا بريدهم الصوتي عن ظهر قلب، وحضروا اجتماعات المجلس البلدي وواجهوا من وصفوا تضامنهم بأنه معاداة للسامية، ومع كل ما فعلوه تواصلت الإبادة وامتدت إلى الضفة الغربية بشراسة متجددة. والشعور بالعجز الذي يحسه المتضامنون ليس إخفاقاً شخصياً بل هو حالة سياسية لها اسم محدد وهو الهوّة بين التعبير الأخلاقي والقوة السياسية المنظمة.

​وكما ورد في كاونتر بنش بتاريخ 20 مايو 2026، فإن النكبة لم تتوقف قط وكذلك التنظيم[8]، ويظل تحليل غسان كنفاني للثورة الفلسطينية 1936–1939 هو أدق تشخيص متاح، حيث يمكن لحركة التحرر أن تشتعل بريقاً وتُسحق رغم ذلك، عندما تفقد القيادة السياسية الموحدة والموارد المستقلة والاستراتيجية التي تستهدف الشرايين البنيوية للنظام الذي تحاربه لا مجرد الرد على استفزازاته[9]، وهذا الدرس لا يخص الفلسطينيين وحدهم بل يخص كل حركة تضامن تطمح إلى أن تكون أكثر من لحظة متكررة من المشاعر الطيبة، فالمسيرات لم تكن بلا معنى وأثبتت أن الملايين مستعدون، لكن الاستعداد دون تنظيم استراتيجي لا يتحول إلى قوة بل يتحول إلى إنهاك، والسؤال الآن ليس هل العدالة في صفنا بل هل نحن مستعدون للتنظيم بالجدية والصبر والتنسيق ذاتها التي يتحلى بها من ينكرونها.

​إن ما تستوجبه هذه الذكرى للجيل الشاب تحديداً هو ألا تكون هذه الذكرى 59 طقساً للذاكرة وحدها، فالذاكرة ضرورية كمفتاح الجدة والطفولة في عمان أثناء مشاهدة الأخبار و300,000 مهجر عام 1967، وهي شرط البقاء لشعب تحت محو ممنهج، لكن الذاكرة تصبح فخاً حين تحل محل العمل الشاق في بناء المؤسسات والمعرفة والحملات التي تهدد فعلاً الأسس المادية للاحتلال. وللجيل الأصغر الذي يقود هذا النضال في غزة تحت القصف وفي الضفة الغربية تحت عنف المستوطنين المتصاعد وفي الشتات وفي شوارع المدن التي لم تتوقف بعد عن المسير، لا يمكن تقديم عزاء أو ثناء أجوف، فهم منهكون لأنهم أدوْا عملاً حقيقياً وواجهوا قمعاً حقيقياً، وهذا الإنهاك ليس ضعفاً بل هو ثمن الجدية، ولكن يجب تحويله إلى وضوح لا التخلي عنه للإرهاق الجسدي.

​ويعني هذا بشكل ملموس الرفض المبدئي لقياس النجاح بالمكاسب السياسية الفورية فحسب، فالاحتلال وإبادته مدعومان بكامل ثقل الإمبراطورية، والإمبراطوريات لا تنهار بعد موجة احتجاجات واحدة أو خمس، ولسنا في سباق جري بل نحن نبني حركة مناهضة للاستعمار على المدى البعيد، وهذا يتطلب عمقاً استراتيجياً لا طاقة أخلاقية وحسب. كما يعني الانتقال من التعبير الأخلاقي إلى البنية التحتية السياسية، فمشاركة الإنفو غرافيك والمسيرات ضرورية لكنها غير كافية، وما نحتاجه بجانبها هو بحث مستقل، وتوثيق قانوني لجرائم الحرب، وتثقيف سياسي في المخيمات والمجتمعات في الوطن والمهاجر العديدة، وحملات تستهدف الشرايين الفعلية للاحتلال كصفقات الأسلحة، والغطاء الدبلوماسي، والاندماج الاقتصادي، والتواطؤ الأكاديمي، وهي نقاط الضغط التي تشعر بها الإمبراطوريات.

​ويستوجب ذلك أيضاً الصدق بشأن أوسلو وإرثه بصراحة وبدون لغة دبلوماسية، فالسلطة الفلسطينية ليست شريكاً للتحرر بل إنها مقاول أمني يدير التشظي وغياب الرؤية الوطنية الاستراتيجية فيما يُقتل الفلسطينيون وعائلاتهم وأطفالهم، وأي استراتيجية تعتمد على البنى ذاتها التي أذابت حق العودة ستعيد بالتأكيد إنتاج الهزيمة، وهذا ليس موقفاً متطرفاً بل هو ملاحظة تاريخية. ويعني كذلك ربط نضالاتنا دون إضاعة خصوصية كل منها، فالأنظمة ذاتها التي تهجر الفلسطينيين وتقتلهم مرتبطة بالحروب، والتقشف، ومداهمات دوائر الهجرة في شوارع المدن الأمريكية والأوروبية، والحبس الجماعي، والمراقبة في كل مكان، فتحرر فلسطين ليس قضية معزولة بل هو جزء من نضال عالمي ضد العنف الاستعماري بكل أشكاله، ويجب التصرف على هذا الأساس لا كإيماءة خطابية بل كتحليل بنيوي يشكل مع من ننظم وكيف.

​إن المفتاح لا يزال لا يفتح شيئاً ولهذا لم نتوقف، حيث بدأت هذا المقال بطفل يشاهد كارثة تتكشف على شاشة ولا يجد لها بعد الكلمات، وذلك الارتباك تحول إلى عزم، وكل جيل من الفلسطينيين وكل جيل من الناس الذين يرفضون التواطؤ في تهجيرهم يزداد إدراكاً لما يُفعل وأشد وضوحاً في بصيرته لما يلزم لوقفه. وفي هذه الذكرى التاسعة والخمسين، لا يجري رثاء الموتى والمهجرين والمفاتيح التي لا تزال لا تفتح شيئاً وحسب، بل التذكير بأن الاحتلال ليس تاريخاً مضى بل إنه يحدث الآن في النسب المئوية وفي المستوطنات وفي الاعتقالات وفي رجل بأمر اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية يعلن بلا اكتراث أهدافه الإقليمية وسط تصفيق، ونحن لا نزال هنا ولا نزال ننظم ونرفض السلام مع حسابات التطهير العرقي.

​إن الصمت ليس حياداً بل هو تواطؤ، لكن الضجيج دون استراتيجية ليس مقاومة بل هو الشرط الأولي لموجة الإنهاك التالية، ولتكن هذه الذكرى لحظة توقف وتقييم والتزام متجدد لا بمزيد من الغضب بل بتنظيم أكثر فاعلية وتنسيقاً وإصراراً، فهذا ما تطلبه مفاتيح أجدادنا، وهو ما يطلبه الثلاثمئة ألف مهجر عام 1967، وهو ما يطلبه أطفال غزة الذين يُقاسون الآن بالنسب المئوية على يد رجل يعتزم بلوغ المئة.

الهوامش الموثقة للمقال:

[1] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (PCBS). “الستون عاماً على النكبة والنكسة.” رام الله، 2025.

[2] PCBS. “التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية: تقرير إحصائي 2021.” رام الله، 2022. انظر أيضاً: Peace Now، “عدد المستوطنين 2020–2021″، فبراير 2022.

[3] معهد الأبحاث التطبيقية – القدس (ARIJ). “مصادرة الأراضي والمحميات الطبيعية في الضفة الغربية.” بيت لحم، 2023.

[4] مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان. “التقرير الإحصائي حول الأسرى الفلسطينيين.” رام الله، ديسمبر 2025.

[5] PCBS. “تقديرات عدد السكان الفلسطينيين حتى نهاية 2025.” بيان صحفي، يناير 2026.

[6] المحكمة الجنائية الدولية. “أمر القبض على بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت.” ICC-01/18، 21 نوفمبر 2024.

[7] هاني المدهون، مراسلة شخصية وبيان علني، مايو 2026. توثيق مصوّر في الملف.

[8] مناضل حرز الله، “النكبة لم تتوقف”، كونتربنش، 20 مايو 2026.

[9] غسان كنفاني، ثورة 1936–1939 في فلسطين. انظر أيضاً: هاني حبيب، “الإرث الثوري لكنفاني”، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 52، العدد 3 (2024)، ص45–67.

د. مناضل حرز الله، دكتوراه في التربية، أحد مؤسسي شبكة المجتمع الفلسطيني الأمريكي USPCN. مربٍّ ومنظِّم نقابي وناشط طوال حياته من أجل فلسطين حرة وتحرر جميع الشعوب.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *